مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أعشاش – ابراهيم سليمان نادر

 

 

أنكري ،

ألبسني حزن العصافير ،

وقال :

لست انت ! .

في حضن العش الانيق بركن مسجد قديم ، مطت العصفورة الجميلة جناحيها ونفشت ريشها البني مستقبلة اشعة الشمس ، ثم رفت قليلا كمن يمارس رياضة اليوم وقالت لفرخها العابث :

– آن الاوان يا عزيزي كي تتعلم الطيران .

– ولكني خائف يا أمي .

– لا باس عليك يا بني ، فانا معك حيثما تحط ، ولكن تذكر على الدوام امرين مهمين في حياتنا نحن معشر العصافير .

اولهما : ان لا تحلق في الارتفاع الذي يتمكن فيه الباشق اللعين النيل
منك .

وثانيها : تعلم جيدا ان الانسان الذي ينظر الى الارض حين يراك ، انما يفتش عن حصاة لقتلك بنفاقته .

تأمل الزغلول الصغير وصية امه وقال لنفسه :

( حقا ان امي مخطئة ، لقد فاتها ان التحليق على ارتفاع منخفض يعرضني للصيد بسهولة ) .

نظر العصفور الصغير الى امه بشيء من السخرية ثم نط بحماس الى الفضاء وحلق دون ان يكمل الدرس الاخير ، بينما راحت الام تتابعه بسقسقات فيها شيء من الغضب والاستياء .

على حافة النافذة الجنوبية لحجرة نوم في الطابق العلوي ، اكملت العصفورة الجميلة عشا انيقا لتتزوج فيه .

كانت حجرة العروسين فاخرة الاثاث ، رائعة التنسيق والترتيب تزينها تحف نادرة وسجادة باهضة الثمن غطت كل مساحة الحجرة الزاهية .

كانت العصفورة تستيقظ كل صباح على صوت ( فيروز ) والزوجان الحبيبان يغمران بعضهما بقبلات متتالية ، وانقضى شهر العسل .

ذات صباح استيقظت العصفورة على شجار وصراخ بين الزوجين العاشقين ولم تسمع صوت ( فيروز ) .

عمت الكابة والحزن معالم العش الجميل .

دندنت العصفورة اسبوعا كاملا لتعوض صوت ( فيروز ) ، بيد ان الحبيبين ظلا متخاصمين ..

في الاسبوع الثاني : افترق الزوجان وغطست الحجرة الحالمة في لجة الصمت والفراغ ، ثم غابت في افق التلاشي .

في الاسبوع الثالث : هدمت العصفورة الجميلة عشها المنسق بعد ان ذبلت الاناقة فيه ورفت بعيدا الى بيت اخر يصدح فيه صوت ( فيروز ) .

اطلت العصفورة الجميلة من عشها الانيق الذي اعتنت ببنائه في سقف مخزن متروك ، فرأت سيفا قد علاه الصدأ والتراب . كان السيف بين كومة من الحديد المهمل .

قالت العصفورة للسيف :

– ايها المهند العريق ، ألا تخجل من موقعك هذا ، والناس يتغنون بامجادك وماثرك ويشيدون بافعالك العظيمة . اجاب السيف بكبرياء الفرسان :

– لقد كنت المع كالبرق ، واقصف كالرعد ، فترتجف لي افئدة الرجال ، غير اني صرت اليوم اقوم باعمال وضيعة في هذا المخزن لا تتفق ومقامي الرفيع .

دخل المخزن فجأة ، فلاح منتفخ الصدر ، شامخ الهامة ، اجال ببصره في كومة الخردة واخذ يعبث فيها كمن    يبحث عن شيء ما .

ركل الفلاح السيف بقدمه جانبا وخرج من الخزن وهو يتأفف .

 قالت العصفورة :

– هل رأيت ايها السيف الصدى كيف اقتحم علينا الفلاح المكان كالمارد الجبار ، فارتعدت له اوصال المخزن وكانه قوس النصر .

صمت السيف الممدد ثم تنهد وقال :

– يا عصفورتي الجميلة ، لا تتوهمي به ، انه الهزيمة بعينها .

من العش المنسق الجميل بين اغصان شجرة الجوز الكبيرة ، شاهدت العصفورة الرقيقة ثعلبا يلهث من الجري .

قالت العصفورة :

– ما بك ايها الثعلب ؟ .

– ايتها العصفورة الحلوة الطيبة . ان كل من في الغابة يرميني بتهم باطلة ، ويلفق بن تهما سيئة .

– وماذا يقولون ؟ .

– يقولون بانني جبان وماكر ولص ومحتال ، هذه امور مشينة لا ارضاها لنفسي.

اناشدك ايتها العصفورة المهذبة ان تشهدي على براءتي ، وتبرئي
ساحتي .

بدأ الثعلب يبكي بمرارة واسى والعصفورة ترقب باهتمام تصرفاته العجيبة ، ثم قالت له ساخرة :

– انت في وهم ايها الثعلب ، لقد رايتك بعيني مرارا واثار ضحاياك قد التصقت على انفك المدبب .

انتهت العصفورة الجميلة بعد عناء من تنسيق عشها الانيق الذي أصبح محط اعجاب معشر العصافير ورأت أن ما ينقصه هو ساعة توقيت يعمل منبهها بكفاءة ودقة .

بدأت العصفورة الانيقة تسأل وتتحرى مع عصفورها الذي هده البحث عن تحقيق رغبة حبيبته العجيبة .

 مرت أيام وأسابيع ولم تحصل العصفورة على حاجتها ، لكن فنجسا صغيرا أخبرها بأن نوعا من الساعات الالكترونية قد ظهر في غابة الجبل الاخضر .

مل العصفور من أمنية عصفورته ، فغادر العش وحلق الى عمق المدينة الصاخبة .

عادت العصفورة الى عشها الحالم دون أن تجد ساعتها المنشودة ولا عصفورها الحبيب ، وراحت تفتش عنه في الفضاءات القريبة والبعيدة .

بعد الرحلة المتعبة ، عادت العصفورة خائبة الى عشها الانيق ، لكنها فوجئت بعصفورة فاتنة فيه والى جنبها عصفورها القديم .

ظلت العصفورة هنيهة عند بوابة العش ، ثم حلقت باكية الى عالم بلا عصافير .

بين تشابك جريد النخل وسعفه على كوخ ريفي يطل على جرف نهر ، بنى عصفوران عشهما الانيق .

كانت هناك أشرعة ملونة وصيادون ومواويل حزينة وبضع صبايا
حالمات ، يتهامسن بشوق وحياء . ملأن جرارهن ، ثم مضين بدلال الى خضرة الربيع .

كان النهار رائعا ، وكانت هناك بيارات ومساحات ضياء وابتهالات 
رجاء ، وقناديل تتدلى .

فجأة …. !!

هبت ريح فانحنى صياد وطوى الشراع . سخرت العصفورة الانيقة
وقالت :

– لقد خاف الصياد من هبوب الريح .

رد العصفور الجميل بشيء من الحكمة والكبرياء :

– كلا يا حبيبتي ، لقد أخذ حاجته من الهواء فقط ، وأكتفى بها ، ولا شيء غير ذلك .

عصفت الريح واشتد صفيرها ، فتطاير سقف الكوخ وتناثر منه العش
الانيق ، وفرّ العصفوران الى الفلاة …

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading