مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

المشهد المسرحي والوسائط الرقمية الجديدة ✍أنطونيو بيتزو-ترجمة أماني فوزي حبشي

غلاف كتاب بعنوان 'المسرح والعالم الرقمي' يتضمن مقاعد في مسرح ومشاهدين.

(١) الواقع الافتراضي كبيئةٍ إبداعية

في بدايات التسعينيات قرَّر بعضُ الفنانين والباحثين، الذين اجتمعوا في جامعة كانساس (في الولايات المتحدة الأمريكية)، العمل على إنتاج عرضٍ ينجحون خلاله في دمج الفضاء والممثلين الفعليين مع أجواء الواقع الافتراضي. وقد تسبَّبَت فكرة إدخال إنتاجٍ مماثل داخل الملف الرسمي لجامعة المسرح University theatre في الكثير من الارتباك؛ حيث إن العلاقة بين المشهد الرقمي والمشهد المادي تبدو علاقةً بعيدةَ الاحتمال وجريئة. وبعد تنفيذه نال العرض إعجابًا شديدًا، وأصبح العرض الأول في هذه السلسلة، وما زال يُعتبر حتى اليوم العرضَ الرائدَ في التجريب في هذا المجال.

ذلك الإجراء الفريد في إخراج هذا العرض، بالإضافة إلى استثمار الأشكال المتعلقة بذلك العرض، والذي سنعرضُه بتفاصيلَ أكثر في الفِقْرة التالية، كان له الفضل أيضًا في طرح بعض الأسئلة ذات الطابع العام.

إن الواقع الافتراضي Virtual reality هو تكنولوجيا كانت في ذلك الوقت تثير الشكوك أو الاهتمام الشديد، وذلك بسبب الغموض المحيط بمعنى المصطلح. ترتبط الكثير من المعاني المزدوجة والجذابة (والمضلِّلة) بهذا المصطلح، وتعوق إمكانات تحديد تعريفٍ معيَّن له، إلى حد أنه حتى اليوم، لا نستطيع إغلاق الجدل حول جوهره، وما يتضمَّنه المصطلح من الناحية النظرية والعملية.

وفي تلك الأعوام، ومع بداية الانتشار التشعُّبي لشبكة الإنترنت، وعندما لم يكن الحاسوب بعدُ أحد أجهزة المنزل الأساسية، وبالأخص مع محدودية إمكانات معالِج المعلومات وكروت الجرافيك، كان الواقع الافتراضي شيئًا يشبه الخيال العلمي. أصبحَت الطرقُ التي تصف السينما والتليفزيون بها ذلك العالَم الرقميَّ الجديدَ طرقًا غامضة ومليئة بالمتناقضات، متنوعةً ما بين الخوف والأمل. وكانت السينما والتليفزيون والصحافة، تسقُط أحيانًا في إغراء هذا الموضوع، وتخصِّص لمناقشة هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، ولكن دون أن يؤثِّر ذلك تأثيرًا فعَّالًا في توضيح المصطلحات.

كانوا يربطون بصفةٍ عامةٍ فكرة الواقع الافتراضي بالشاشة والكماليات المرتبطة بالحاسوب، أو بالأزياء التكنولوجية المُفرِطة التي بمجرد ارتدائها تنقل جسدَنا كله ومشاعرَنا إلى العالم الرقمي. وفي هذه الحالات يكون التركيز على إمكانية إلغاء أقصى ما نستطيع من الواقع اليومي، وأن نصل أجسادَنا مباشرةً بالواقع الرقمي. وجميعُها بالتأكيد افتراضاتٌ مرتبطة بالاتجاهات الحالمة أو المُبالَغ فيها المنتشرة في ثقافتنا المعاصرة، والتي تتخذ شكلًا طموحًا يرتبط بالفكر نفسه الخاص بتجاوز فضاءات الاستقبال الواقعية، ويرتبط بالفكر نفسه يوتوبيا تلك الإنسانية التي لها مقَرٌّ فيما وراء الأشياء، وحقيقةٌ تختفي خلف ما هو ظاهر. خلال رؤى الحركات الفنية فإن هذا النوع من الواقع الافتراضي يستمر لتخطِّي أو تضخيم إمكانات التلقي اليومية في القرن العشرين؛ فهو مكانٌ للمحاكاة غريبٌ تمامًا عن الفضاء الواقعي الذي تشغَله أجسادنا.

على كل حال، سنجد أنه في كثيرٍ من معالجات الفضاء الافتراضي يُوضَع الإنسان في بيئةٍ ماديةٍ تمامًا، وتكون لحركاته خاصية المحاكاة القوية للواقع، ولكن لتصرُّفاته علاقة سببية وتأثيرية في عالم الحاسوب الرقمي، والذي يتفاعل ويقدِّم ويُعيد تلك النتائج نفسها من خلال عملياتٍ آلية على البيئة. إذن فالواقع الافتراضي يتجسَّد كعالمٍ حتمي، مرتبط بالواقع، خاص بالإدراك المادي اليومي. وفي هذه الحالة تكتسب المكوِّنات التقنية أهميةً أكبر؛ فالواقع الافتراضي ليس عملًا فكريًّا، بل أحد إمكانات الواقع.

بالنسبة للبعض، على سبيل المثال، اشتُهرَت بالفعل إمكانية محاكاة قيادة الطائرات الخاصة بتدريب الطيارين. وفيها يجلس الشخص بداخل تقليدٍ دقيقٍ لكابينة قيادة طائرة بوينج ٧٤٧، مغلقة في كبسولةٍ محكمة الصنع من المكابس المائية، لا تعتمد تلك الخبرة فقط على صور عملية الطيران التي تظهر على الشاشات/النوافذ الصغيرة، ولكن تَم أيضًا استعادة حركات الطائرة وذبذباتها والأصوات والجهد على تحريك مقابض التحكُّم. يكون موقعُ المحاكاة عادةً مناسبًا تمامًا (يتم تجسيده «واقعيًّا») على شاكلة الفضاء الذي تُوجد فيه أجسادنا فعليًّا.

وفي معالجةٍ من النوع الأول الهدفُ هو إحداثُ خبرةٍ تُعيد الواقع، أما في معالجات النوع الثاني فنجد أنفسنا أمام تماثُلٍ دقيق معه. وإذا دقَّقنا النظر فسنرى أن تلك الازدواجية تتميز بأهدافٍ مختلفة؛ من جهةٍ مجال التعبير والمعنى والفن، ومن جهةٍ أخرى الدقة المهنية والتكوين والكفاءة العملية.

ومن المؤكَّد أن المثالَين المذكورَين يُعتبران نموذجَين مبالغَين للظاهرة نفسها، ويمكن بالتالي الخلط بين إجراءات الظاهرتَين، كما يحدث أحيانًا في عالم الملاهي؛ حيث تُوجَد بعض حدائق الملاهي التي تسمح باشتراك في مغامراتٍ افتراضيةٍ جماعية فيها. وهناك، على سبيل المثال، يمكن العثور على حجرة، ثم عرض صورٍ من بيئاتٍ افتراضية على جدرانها (وغالبًا ما تكون ألعابَ حربٍ يحاكي المشاركون فيها معركة حربية)؛ يُمنح اللاعبون أجهزةَ استشعار ونظاراتٍ خاصة، تساعد على الشعور بأنهم لم يعودوا في الحجرة المغلَقة، بل في وسط غابةٍ ما، استوائية مثلًا. وهنا يكون الجسد في علاقة مع الفضاء الواقعي، والذي يشارك فيه بجزءٍ كبيرٍ من حواسِّه، بينما تغدو الرؤية موضوعَ نوعٍ من الوهم يبدو أنه موجودٌ في مكانٍ مختلف.

لا يُوجَد حاليًّا مفهومٌ واحد يستطيع أن يحتويَ في ذاته ظاهرة الواقع الافتراضي برُمته؛ وبالتالي نجد تضاعُفًا في تعريفات الظاهرة مع زيادة الإمكانات التقنية، ومع تحديث الأدوات التي تعمل كوسائط للمستخدم، انطلاقًا من تطور فنون الجرافيك التي تُقدم بها البرامج الجديدة على الشاشة إلى ألعاب الكونسول المركبة لألعاب الفيديو، ومن المناسب، في هذه المرحلة الاستمرار في ضم الوقائع الظاهرة بدلًا من محاولة تصنيفها تبعًا للنظريات القائمة.

وكما يذكُر لانس جارافي Lance Gharavi، تبقى الحقيقة أن الواقع الافتراضي يرتبط باستخدام التكنولوجيا الرقمية. وبكلمات أخرى يمكن القول إن الحاسوب هو العامل الأول في توليد بعض أدوات التحريض الاستشعارية، أو في إدارة البيئة الاصطناعية، تبعًا للوسيط المستخدم وتبعًا لأهداف العرض (سواء من خلال إعادة إنتاج شيءٍ واحد أو عالم بأكمله.١ وفي دراستنا هذه يهمنا فقط أن نوضِّح أن الواقع الافتراضي، كجزء من الوسائط المتعددة الرقمية، يرتبط ببيئة التمثيل، ويحاكي أو يبدع واقعًا من خلال استخدام تقنياته المحدَّدة؛ وبالتالي يكشف هذا الواقع عن علاقاتٍ مثيرة للاهتمام مع فن المسرح.

حظي تحليل الاتصالات المتعددة الوسائط والرقمية، كما حدث بالفعل في مجال السينما والسمعيات والبصريات، باهتمام دارسي السيميوطيقا. وتأسَّس التناول على تصنيفات وأساليب تفسيرية نابعة من دراسة السينما، وهو الأمر الذي يعني أن الوسائط المتعددة الرقمية على صلةٍ وثيقة بعلم السمعيات والبصريات، وربما تمثل جزئيًّا تطوُّر هذا العالم. ولقد رأينا كيف أن هذا حقيقيٌّ فقط جزئيًّا؛ فنحن نرغب هنا في أن نؤكِّد، فيما يتعلق بأهدافنا، أن هذا الانتماء الخاص بالوسائط الرقمية الجديدة إلى عالم السمعيات والبصريات هو أمرٌ يجب مناقشته. إن الواقع الافتراضي، بصفةٍ خاصة، يشير بوضوحٍ إلى بُعد المسافة بينه وبين الوسائط السمعية والبصرية، وهو يتناسق أكثر مع الأهداف التي سبق وذكرناها، الخاصة بعلاقة الرقمي بالتمثيل المسرحي.

ولنعهَد، قبل كل شيء، بتعريف «التمثيل» تبعًا للخصائص المعروفة والصالحة عامة؛ فيمكننا بذلك أن نقصد «تمثيل» وظيفةٍ أساسية لكل اللغات. ونقصد هنا، بصفةٍ خاصة، أن كل وسائل العرض التكنولوجية المتوفرة ستصبح لها وظيفةٌ تمثيلية موجهة للتعبير عن الموضوع، والتي تميل لعملية إعادة إنتاج أقرب ما تكون للواقع.

ونضيف أيضًا أنه ليس بالإمكان تحديد فكرة الواقعي بهذه السرعة، وفي مصطلحاتٍ دقيقة من الناحية الموضوعية؛ فالطرقُ التي يمكن من خلالها اعتبار وتفسير فكرة الواقعي طرقٌ مختلفة، وغالبًا تكون نتيجة لما نعتقده، ولرأينا الخاص، أو للطبيعة نفسها التي نجادل بها. والسؤال يحتوي في طياته على نبراتٍ غير محدَّدة وغير واضحة حتمًا، وبالتحدث عن تمثيل الواقعي علينا بالضرورة أن نلجأ إلى معطيات مثل التشابه والتماثل مع الواقع؛ فالأجواء المعلَّقة بالكامل في بعض لوحات جوفاني بيلِّيني، أو محاكاة قطاعات الضوء الجريئة لكارافاجو، هي مجرد مثال عن كيفية ابتعاد التمثيل الواقعي عن الطبيعة.

وبعيدًا عن كونه مجرد إعادة إنتاجٍ دقيق علينا أن نعتبر التمثيل عملية استبدال، «تأسيس شيء يكاد يؤدي إلى (…)؟ وفي الوقت نفسه فإن التمثيل يعني إذن الإثارة والإلغاء، تنفيذ عملية تجمع بين الحضور والغياب.»٢

وفي كل عملية تمثيلٍ ليس الهدف هو مجرد استعادة الموضوع، ولكن تأسيس نظام علامات يبني صورةً جديدة، والتي تُحيل بدَورها للموضوع. وهي بالتالي أسسُ السيميوطيقا، وأداة العرض التي عليها، على سبيل المثال، تعمل لغة الكتابة، ولكن الأمر ينطبق أكثر على عملية التمثيل التي تعتمد على الصورة.

إن التمثيل التصويري، والذي يستهدف حركة العين (مثل ذلك الذي يعتمد على الأذن) ليس مجرد تمثيلٍ بسيط، ولا مجرد تقليد/تقديم بصري، ولا حتى يتماثل مع ما يشير إليه؛ عادةً ما يُدعم بفكرةٍ ما، والتي عادة ما تتجاوز إبعاد الصورة والمرئي، وتمتد لكل ما يتعلق بالعلاقة المعرفية للإنسان مع الكون.٣

ليس بالإمكان تمثيل أي شيء، حتى عن طريق التصوير، إذا لم يُوجَد على أساس هذا الشيء نموذجٌ تفسيري لذلك الذي نرغب في تمثيله. فكل تمثيل، وبصفةٍ خاصةٍ ذلك التصويري، يعتمد على اشتراك الأعراف التفسيرية بين من يؤدي ومن يشاهد، وفي عملية التمثيل المسرحي وسيلة العرض هي أداة التنفيذ. عادةً ما يستعدُّ المتفرج الذي يقصد المسرح لأن يعلِّق شكوكه لمدة ساعة أو أكثر، وأن يتخلى عن ذلك الشرط الذي يربطه مع واقعه اليومي، وأن يترك نفسه ليندمج مع تلك الصور والمشاعر المقدَّمة أمامه على خشبة المسرح.

والواقع الافتراضي يبسط المسافة بين مصطلحات هذه العلاقة بين المادي والخيالي، بواسطة ذلك الذي سيُطلق عليه خاصية انغمار الأداء. إن الانغمار هو جزءٌ مرتبط بإرادة واعتقاد المستخدم بأنه موجود بالفعل، في تلك اللحظة المحدَّدة، بداخل بيئةٍ ولَّدَها الحاسوب، ولكنها تنتُج في أغلب الأحوال، من الطريقة التي يُدرك بها هذا الواقع؛٤ حيث إن تأثير الواقع الافتراضي يعود إلى تلك التركيبة المكوَّنة من الإرادة والإدراك.

وإلى هنا ربما لا تزال المسألة مختلطة بحيث لا تظهر اختلافاتٌ جوهرية بين الوسيط الرقمي الجديد والسمعيات والمرئيات أو السينما، ولكن بالعودة إلى المنظور السيميوطيقي يمكننا أن نقول إن الواقع الافتراضي أيضًا يتحدث بلغةٍ تربط بين سلسلة من الصور الفاعلة. والنتيجة بالتحديد هي أن الديناميكية بين التعبير (معنى النص) واللاتعبير (الأداء الذي تقوده الحواس)، تُدمج في علامةٍ واحدة، هي في حد ذاتها حدوث الفعل. يلزم في التمثيل التصويري وجودُ جهازٍ له مغزًى يلعب على الوجود/الغياب، فهو يُبرز الإيهام عن بُعد (سواء زمني أو مكاني) لموضوع العرض. تكون الصورة في المجمل، في حد ذاتها، موضوعًا واقعيًّا، إذن لا يمكن أن يصبح الموضوع الممثل (المسافة)؛ والواقع الافتراضي أيضًا، مثل الصورة الرقمية (التي تحوَّلَت لرقمية)، لا وجود له على الرغم مما نراه؛ إنها التعليمات الحسابية التي قام برنامجٌ معيَّن (برنامج حاسوبٍ خاص بإعداد الصور، أو وحدات ثلاثية الأبعاد يمكن توصيلها plug in) بقراءتها، ليُعيد لنا التمثيل البصري للشيء. إنه إجراء، يحدث أمام أعيينا في تلك اللحظة، وإدارة العمليات تعني الحركة الدائمة، والتحوُّل الدائم.٥ يتكون كل هذا من بايتس bits، لا يُوجَد له شكلٌ موحَّد، يصبح قابلًا للتعديل، إنها دعوةٌ مستمرة للتغيير.

إذا كان الواقع الافتراضي يستعيد التمثيل بواسطة سلسلة من الأفعال المتتالية، وإذا كان ذلك يحدث بواسطة سلسلة من الإجراءات التي تتم في اللحظة نفسها (في الزمن الواقعي) فمن الواضح أن تلك الأفعال تتغير تبعًا للمعطيات والأوامر التي تُزود بها الآلة؛ فلو نُفذَت العملية في اللحظة نفسها التي فيها نشاهد النتيجة، لا يُوجَد سببٌ يمنعها من أن تختلف في كل مرة. والتنوع هنا وليد الإرادة، على سبيل المثال، على أساس الأوامر الخارجية من المستخدم. ينتُج عن ذلك السلوك اندماجُ المتفرج تبعًا للنموذج المعروف كنوعٍ تفاعلي، والذي يصبح فيه الأداء مزدوج الإرادة.

يتطابق إذن الواقع الافتراضي مع الوسائط المتعددة الرقيمة ليس فقط من حيث الجانب التقني (استخدام الحاسوب)، ولكن أيضًا فيما يتعلق بأنظمة الإنتاج، بل يقترب من أن يصبح وسيلة تمثيل.

حتى يومنا هذا لا تُوجَد استاطيقيةٌ خاصة بالواقع الافتراضي، ولكن التطورات التي يمكن ملاحظتُها حاليًّا تشير إلى وجود مركزية لمكوِّنات التفاعل مع المستخدم. إن التمثيل الافتراضي يكتسب فاعليةً إذا نُفذ على درجة تسمح بالتفاعل الحر مع البيئة، تبعًا للنماذج التي تقلِّد الحوار بين الذات والموضوع في العالم الواقعي. منح عرض الجرافيك وواجهة العرض الخاصة بالحاسوب في تلك الأعوام الأخيرة اهتمامًا متزايدًا لتلك القيمة، إلى حدِّ أنه حوَّل فرضية ذلك الواقع الافتراضي السلبي إلى تجاورٍ حقيقي وفعلي للتضادات؛ حيث يبدو أن العالم الافتراضي خُلق لحث نشاط المستخدم؛ وبالتالي تبدو العلاقة بين الإنسان والآلة، في هذه الحالة (علاقة سبب/تأثير)، علاقة تَتالٍ مستمرٍّ للفعل، علاقة لا متناهية، علاقة فعلٍ وردِّ فعلٍ غير منتهية.

وجود شاشة تليفزيون مفتوحة في وسط الصالة، بينما نحن، على سبيل المثال، نقف في المطبخ لإعداد الغذاء، هي استمرارية في الأداء، تمامًا كما وكأننا نجلس أمامها على الأريكة لمشاهدة الإرسال. إذن فالجهاز ما زال يحتوي على أقل حدٍّ ممكن من الأداء؛ حيث يُعرض حدثٌ آنَ أو انتهَى بالفعل في مكانٍ آخر؛ إنه وسيلة لنقل الحدث من جانبٍ واحد. إن شاشة الحاسوب المفتوحة دون مستخدمٍ تصبح ثابتة، لا تفعل أي شيء، لا ترسل، ولا تبُث أي شيءٍ آخر، باختصار، لا وجود لها إلا من خلال العلاقة مع المستخدم.٦

وفي هذه الحالة أيضًا يمكننا أن نُفسِّرَ هذه المشكلة بشكلٍ مبالغ فيه، لنحاول أن نوضِّح الاختلافات وأوجه الغرابة؛ ففي هذه العملية تعيش وسائل الإعلام في عملية عَدْوى مستمرة فيما بينها. والتليفزيون الرقمي الذي يعمل على طريق القمر الصناعي يسمح لنا باختيار الأخبار التي نرغب في رؤيتها، واختيار الفيلم الذي نرغب في مشاهدته. وأصبح الحاسوبُ بدوره يشابه بطريقةٍ أسرع طرقَ العرض، ولم يبقَ علينا سوى الاعتياد على دور المشاهد. ولكن مما لا شك فيه أن انتشار أجهزة الحاسوب المنزلية في السنوات العشر الأخيرة، وتطوُّر الوسائط والتأثُّر بسوق العرض قد أوضح أهمية تدخُّلات المستخدم في مجال الاتصالات الرقمية.

إذن فالواقع الافتراضي باشتراكه في ملء جوهره، سواء من ناحية خاصيته وخصائصه كوسيطٍ متعددٍ رقمي (حدث يتم هنا والآن، في علاقة مع عميل أو أكثر، والإحالة الذاتية للتمثيل)، يؤسس بذلك بعض الروابط الرئيسية مع المسرح.٧

طوَّرَت البرامج كلها حاليًّا، وسائطَ تصويريةً تبعًا لنظام الاستعاضة عن هذا بذلك (أو الشيء بالشيء)؛٨ فمثلًا تُوضَع صورة السلة بدلًا من أمر «الإلغاء» وصورة ملف بدلًا من «الدليل»، وبصفةٍ عامة تُوضَع سلسلة من الرموز المجازية التي تمثِّل الفعل الذي نرغب في تنفيذه. إن زيادة ثقتنا في أنفسنا في البيئة الرقمية تسمح للوسائط المجازية بأن تتطور، لتظهر في أشكالٍ أكثر تعقيدًا، كما حدث في السينما مع المونتاج من قبلُ.

سمح إذعان الجمهور، وتطوُّر الدراما الفيلمية للممثلين، بأن يتجاوزوا ما يمكن أن نُسمِّيَه المونتاج الهوليوودي التقليدي، لتزيد جرعة التناقضات والقفزات، دون أن يفقد المشاهد مراكز الإحالة الروائية. يمكن بالطريقة نفسها أن تصبح هناك خططٌ روائية جديدة تقود المستخدم للفعل الذي يرغب في تنفيذه.

ومن الممكنِ افتراضُ أن لغة الحكي الرقمية سوف تصل إلى درجة من التطوُّر تتجاوز المعرفة المجازية، وتستبدلها بتلك الافتراضية. «إن التخطيط لشيءٍ افتراضي يتم ليس فقط في إطار الأشياء المشتركة مع ظواهر العالم الواقعي، ولكن في إطارٍ صِرفٍ لتلك التركيبات المفهومية والإدراكية.»٩ لننتقل من إعادة إنتاج الظواهر الواقعية إلى تلك الآليات المرتبطة بالفانتازيا والخيال. وبهذه الطريقة فإن الافتراضي يوسِّع حدود التمثيل الرقمي.

يوجد إذن حدٌّ يفصل بين استيراد الأشكال المجازية من خبرتنا اليومية ومحاكاة بيئةٍ مجهولة ومتخيَّلة. إنه نموذجٌ مفهومي للعلاقة بين الإنسان والآلة، تلك العلاقة المنتشرة بالفعل في مجال ألعاب الفيديو، ولكن ربما تصلُح أيضًا في الإطارات الأقل ارتباطًا للمحاكاة؛ وبالتالي بالإطار الافتراضي. وبتطبيق ذلك على بنك المعلومات database على سبيل المثال، وأيضًا في الإبحار في شبكة الإنترنت، كانت فكرة البحث عن شيءٍ ما أساسية دائمًا؛ وبالتالي بات التركيز دائمًا على المحتوى، وعلى المعطى الذي يجب العثور عليه. لنتخيَّل إذن كيف لخبرتنا أن تتغيَّر إذا ركَّزنا في العملية نفسها، وفحصناها، وعشنا فيها كمغامرة بدلًا من التركيز عما نبحث عنه.١٠

لا أريد هنا أن أدفع بالحوار إلى افتراضاتٍ ربما تحوِّل مسار موضوعنا، ولنكتفِ بأن نؤكِّد أنه في الواقع الافتراضي تبدو مفاهيمُ التمثيل والتفاعلات مرتبطةً بشدة فيما بينها، بل ويكون للتفاعل تعريفٌ أكثر تركيبًا. وإذا اتفق الجميع على أن تلك الخبرات في تلك المجالات الرقمية يمكن أن تصبح تفاعلية، فسيبقى دائمًا الخلاف حول درجة هذا التفاعل. وكما يقترح لانس جارافي من الأفضل عدم محاولة قيادة المناقشة في إطارٍ يحاول أن يقتصر على تصنيف الأحداث والأدوات والأفعال، ولكن من الأفضل تعريف التفاعلية في إطار استمرارية الدرجات التي يمكن الصعود عليها (بطريقةٍ تفاعلية إلى حدٍّ ما)، بدلًا من اللجوء إلى المعارضات (تفاعلية أم غير تفاعلية).١١ وبكلماتٍ أخرى من الصعب تمييز حدودٍ قاطعة بين ما هو تفاعلي وما ليس تفاعليًّا، بينما يمكن تحديد هيكلٍ كمِّي لتبادل الاتصالات.

بالإضافة إلى ذلك فإن الواقع الافتراضي، في طبيعته الإجرائية، شديد المرونة، ولا يمكن تعريفه إلا بمعاييرَ متداخلة. وكما يذكُر جارافي باستمرار، يمكن فحص ثلاثة أنواعٍ متغيرة، وهي: تركيب الصورة، وحقل الرؤية، وتكرار التحديث.١٢

ومن وجهة النظر التقنية فإن هذه الأنواع المتغيرة والمرتبطة فيما بينها، ليست كافية، ومن الضروري اقتراح بدائل مثل درجة التفاعل مع المستخدم، عدد المستخدمين الذين يمكنهم التفاعل مع العرض، درجة العلاقة مع الواقع الملموس. وفي هذا السياق نجد أن تركيب التعريفات من وجهة النظر التكنولوجية يقودنا إلى تحديد بعض الإشارات المناسبة أكثر لسياق بحثنا. وفي نهاية هذا التحليل الملخص نستطيع إذن أن نصف الواقع الافتراضي كحدث يتم في الزمن الواقعي، ويتمحور تبعًا لدرجات التفاعل المختلفة مع المستخدم، يغمره في تقديم بيئةٍ واقعية أو خيالية تُحدد على أساس التقاليد المتعارف عليها بين الممثل والجمهور. تبعًا لتلك الترتيبات تتطوَّر تجارب الإخراج، والتي حاولَت نوعًا من الخلط بين المشهد المسرحي والعالم الافتراضي.

(٢) الجسد الواقعي والمشهد الافتراضي

منذ فترةٍ ومهنةُ السينوغرافيا تتطلب، على الأقل في حالة الأفلام الضخمة الإنتاج، اعتيادًا معينًا على التكنولوجيا الرقمية. وفي المسارح الكبيرة يمكن أن نجد حركات المياه على المسرح والخلفيات، بالإضافة إلى المؤثِّرات التقنية الضوئية وعروض الفيديو تُدار ويُتحكم فيها من خلال مراكزَ رقميةٍ صغيرة. في جامعة كانساس بدأ السينوغرافي مارك رياني تجريب التطبيقات الممكِنة للتكنولوجيا الرقمية، والتي يمكن استخدامها في الإخراج المسرحي منذ عام ١٩٨٧م. ولجأَت تجاربه المهنية، وبالرغم من أنها كانت تدور كلها في إطار الإنتاج الذي يمكن أن نطلق عليه لفظ «تقليدي»، إلى استخدام الحاسوب أكثر من مرة. وبفضل برامج الحاسوب المتطورة الخاصة بالمشروعات المعمارية للمباني والتصميم الداخلي، تمكَّن السينوغرافي من استخدام التكنولوجيا الرقمية والرسوم الثلاثية الأبعاد بصفةٍ خاصة كأداة لتنفيذ اسكتشات السينوغرافيا. وباجتياز الصعوبات الأولى (لنتذكر أن في تلك الأعوام لم تكن تلك البرامج منتشرةً مثلما هو الحال اليوم) كان يمكن للسينوغرافي أن يقدِّر مرونة المشاريع المعدة بواسطة استخدام هذه التقنية.

فلنتخيَّل أننا نخطِّط سينوغرافيا في مسرحٍ سحري. أرغب القول في مسرحٍ سحري أكثر من المعتاد. ولنتخيَّل أنه بجلوسكم في مكانكم المفضَّل يمكنكم أن تشاهدوا مشهدًا سبق إعداده قبل بضعِ دقائقَ فقط، ولكن يبدو لكم أن الحائط الأيسر لخشبة المسرح يجب أن يرتفع نصف متر، ويجري أحد التقنيين الخفيين (غير المرئي) ليُطيل السينوغرافيا الخطأ لتصبح في الطول المطلوب. وبعد بضعة تعديلاتٍ أخرى، تلاحظون أن لون البانوراما ليس كما تخيَّلتموه، عندئذٍ يبدأ الرسم في التغير من لونٍ إلى آخرَ حتى يتفق مع ذوقكم، ولكن المناخ نفسه ليس هو المطلوب. تعطون أمرًا لعاملِ كهرباءَ سحري، وفي لحظةٍ واحدة يصبح المشهد كله مغطًّى بلونٍ أزرقَ ناعمٍ، تضيفون ضوءًا أبيضَ خفيفًا من أحد الجوانب، ويكتمل المشهد، ولكن حان وقت التحكُّم في الرؤى. بضغطةٍ واحدة من إحدى أصابعكم تنتقلون إلى مكانٍ آخر في أحد أقصى جوانب المسرح. وبحركة من اليد تبدَءون في الارتفاع حيث يُوجَد البلكون. وبعد ذلك تستمرون في الارتفاع حتى تصلوا إلى السقف، وهكذا يمكنكم رؤية المشهد مثل ماكيت. وحتى تخرجوا من تلك الأرض، أرض اللاشيء، أمرٌ غاية في البساطة؛ فبدلًا من أن تدقُّوا على كعوب أحذيتكم، أو تخرُجوا من مرآةٍ سحرية، يكفي ببساطة أن تنزعوا عنكم خوذة الرؤية، وأن تُطفِئوا الحاسوب؛ حيث قمتُ بتصميم السينوغرافيا الخاصة بكم في الأرض الخيالية الإلكترونية للواقع الافتراضي.١٣

إلى هنا نجد أن السينوغرافي يُقدِّر الواقع الافتراضي كأداة عمل، ليرى بأفضل طريقةٍ ممكنة النتيجة النهائية لاسكتشه الخاص. أدرك رينيه Reaney أنه يمكن من خلال التكنولوجيا المتوفرة في الأسواق، أو المصنَّعة خصوصًا لهذا الهدف، أن يسمح للراغبين في أن يعيشوا خبرة الواقع الافتراضي؛ بأن يرتدوا خوذةً لها مقدِّمة من الكريستال السائل، والمصنَّعة للإبحار في الأجواء الافتراضية، وأحيانًا أيضًا قفازًا خاصًّا (قفازًا للمناورات في العالم الافتراضي) لبعض الحركات، والتحرك في ذلك الذي يبدو وكأنه البيئة الفعلية، وكما سيتم تنفيذه على خشبة المسرح.

ولتحسين فعالية العمل في مشروعي وضعتُ نظامًا ابتدائيًّا للواقع الافتراضي. كان ذلك المعمل الخاص بمشاريع المشاهد المصنوعة من الواقع الافتراضي، بنيتُه وانطلق من حاسوبٍ شخصي ماكنتوش.

وكانت الأجهزة (أجهزة الهاردوير) الخارجية تتضمن بعض الوسائط المساعدة على الغوص في الواقع الافتراضي، مثل بعض خوذات HMD المُصنَّعة في المنزل، ونظَّارات، ومكبِّر للشاشة ذي العدسات العريضة ذات الزوايا (FOV) التي صنعتُها خصوصًا لهذا الغرض.١٤

وفي محاولة تقريب المسافة بين الاسكتش السينوغرافي والتأثير الفعال للمشهد المبني فعليًّا، بدأ رينيه في عام ١٩٩٣م، بتجريب إعادة إنتاج الأجواء الثلاثية الأبعاد بحجمٍ طبيعي على خشبة المسرح. وكانت الفكرة في البداية هي عرض صور الواقع الافتراضي على الشاشة الكبيرة في عمق خشبة المسرح؛ بحيث تصبح لدى المخرج نفس الرؤية عن كيفية ظهور المشهد في البيئة المقصودة، وبداخل إطار خشبة المسرح. اتضح أن تلك التجربة لم تكن سهلة، وأن التنفيذ كان معقدًا جدًّا وبعيدًا عن هدفه، ولكن أدرك رينيه أنه ستصبح في المستقبل إمكانية نقل البيئة الخاصة بالواقع الافتراضي مباشرة إلى خشبة المسرح في عرضٍ فعلي. إذن، لن يصبح الواقع الافتراضي بعد ذلك مجرد أداة عملٍ بالنسبة للسنيوغرافي، بل طريقة جديدة لإدراك واستيعاب الفضاء المسرحي.

ولقد دفعَت الخبرةُ الخاصة كسينوغرافي، وسحرُ العلاقة بين الواقع الافتراضي والتمثيل المسرحي، وبطبيعة الحال، التنافس العلمي الذي زاد في الأعوام الأخيرة، دفعَت كلُّ هذه العوامل برينيه لأن يخطِّط لمشروع إنتاج عملٍ فني، سيعمل كحقل دراسة وفي الوقت ذاته كاقتراحٍ عملي. وبالفعل في الشهور الأخيرة من عام ١٩٩٣م بدأ رينيه، بالاشتراك مع المخرج رونالد ويليس Ronald A. Willis، في العمل في فكرة أحد العروض الذي يشترك، نصُّه وممثِّلوه وتقنيَّته، في بناء واقعٍ افتراضيٍّ يتكامل مع السلوك الاتصالي الشائع.

وفي ربيع عام ١٩٩٥م أنتج رينيه، بالاشتراك مع رون ويليس، عرض الآلة الحاسبة؛ مشروع واقعٍ افتراضي The adding machine: Virtual Reality Project ربما كان الأمر يتعلق بالمحاولة الأولى لاستخدام الواقع الافتراضي، في عرضٍ مبني على نص درامي — العمل المنتمي للنزعة التعبيرية لإلمر رايس Elmer Rice — وذلك من خلال استخدام ممثلين واقعيين. وكانت هذه هي أيضًا المناسبة التي تم فيها إنشاء معهد اكتشاف الواقع الافتراضي Institute for the Exploration of Virtual Realities (.i.e VR)، وهو المعهد الذي ما زال يعمل تحت مظلة جامعة المسرح في جامعة كانساس University Theatre dell’Università del Kansas. والتجريب التكنولوجي يجب ألَّا يكون محايدًا بالنسبة للمحتوى الفني للعرض المسرحي، ومثلما يمكِن لمشهدٍ مسرحيٍّ تقليدي يعتمد على حواجز الشرفات أن يُنفَّذ جيدًا في صالةٍ برجوازية على طراز إيبسن، فإن النص المختار لا بد وأن يحتوي في ذاته على عناصرَ تتفق مع خصائص الواقع الافتراضي. إن مرونة الواقع الافتراضي تبدو رائعة، على سبيل المثال، في منح تغييراتٍ سريعة ومستمرة للمشهد. من المناسب إذن اختيار عملٍ يتطلب تعدُّد المشاهد وتغييرها في تتابعٍ سريع. وكانت هناك أيضًا مشكلة، ذات طابعٍ تقني، وهي المتعلقة بمحاكاة الواقع من خلال الواقع الافتراضي؛ فمن المؤكَّد أن اليوم يُمكِن لرسمٍ ثلاثي الأبعاد أن يطوِّر تعريف التفاصيل؛ حيث إنه ينجح في تقليدٍ يصل إلى الكمال تقريبًا للصورة الحقيقية، ولكن منذ عشر سنوات كانت تكلفةُ مشروعٍ مثل ذلك محبطةً للغاية، بالإضافة إلى ذلك، كان الواقع الافتراضي بالنسبة للممثلين يبدو فقيرًا، إذا تم استخدامه كمجرد بديلٍ لتغطية غياب مشهدٍ ثلاثي الأبعاد فعلي، وديكورٍ حقيقي، وكانت البدائل الأكثر إثمارًا في المشهد تتكوَّن من زيادة التأثير الحقيقي وتبنِّي وجهةِ نظرٍ خيالية وهمية.

وكما يذكر جارافي، كان رينيه وويليس حريصَين على ألا يصبح العرض مجرد «حالة عرض» Showcase من الخدع والمؤثِّرات التكنولوجية، كانا يبحثان عن نصٍّ يمكن من خلاله أن يصبح موضوع التكنولوجيا أيضًا حافزًا للتفكير في الخبرة الإنسانية، نصٍّ يكون فيه استخدام الواقع الافتراضي شيئًا ضروريًّا وليس مُقحَمًا.

بعد بضعة أشهرٍ من التفكير يتفقان على نص «الآلة الحاسبة» The adding Machine لإلمر رايس Elmer Rice.١٥

والنص الذي نشرَتْه عام ١٩٢٣م، دار نشر ويليام هينمان William Heinemann وعُرض على خشبة المسرح للمرة الأولى، في العام نفسه، على مسرح Theatre Guild في نيويورك، يُعد نموذجًا كلاسيكيًّا لتأثير النزعة التعبيرية الألمانية Guild على الدراما الأمريكية. وقد استمرَّ عرضُه بنجاحٍ في تلك السنوات، إلى حد أنه تحوَّل إلى فيلمٍ سينمائي عام ١٩٦٩م.١٦ والمشاهد السبعة التي تنقسم إليها الدراما تدور في سبعة أماكنَ مختلفة؛ حجرة نوم ومكتب، صالة الطعام والمحكمة، المدفن ولوحة رعوية، وأخيرًا مكتب آخر. وباختصار فالعرض يحكي مآسي السيد «صفر»، بطل المسرحية، وكيف يحاول هو أن يبحر بين إحباطات الحياة اليومية الغريبة والمجنونة، وبين عالمٍ آخر فيه لا يستطيع أن يجد نفسه ولا أن يتأقلم. بعد أن قام لمدة خمسة وعشرين عامًا بأداء عملِ حساباتٍ مملٍّ ويتَّسم بالتكرار، يُفاجأ صفر المسكين برئيسه في العمل يرفتُه، ببساطةٍ قاسية ووحشية؛ حيث إن حصوله على آلةٍ حاسبةٍ آلية يُغني عن وجوده. وفي المشهد التالي ننتقل إلى منزل «صفر»؛ حيث كان يستقبل هو وزوجته السيدة «صفر»، زملاءه في المكتب وزوجاتهم (وكانت أسماؤهم السيد «واحد» والسيدة «واحد» وهكذا)، ولكن فجأة تقتحم الشرطة المنزل، وتعلن القبض على السيد «صفر» بتهمة قتل رئيسه في العمل. ويستمر العرض بالمحاكمة، التي لا ينكر فيها المتهم مسئوليته، ويتم الحكم عليه بالإعدام، ومن هنا تبدأ رحلة السيد «صفر» إلى العالم الآخر. في البداية في المدفن؛ حيث يعقد صداقةً مع شخصٍ قتل أمه، ثم في أحد الأماكن الشبيهة بجنة عدن؛ حيث يلتقي من جديد بدايزي، زميلته، وربما حبيبته.

ويبدو أن الأشياء أخذَت تُحل بطريقةٍ إيجابية؛ حيث إن السيد صفر يمكنه أخيرًا أن يحصل على السلام والتناغم في الفردوس، بعد المعاناة التي عاناها على الأرض، غير أن صفر، بدلًا من أن يستمتع بصفاء الفردوس، يشعُر بالتوتُّر، وبعدم الارتياح وذلك بسبب افتقاده للأوامر والتعليمات التي تقودُ حياته. يصبح مثل الحيوان الذي وُلد ونشأ في الحبس، والذي يفقد اتجاهه خارج القفص، وفي إطار الحيوية المطلقة الممنوحة له، لا يستطيع الإنسان، أسير عمليات الاستغلال الرأسمالية، أن يتعرف على ذاته. وفي المشهد السابع والأخير نجد «صفر» وقد عاد من جديدٍ لينهمك في حساباتٍ وفي عملٍ تكراري؛ لقد عاد مرةً أخرى، ليحاكي الآلة الحاسبة في أدائها الإنتاجي الصِّرف. وقبل نهاية المسرحية بقليلٍ نكتشف أن رُوحَه ستُبعث إلى الأرض مرةً أخرى، وأنها ربما ستعود إلى هناك كروحٍ أسيرةٍ لشخصٍ أو لشيءٍ ما؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يحرِّرنا إذا رغبَت أرواحُنا البقاء في العبودية.

إن تركيب النص والحوارات والتصميم والشخصيات تتميَّز بخصائص لعملٍ جدير بالبحث. تبدو الحوارات كتصريحات، وقلَّت الكثافة النفسية إلى أدنى الحدود، العلاقات تبدو ثابتة وأساسية (بخلاف العلاقة بين صفر ودايزي؛ حيث تتغير العلاقة من الضغينة إلى الانجذاب). وأجواء الأحداث، في جزءٍ كبيرٍ منها، غير واقعية ومتخيَّلة، وبالرغم من أنها مرتبطة بأماكنَ واقعية من الحياة اليومية إلا أنها تمثل العلامة الواضحة للجنون أو للكابوس. إنها نظرة الهلوسة التابعة للنزعة التعبيرية، والتي نراها في الحدث. حجرة النوم عارية بشكلٍ غير طبيعي وبلا أي ديكور؛ حجرة المكتب ليست أكثر من مائدة مكتبٍ موضوعة على بساطٍ يحيط بها بحوائطَ عاليةٍ رمادية اللون؛ حجرة الطعام مختزلة في شكلٍ هندسيٍّ لموائد ومقاعد؛ كل المدعوِّين في حفل استقبال صفر وزوجته يرتدون ملابسَ متشابهة، وكأنهم جنود في جيشٍ كئيب. يسود الأجواءَ جوٌّ مأساوي، غير إنساني، يظهر فيه الفرد مسحوقًا أسفل النظام. عندما يرفتُ المدير «صفر» يبدأ البساط الموضوع أسفل المكتب في الدوران ويختفي في الخلفية، بينما تقتحم أصواتٌ متناغمة ضوضاء آلية الفضاء وتغطِّي على أصوات الممثلين؛ يكشف مجتمع الآلات عن حقيقته كوحشٍ جديدٍ مفترس الأرواح بأن يبرُزَ ببطءٍ على المشهد؛ فهو يبتلع وجود البطل، ويرسم بداية المصير المأساوي.

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading