فنانون ونقاد عرب وعالميون يحاولون الإجابة على سؤال… خصوصية الفن العربي / جعفر الديري

هل للفن العربي خصوصيّته بين فنون العالم المعاصر؟ كان هذا السؤال، ولا يزال مثار نقاش بين الفنانين العرب وغير العرب أيضا، في سبيل الخروج بتوصيات واضحة، يمكن البناء عليها، وتحقيق حضور أكبر للفن العربي بين فنون العالم.
ومن المحاولات الجادة للإجابة على هذا السؤال، دورة كبيرة عقدت تحت عنوان «أية خصوصية للفن العربي في العالم المعاصر؟»، في الفترة (24 الى 30 أبريل 2004) في مركز البحرين الدولي للمعارض، ضمن أعمال ملتقى البحرين أصيلة للثقافة والفنون.
وخلال جلسات الندوة، قال الناقد البروفيسور البلجيكي جين نيجام: هناك مجموعة من الأسماء الفنية المغاربية التي كان لها اسهامات كبيرة في الفن العالمي، استطاعت أن توجد اختلافا وخصوصية لها في سياق الفن العالمي، ومن هذه الأسماء الكبيرة الشرقاوي والمغاربي، وسبق لي التعرف على الفن العربي من خلال لقائي بمجموعة من الفنانين المغاربة في أصيلة، وكانت لدي نية للكتابة عنهم، وكانت لهم تجاربهم وخصوصيتهم وهم يساهمون في أصيلة كما أن لهم معارض في أماكن متعددة، وأجد لهم هذه الأيام معرضا مشتركا لعشرين فنانا مغاربيا، ويمكنني القول ان هذا المعرض بمثابة تعبير ثقافي مغاربي، ينتقل بالفن الى الشارع، كما لاحظت من خلال لوحات هذا المعرض أن هناك نوعا من الانتقال داخل اللوحة بحيث تأخذ أبعادا وفضاءات أخرى، وهناك نوع من التغيير تحت أشكال متعددة وبأدوات مختلفة وتقنيات أخرى، ويصر هؤلاء الفنانون على جعل الفضاء أداة تعبير تساهم في الابداع والخلق.
وأضاف: استوقفي في هذا المعرض سؤال عن إطار اللوحة، وسألت الفنانين فقالوا إنه لا داعي اليها، فبدأت التفكير في ذلك، فإطار اللوحة كان قادما من الغرب، وكل ما يجري في العالم هو من قبيل التأثير، والمعارف لها تأثير كبير على الفنانين، لأن لكل فنان مطالبة بنوع من الخصوصية ونوع من الأصل، وهو ما أعتبره في الوقت نفسه مطالبة بفضاءات وأراض أوسع للتعبير، وان كان هذا الكلام يشير الى وجود تقاليد ورواد شاهدت لهم أعمالا عدة، فالاتجاهات الفنية لا تحددها الكتب فاللوحة مادة حية لا تعيش الا بمشاهدتها داخل العين، وأذكر هنا روادا في المغرب قدموا لوحات أيام الستينات يمكننا من خلالها ملاحظة الفرق الكبير بين رواد الفن العصري في أوروبا وأميركا وفي البلاد العربية، قدموا مساهمة كبيرة في رسم الجرافيك الذي هو أحد مفاتيح هذه الخصوصية، ووجدت أعمالا تضع الكأس في أشكال متعددة وبنوع مختلف من الموسيقى المتكررة كما وجدت علاقة رائعة بين الفن والشعر.
الفنون المستوردة من نتاج النقد الأميركي
وعلق الفنان والناقد التشكيلي السوري طلال المعلا بالقول: ان المنتج التشكيلي العربي، حين بدأ بالتطور، كانت له إمكاناته، لكن المشكلة كانت في قبول الفن القادم من المنطقة العربية أو العالم الثالث بشكل عام، فالفنون التي تستورد في العالم هي الصورة التي أوجدها النقد في أميركا، ويمكن أن نلمس في البيناليات سواء بينالي الشارقة أو مصر أو في التظاهرات التشكيلية الكبرى، أن المشكلة لا تتعلق بالعالم العربي فقط بل بالفن بشكل عام، فحتى الفنان الصيني أو الافريقي مثلا حينما يُحتفى به يقال فنان قادم من الصين أو من إفريقيا، فالصورة التي كانت تعتمد على أسس واقعية أصبحت اليوم تعتمد على الصورة الرقمية، ليبرز سؤال هنا يتلخص في، ماذا يفعل الفن العربي أمام هذا كله؟! بالتأكيد أنه أمام منعطف مميت، فهي يستخدم التكنولوجيا دون أن يسجلها. لهذا السبب أقول ان فن التشكيل العربي هو الوحيد المدعو لتجاوز الحالة المفروضة علية، لكن هذا لا يعني غياب المحاولات، فبينالي الشارقة مثلا تحول من الحالة الساكنة الى شكل آخر ينتمي الى فنون ما بعد الحداثه. لكنني أقول أيضا أن كل تاريخ الفن اليوم مقطوع بتفكيكية نظرية مع كل الفنون الإنسانية، فالمتحف لم يعد يشكل شيئا والنظرة الى السياسة بدأت بتشكيل الوضع الفني، فما الذي يستطيع عمله الفنان العربي؟! الجواب أن يكون جاهزا للحوار والى طرح رأيه مدعوما من مختلف المستويات التي تقدم الفنون.
العرب ركبوا قطار الفنون التشكيلية بأفق أوروبي
فيما قال الفنان التشكيلي البحريني د. أحمد باقر: نحن نناقش موضوعا لا نعرف له حدودا، وإن حاولنا الإجابة عليه فسنخلص لا شك إلى نتائج عن الماهية والخصوصية وفقا لتجاربنا الشخصية، وما يزيد الأمور تعقيدا أن السؤال عن الفن العربي وخصوصيته ارتبط بالسياسة، وقد تعثّر الفن عندما تعثرت السياسة، وهناك طبعا محاولات جادة لتقديم الإجابة على سؤال بخصوص الفن العربي وخصوصيته، اتخذت جانبا نظريا وأخرى جانبا عمليا وأحيانا كلاهما، لكنها تظل محاولات قاصرة لم تكتمل، وقد ركب أبناء الأقطار العربية قطار الفنون التشكيلية بأفق وتصور أوروبي، الأمر الذي دعا مجموعة من الفنانين العرب إلى الدعوة إلى الحفاظ على الهوية العربية مع مواكبة الفن العالمي لإنتاج فن عربي حديث.
أصبح الفن لعباً بالأشكال والذاكرة
ومن جهته قال الناقد الفرنسي جان لامبرت: ان الفن العربي – والفن المغربي خصوصا – يمتلك من المقومات ما يجعله فنا عربيا ذا توجه عالمي، متسدلاً على ذلك بالنظرة الشبابية الجديدة للفن، والتي منحت الفنان الشاب مساحة رحبة للمشاركة في المنتوج العالمي وفق مواصفات عربية محلية، لكن لابد من إعادة مفهوم الفن المعاصر من منطلق وجودنا في القرن الواحد والعشرين، فهناك ظاهرة فنية عالمية تهم أميركا الشمالية والشمال الإفريقي وهي ظاهرة تجاوز الفن، فمن الملاحظ أن الفنانين توقفوا عن إنتاج منتوجات فنية متحولين إلى أعمال فنية متحررة نوعا ما، فلقد تأسست طريقة فنية جديدة شملت الفيديو والفن البصري، فلم يعد الفن حاليا عملا سياسيا أو دينيا صارما، بل أضحى أيضا لعبا بالأشكال أو بالذاكرة، يمارسه الفنانون لأجل الولوج إلى الحياة التي يرغب الفنانون الشباب في تغييرها، وذلك عن طريق أفكار تمر من ذهن الفنان إلى الجمهور.
جدل الفن مع الواقع وتحوُّلاته
من جانبها قالت الفنانة التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو: إن ما يعرض حالياً من فن على السَاحة العالمية، يعكس جدل الفن مع الواقع وتحوُّلاته، وهو لا يحتوي على قيمة وثائقية توثق للفن المعاصر كما كان الأمر في السابق، بل يحتوي توثيقاً للواقع المعاصر بوسائل الفن، والفن العربي جزء لا يتجزأ من عالم الفن المعاصر من خلال الموضوعات الحيوية التي تتناولها متمثلة في العولمة والعنف والعنصرية والهوية والحقوق المدنية، وكل القضايا التي تهم البشرية جمعاء.
وأضافت في ورقتها خلال أعمال الندوة: قبل أن أتحدّث عن خصوصية الفن العربي لا بد أن نتجول قليلا في عالم الفن المعاصر في زمن العولمة، ومن خلال زياراتنا لبعض معارض الفن التشكيلي العالمية كمعرض دوكومنتا للفن التشكيلي الذي يقام بمدينة كاسل بألمانيا كل خمسة أعوام أو معرض بينالي فينيسيا (معرض السنتين) الذي زرته في الصيف الماضي أو معارض الفنون التشكيلية السنوية التي تقام في أدنبرة باسكتلندا في المهرجان الثقافي السنوي، ومعرض (المودرن تيت) الدائم والمتغير في لندن بالإضافة إلى بعض المعارض التشكيلية في المدن الرئيسية في أميركا، وجدت أن ما يدور في إطار تلك المعارض هو نقاشات كثيرة أكثر تشويقا وإثارة للجدل بشأن قيمة ووظيفة الفن في وقتنا الحالي، وذلك عبر وسائل مختلفة بعيدة كل البعد عن الوسائل التي استخدمت في تنفيذ الفن التقليدي. ان أهم الموضوعات التي تناقشها تلك المعارض هي: العولمة والعنصرية والهوية والحقوق المدنية التشكيك في الواقع وتجسيد التصورات النظرية واحالتها إلى أعمال فنية، وتحاول تلك المعارض التشكيلية بجدية تقديم فنانين من شتى أنحاء العالم ومناقشة أكثر المشكلات الحاحا في الثقافة المعاصرة، كالعولمة وإثبات أثرها في الفنون والتغيرات التي تطرأ على الفن تحت تأثيرها، ومن الملاحظ في تلك المعارض التشكيلية المعاصرة أنها تمثل تطور الفن التشكيلي من خلال تغير الوسائل والاشكال في التعبير ولم تعد أدوات الفن المعاصر هي الفرشاة واللوحة أو الأزميل والرخام، بل أضيف لها التصوير الفوتوغرافي والفيلم السينمائي، وأفلام الفيديو. ومن الملاحظ أن ما نراه معروضا على الساحة العالمية يعكس جدل الفن مع الواقع وتحولاته، وعدم احتوائه على قيمة وثائقية توثق للفن المعاصر كما كان الأمر في السابق، بل توثيق للواقع المعاصر بوسائل الفن، فالتصوير الفوتوغرافي يسعى الى نزع الواقع من سياقه الأصلي ووصفه في سياقات أخرى مغايرة ومن ثم القاء نظرة جديدة على هذا الواقع، فهناك فرق كبير بين الواقع المصور والقدرة التعبيرية للصورة في حد ذاتها. فالعمل الفني لا يقتصر على عرض الواقع فقط بل يتعداه الى ما هو أبعد من ذلك.
مصطلح جديد يتجاوز الاختصاصات الأكاديمية المعروفة
وتابعت القول: ما تقدّم ذكره نستطيع تلخيصه في مصطلح جديد في عالم الفن، ظهر في خضم العقد الأخير من القرن العشرين وهو ما يعرف بالثقافة البصرية. هذا المصطلح الجديد يشمل مجموعة واسعة من الإعلام المرئي يتعدى الأنظمة والاختصاصات الاكاديمية المعروفة مثل التصوير والسينما وتاريخ الفن والفنون الجميلة، وتحت تأثير التطور والمتغيرات السريعة في الاعلام المرئي، أصبحت الثقافة البصرية مجالا قائما بحد ذاته، ما أدى الى البحث عن مفاهيم جديدة وإعادة تقييم تاريخ الحداثة وما بعد الحداثة بالنسبة إلى وسائل المرئيات تحت تأثير الوسائل الرقمية والالكترونية الحديثة المنتشرة على نطاق واسع في المجتمعات كافة. لقد أصبح ما بعد الحداثة هما يلازم الفنان التشكيلي العربي في الوصول الى العالمية ومواكبة العصر الحديث انطلاقا من الخصوصية وما يترتب عليها من مستجدات محلية سواء كانت فكرية أو فلسفية أو ثقافية، فالتقارب بين الانتاج التشكيلي العربي الحديث والانتاج التشكيلي العالمي يبدو جليا وخصوصا في إطار ما بعد اللوحة الفنية، مشيرة الى ان التجارب العربية الحديثة تأخذ ابعادها العصرية بارتكازها على آلية التحديث في الأفكار والرؤية الذاتية لدفعها الى الاتجاه العالمي والعيش في العصر الحديث، وقد استطاع عدد من الفنانين تقديم صورة متزنة دخلت إلى الفن العالمي والانساني كتجارب جديدة في تناول بعض الأفكار الفلسفية وطرحها من خلال فن الفيديو الانشائي أو الصورة الفوتوغرافية أو الغرافيكا القائمة على التقنيات والوسائط التي توفرها البرامج التخصصية في جهاز الكمبيوتر والتعاطي معها بالعقلية الجديدة المتطورة، ومحاولة تقديمها بصيغة حديثة مبنية على التحرر الداخلي في التناول الذي يطلق الحالة الذاتية المتحررة، فالحداثة تقوم بعملية التقارب الانساني من خلال القلق اليومي الذي يعكس على العمل الفني لإظهار الكوامن العميقة المخترنة للإنسان.
وأضافت فخرو: سأتعرض لبعض الأعمال الفنية التي قدمتها الفنانة الاسترالية “بتريشيا بجينيني”(Patricia Piccinini) في معرض بينالي فينسيا 2003م تحت عنوان «كلنا عائلة واحدة»، وقد عرضت الفنانة إشكالية الاستنساخ، ولجأت إلى استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة في تجسيد محاولات تدخل الانسان في تغيير الجينات والعبث في المخلوق البشري واستنساخ الكائنات الحية، فالمشاهد يصاب بالذهول والرعب والفزع عندما يشاهد هذه المجسمات المخيفة، وهنا يأتي دور الفنان في تجسيد التنبؤ بالمخاطر والكوارث في المستقبل عن طريق الثقافة البصرية. والفنان البحريني أنس الشخ، أحد الفنانين العرب الذين اتجهوا الى الثقافة البصرية في طرح ومناقشة ما يدور على الساحة العالمية من أفكار وصراعات، ففي معرضه الشخصي الذي شارك به في ملتقى الفنون في مهرجان الدوحة الثقافي بدولة قطر في مارس/ آذار 2004، كان عنوان العمل تحت مسمى تشويش (confusion) ويتكون العمل من غرفة مظلمة يوجد بها أربع شاشات تلفزيونية تحوي صورا فوتوغرافية لثلاثة وجوه للفنان انس الشيخ مرتديا غترة (شماغ) رجل دين في اثنتين من الشاشات التلفزيونية يتوسطها صورة الفنان أنس الشيخ في زي مغاير ألا و هو البدلة الأوروبية الكلاسيكية وربطة عنق (البابيون) والشاشة الرابعة وضعف في قفص كبير في مواجهة الشاشات التلفزيونية الثلاث يعلوها مصباح كهربائي صغير في داخل القفص، وتظهر على الشاشة صورة فتاة حاسرة الرأس التقطت صورتها من الخلف وتتغير صورتها الى أخرى بالحجاب كأنها في مواجهة الشاشات التلفزيونية الثلاث، وقد التقطت صور الفنان انس الشيخ بكاميرا الفيديو ونستشف ذلك في حركة العين وتبدو الصورة كأنها تمثال حي يتجاوب مع نظرات المشاهد ونظرات الفتاة المحجبة تارة وحاسرة تارة أخرى، وأنا كمشاهدة أشعر أني في مواجهة مع السلطة الدينية وصراعها مع الحياة الدنيوية، بالاضافة الى شاشات التلفزيون يوجد جهاز (بروجكتر) يعكس صور ضوئية على هيئة ومضات من كلمات مثل (سلام، حب، كراهية، حرب) بعدة لغات بالاضافة الى سماع صوت طلقات نارية على يمين الحائط الخلفي المظلم. إن ذلك العمل الفني المركّب يضع المشاهد في حال وجدانية خاصة وذاتية، قائمة على الاحساس والشعور الذي يولدهما العمل الفني وتفسر حسب خلفية المشاهد بحيث تختلف من شخص لآخر، ولا شك أن الفنان انس الشيخ له عالمه الخاص الذي تأثر به وكون تجربته الفنية مستعملا كل التقنيات الحديثة لإيصال أفكاره عبر تجارب بحثية متواصلة المعززة بحداثة العصر والمثيرة لمجموعة من الأسئلة التي تقلق المشاهد، وهذه الخصوصية التي تميز الفنان انس الشيخ تضاف الى التجارب البشرية العالمية، ولا شك أن الأمثلة في عالم الفن كثيرة ومنتشرة في العالم أجمع، لكنني اخترت الفنانة بتريشيا بجنيني الاسترالية التي عرضت أعمالها الفنية في معرض بينالي فينيسيا 2003م لما أثارته في نفسي من ذهول ورعب وفزع عندما شاهدت مجسماتها المخيفة ودورها في تجسيد التنبؤ بالمخاطر والكوارث المحتملة في المستقبل، فهي لا تمسك العصا من الوسط، لأن عصاة الفن يجب أن تمسك من أقصى الطرف، كما أن ذلك ينطبق على الفنان أنس الشيخ الذي بهر الجميع في ملتقى الفنون بمهرجان الدوحة الثقافي وبشهادة الناقدة التشكيلية العالمية الوكيل المساعد في وزارة الثقافة في جمهورية مصر العربية فاطمة اسماعيل، عندما شاهدت عمل الفنان أنس الشيخ تحت عنوان (تشويش) أعجبت به كثيرا وقارنته بالأعمال الفنية العالمية، وذلك بسبب نضج التجربة الفنية ومهارته العالية في تقنية المؤثرات الخارجية.
نُشر لأول مرة في صحيفة الوسط البحرينية: العدد : 599 | الإثنين 26 أبريل 2004.



