ضياء في ليلة سوداء/محمدعبدالمرضي منصور

في هذه القرية، ينام الناس على ضجيج الدراجات النارية في جوف الليل، ويستيقظون عليها عند الظهيرة، يبدأون يومهم بجرعات القهوة كطقس يومي لإقناع أدمغتهم بالعمل، ثم يتدفقون نحو أشغالهم كآلات مبرمجة.
وسط هذا الهراء الثقافي، كان ضياء يقف وحيدًا كل صباح في شرفة منزله يراقب المشهد بقلبٍ مثقل بالأحزان، يتأمل عصافير جاره المسجونة في القفص الحديدي الضيق؛ زقزقتها لم تكن غناءً بل كانت صرخات مكتومة تطلب العتق لكن الجار كان يرى في هذا الأسر بهجة تسر الخاطر. وفي الليل، كان ضياء يراقب جاره وهو يجلس تحت قفص العصافير وبجواره كلبٌ مقيّد بالأغلال الحديدية وكأن الأمر طبيعي، ينفث الجار دخان سيجارته باتجاه شاشة هاتفه، غارقًا في وهمٍ ثقافيٍّ قديم بأن هذا التبغ يمنحه هيبة المفكرين والأدباء
لكن الوهم كان قد تغلغل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ لقد نزل من الرؤوس ليستقر في البطون. ابتلع أهل القرية النظريات التي رُوّجت لهم في الشاشات والكتب الحديثة؛ فاقتنعوا أن الأسماك النتنة كالفسيخ وغيره أطعم من الأسماك الطازجة، وباتوا يأكلون اللحوم المصنعة والخبز المخلوط بمسحوق الصراصير واليرقات، مقتنعين بأسطورة البروتين البديل. وحين يمرض أحدهم، يهرع لتجرع سوائل كيميائية حارقة، هي في الأصل مركبات تُستخدم لاستخلاص المعادن من الصخور، لكنهم صدقوا بأمل أعمى وأنها تشفي كل علة.
استمر هذا المشهد العبثي لسنوات، والقرية تتآكل تدريجيًا، لم يكن الأمر بحاجة إلى معجزة لينهار كل شيء، بل كان مسألة وقت فقط قبل أن تدفع الأجساد ثمن ما استقرت عليه العقول. في أحد الأيام، ساد صمتٌ غريب على غير العادة؛ لم يقطع جوف الليل ضجيج الدراجات النارية، ولم يستيقظ الناس عند الظهيرة. هرع ضياء إلى شرفته مستغرباً، ليرى المشهد وقد تبدل تماماً. كانت شوارع القرية خالية، والآلات البشرية المبرمجة لم تتدفق نحو أشغالها كالمعتاد. لقد تفشى وباءٌ غامض ومرض عضال في بطون أهل القرية نتيجة تلك السموم والبروتينات الهجينة التي تجرعوها، وانهارت أجساد الشبان الذين ظنوا أنهم يبنون القوة من مسحوق الحشرات، بينما رقد البقية في بيوتهم يصارعون هذا الوباء بمناعة داخلية وهنت على مر السنين بسبب كثرة تناول الأدوية الكيميائية.
التفت ضياء نحو بيت جاره، فوجده هو الآخر ممدداً على مقعده الخشبي تحت شرفته، شاحب الوجه، وعاجزاً عن الحركة، وبجواره هاتفه الذي انطفأت شاشته أخيرا. في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت القرية تعيش لحظة الحقيقة المؤلمة، حدث الشيء الوحيد الذي حمل معنى في هذا الخراب؛ تسببت حركة الكلب المقيّد الهستيرية طلباً للطعام في اهتزاز العمود الخشبي، مما أدى إلى سقوط قفص العصافير الحديدي على الأرض وانفتاح بابه الصدئ. راقب ضياء العصافير وهي تخرج ببطء، وتنفض غبار الأسر، ثم تحلق عالياً في السماء الصافية، مطلقة زقزقة حرية حقيقية لأول مرة. انطلق الكلب هو الآخر بعد أن تسببت قفزاته في كسر قيده ليركض بحرية نحو الأفق. وقف ضياء وحيداً، يتنفس الهواء النقي الذي خلا لأول مرة من دخان السجائر وعوادم الدراجات، مستوعباً الدرس القاسي: أن الطبيعة دائماً ما تعيد ترتيب نفسها، وأن القيود والأوهام، مهما بلغت قوتها، لا بد أن تنكسر أمام حتمية الحقيقة.



