مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

المشهد المسرحي والوسائط الرقمية الجديدة ✍أنطونيو بيتزو-ترجمة أماني فوزي حبشي

تتخلل جوَّ العمل المسرحي كله إشاراتٌ رمزية وضمنية. بالنسبة للمؤلف تجد مخاوفه من الصراع الطبقي والخوف من عملية نزع الجانب الإنساني عن العمل، وكون الخبرة الإنسانية الخالية من التضامن وقتية، كل هذه المخاوف تجد في أسطورة الآلة رمزًا واضحًا وفعَّالًا. كل هذا تتخلله أيضًا نظرةٌ ساخرة للبطل، وذلك البطل الذي هو أحد تُروس الآلة؛ وبالتالي يمكن لها أن تنزع عنه وظائفه الإنتاجية الخاصة.

ذلك الجو الموحي بكابوسٍ مزعج، وأسطورة الآلة العدائية، والشخصيات التي تتحرك كالآلات بلا روحٍ؛ كلها عوامل تبدو متناسقة تمامًا، ومناسبة لاستخدام الواقع الافتراضي، والذي كان مجالًا ممتازًا لإعداد سلسلة من إعادة الصياغة والتأمل وكأنها لعبة مرايا غير منتهية. إن الضيق من عالمٍ يزداد عداوةً وغربةً يومًا بعد يوم، يزداد بقوةٍ عندما ينجح الإخراج في كسر وحدة التلقِّي المتعلقة بالواقع، وينقل الجمهور لكابوسٍ تكنولوجي.

وقد اتبعَت العملية الإنتاجية للعرض المسار التقليدي؛ وبينما يعمل المخرج مع الممثلين حول تفسير وتقديم النص، كان السينوغرافي يُعد المشاهد. ومن الطبيعي أن يتناسق مشروع المشاهد مع تنفيذ أجواء الواقع الافتراضي في الحاسوب، وإعداد الأدوات اللازمة للعرض على خشبة المسرح، فقرَّر استبعاد كل ما له صلة بالسينوغرافيا العادية الواقعية (الأدوات، والأثاث … إلخ)، ولا بد من غَمْر الممثلين على خشبة المسرح في جوٍّ افتراضيٍّ مطلَق، تشكيليٍّ وقابلٍ للتحول.

كان لا بد وأن يكون عالمًا تخيليًّا يعلن عن خصائصه الرقمية، ويوضِّح على الفور عنصر الصورة Pixel كعاملٍ مضاد للمادة؛ ولكن بالأخص لذلك العالم الخيالي، والذي لا بد وأن ينفَّذ في الحاضر. بالإضافة إلى الرغبة في تحويل اتجاه الرؤية، فإن هذا الاختيار يشير أيضًا إلى نزعة الإحالة الآلية للحدث.

عندما نتحرك بداخل الأجواء الافتراضية، مثلما حدث في بعض ألعاب الفيديو، ونتحرك بداخلها من حجرة إلى أخرى، يكون لدينا الانطباع أننا ندخل في أجواءٍ موجودة مسبقًا. ولكن الحقيقة أن معالج الحاسوب يقوم بسرعةٍ بخلق الصور أمام أعيننا على أساس القواعد التي تم إرساؤها في تلك البيئة وذلك المجال. لا يُوجد فضاءٌ بصورته المرئية سوى عندما نصدر نحن الأمر للحاسوب بإبداعه (ولهذا يقوم كارت الصورة بداخل الحاسوب بتفعيل بعض اللوغاريتمات، وينشط استدعاء الصورة المرسومة).

لهذا السبب لا يُوجد أيٌّ من الأجواء أو الحركات الخاصة بمشاهد العرض قد تم تسجيله مسبقًا، ولم يتم تحديد المدة أيضًا مسبقًا، كان كل شيء يحدث مباشرة.

كان عمل الممثلين يسيرًا في اكتشاف النص، وفي تمييز أهدافه، والتقنيات الصوتية، وتشكَّلَت الشخصيات من خلال أداءٍ مميز، تميَّزوا بقوة، وبلا تغيير، في تناسقٍ مع الملامح المرتبطة بالنزعة التعبيرية للنص الأصلي. وبالإضافة إلى ذلك، وتبعًا لما جاء على لسان المخرج واليس، لم يكن هذا مجرد بُعدٍ خاص في عمل إلمر رايس Elmer Rice، ولكن أيضًا ضرورة للبيئة الافتراضية التي سيتحرك الممثلون بداخلها. وهو يرى أن ضعف الحميمية النفسية سيتم التغلب عليه بالتجديد في المشاهد، وكان على الممثلين الاجتهاد لجذب انتباه المشاهدين؛ فأمام اللامادية المُغرِية للمشهد يجب أن يظهر التناقُض الذي يتحقَّق خلال وجودٍ ماديٍّ قويٍّ للأداء. بالإضافة إلى ذلك، ففي وجود الجو التخيُّلي والخيالي — للنص وللعرض — سيمنح وجود وجوهٍ مقنَّعة ذات إطاراتٍ واضحةٍ مصداقيةً وإقناعًا. كان الممثلون يعملون في الإطار نفسه الخاص بالرسوم المتحركة؛ حيث الشكل مفصَّل والإطارات قوية.١٧

إن استخدام الواقع الافتراضي وضَع الممثلين ومعهم المخرج أمام مشكلةٍ جديدة؛ ففي خلال إجراءات الاستعداد نجد الفرقة نفسها، وبعد الانتهاء من قراءة النص، تبدأ في البروفات من خلال حدود الفضاء وتحركات محدَّدة في علاقة مع العوائق والحدود الخاصة بالمشروع السينوغرافي، ولكنْ ممثلو عرض «الآلة الحاسبة» وجدوا أنفسهم في فضاءٍ خالٍ وسيبقى كذلك، بل فضاء سيقوم بدوره بالتأقلم مع تحرُّكاتهم. لم يكن المشروع السينوغرافي قائمًا على بناء أدواتٍ ما يمكن تجربتُها أو غير ذلك، بل مجرد مجموعة من الشاشات الموزَّعة على خشبة المسرح. ويمكن تعديل الديكورات المفترض أن تظهر بواسطة آلات العرض باستمرار. أديرت أسابيع البروفات الأولى بلا أي دعمٍ تكنولوجي؛ وبالتالي لم تكن لدى الممثلين ولا واليس فكرةٌ واضحةٌ حول طبيعة الديكورات الافتراضية التي ستُعرض خلف ظهورهم، بل وفي بعض الحالات، لم يعرفوا إذا كانوا سيقدِّمون أدوارهم فوق خشبة المسرح أم في الكواليس. كان لدى الممثلين إذن الحرية الكاملة في إبداع واكتشاف وتجريب سلوك الشخصيات التي يقومون بتقديمها. ومن خلال قلبه التام للآلية التقليدية للعلاقة بين السينوغرافي والممثلين تمكَّن رينيه الذي يحضُر البروفات باستمرار، من بناء الفضاءات الافتراضية حول أداء الممثلين.

وبالنسبة لمكان العرض اختاروا مسرح كرافتون برير Grafton-Preyer Theatre، وهو مسرحٌ كبير يتسع لألف وثمانمائة مقعد، وحفرة للأوركسترا ومقدِّمة خشبة المسرح مساحتها حوالَي ١٣ مترًا. وحتى يتمكَّن الجمهور من أن يقترب أكثر من خشبة المسرح وتتوفَّر مساحةٌ أكبر بحيث يمكن إدارة الآلة التكنولوجية الضخمة، تقرَّر أن يتم استخدام المسرح من منظورٍ معكوس. وهكذا وجد حوالي ١٩٠ متفرجًا لأنفسهم مكانًا فوق مدرَّجٍ موضوعٍ في عمق خشبة المسرح مواجهًا للصالة. وُضِع حولهم، سواء في الخلف أم على جانبَي المدرج ستارٌ من قماشٍ أَسْودَ بهدف تركيز الرؤية على الفضاء المسرحي، وزيادة الإيهام والاندماج في الفضاء الافتراضي. وعلى بعد نحو متر، أمام الجمهور، بُنيَت منصة خصوصًا، ارتفاعها نحو سبعين سنتيمترًا وعمقها ثلاثة أمتار ونصف، وعرضها أربعة أمتار، وكانت المنصة أيضًا مغطَّاة بسجادٍ أسوَدَ لتقليل أي انعكاسٍ ضوئي (انظر ملحق الصور).

فوق عمق المنصة، وباتساعها كله، وُضعَت شاشةٌ ضخمةٌ خاصة بالعرض الخلفي، والتي كانت تمنع الرؤية الفعلية للصالة. على جانبَي المنصة وُضعَت الشاشة مستطيلة بزاوية لتحدِّد منطقة التمثيل. ارتفاع الشاشة كلها نحو ثمانية أمتار، ولكن حُدِّدَت منطقة العرض، لأسبابٍ تقنية، لنحو أربعة أمتارٍ أو أكثرَ قليلًا، وكانت تظهر في وسطها الصورة الافتراضية وهي تتحرك، بينما عُرضَت صورٌ ثلاثية الأبعاد على الجانبَين بحيث يزيد تأثير الاندماج في المشهد.

يُمكِن لتلك الصور، تبعًا للحاجة، أن تعمل على إطالة الديكور المعروض على الشاشة المركزية، أو أن تبرز بعض الملامح الرئيسية له. تبعًا لجهازٍ خاصٍّ بالاختيار والتكبير. أثناء عرض الشاشة المركزية، على سبيل المثال، صالة منزل البطل، كانت تظهر على الجانبَين زجاجة شمبانيا أو صورٌ أخرى تتعلق بموضوع الاحتفال.

ومن الطبيعي الاحتفاظ بأدنى حدٍّ من الإضاءة على خشبة المسرح لتظهر الصور المعروضة بوضوح، فكان يُوجَد على جانبَي المشهد برجان طول كلٍّ منهما سبعة أمتار يحملان مصباحَين، يتحكَّم فيهما شخص. يبُث المصباحان حزمةً ضوئيةً محدَّدة فقط على الممثلين؛ بحيث لا ينعكس الضوء على الشاشة فيضطرب المعروض عليها.

تُنتج كل الصور المعروضة في المشهد والتحكم فيها في زمنٍ واقعي؛ وفيما عدا الموسيقى لم يسجِّلوا أي شيءٍ مسبقًا. حتى مركز الرؤية بداخل الديكور الافتراضي كان مبنيًّا ومرتجلًا، كل مساء، بواسطة تقنيةٍ محدَّدة تُدعى (Virtual VED Environment Driver قائد الديكور الافتراضي).

من خلال ملاحظة الممثلين الفعليين فوق خشبة المسرح يتفاعل عامل VED بحرية معهم، يصطحب حركاتهم ويتحكَّم تبعًا لها، في الديكورات المحيطة بأداء الممثلين، في إحالاتٍ مستمرة للمشهد الذي يظهر على الشاشات حولهم.

وبالتالي يبدو وكأن الممثلين الفعليين انصهَروا بالفعل في الأجواء الافتراضية، وتتبعهم النظرة وهم يتحركون كما في تتالٍ سينمائي. عندما، على سبيل المثال، دخل كلٌّ من السيد والسيدة صفر، في المشهد الأوَّلي، إلى حجرة النوم، كانت السينوغرافيا تتحرك معهما من اليمين إلى اليسار؛ وعندما صَعِد «صفر» فوق فراشه كان مركز أبصار الجمهور قد تحرك فجأةً إلى أعلى. يقف الممثل بطريقةٍ معيَّنة أمام الصورة الثلاثية الأبعاد للفراش، ولكن يرى الجمهور من أعلى البطلَ مستلقيًا على الفراش.

وكانت القدرة الإيحائية والاندماجية مع هذه الأجواء الافتراضية قد ازدادت بواسطة نظارةٍ مستقطبةٍ للضوء يرتديها كل متفرج، والتي تمحو – تخفي الفارق بين الأبعاد الثنائية للشاشات والأبعاد الثلاثية للممثلين وللفضاء المسرحي.

اعتمد النظام بأكمله على محطة مركَّبة من حواسيبَ مختلفةٍ موضوعةٍ على مائدةٍ خلف الشاشة، والتي يتم تسميتُها بسخرية (لتشابهها مع صالة التحكم الفضائية لوكالة ناسا) Mission Control، مركز التحكُّم في المهمة. كان أساسُ العملية جهازَيْ عرض من الكريستال السائل، كلاهما يستهدفان الشاشة المركزية، وموضوعان أحدهما في مقابل الآخر. الجهاز الأول يعالج الصور التي تستهدف العين اليمنى، والجهاز الثاني يعالج الصور التي تستهدف العين اليسرى. والمُشاهِد، من خلال إمكانية الاستقطاب في العدستين، يستقبل الصور المعروضة بتأثيرٍ ثلاثي الأبعاد.١٨

كانت الصور المعروضة منتجة بواسطة أربعة مصادر مختلفة؛ وبالتالي من الضروري وجود زوجَي ميكسر فيديو رقميَّين للتحكُّم في اختيارها وإدارتها تبعًا لإمكانيةٍ متنوعةٍ من المؤثِّرات (زيادة في التعبير، الاختفاء في الأسوَد … إلخ). كان قد تم توصيل كل ميكسر بزوجَين من شاشات الفيديو لإعداد تغيير المشهد والمؤثِّرات.

لكل مشهدٍ من المشاهد الثمانية للنص أُعد ديكورٌ افتراضي يمكن التحكُّم فيه في وقت العرض تبعًا لحركات الممثلين. تلك الأجواء والديكورات نُفِّذَت بواسطة جهازٍ ما Power Mac 7100/AV، باستخدام أحد برامج الحاسوب الذي صمَّمَتْه شركة فيرتوس Virtus Corporation. كان جهازًا يشبه في جوهره جهاز Walk Through Pro إلا أنه يسمح بالتحكُّم في الصور ذات الإسقاط الاستريوجرافي Stereografico. تسمح تلك الأداة الجديدة بإنتاج نسختَي الصورة بطريقةٍ منفصلة (العين اليسرى والعين اليمنى). يستطيع حاسوب التحكُّم والمزوَّد بكروت فيديو بثَّ الديكورات الافتراضية على شاشتَين مختلفتَين. ويُمكِن تحويل كروت الفيديو تلك، والضرورية لتحقيق رؤية مجسمة على الفور، إلى NTSC ستاندرد، وإرسالها إلى زوجَي الميكسر وإلى العارضات وفي النهاية وصولًا للشاشة. كان هناك حاسوبٌ آخر Power Mac متصل بالفيديو ميكسر، يُستخدَم لإنتاج عناوين، لتلك الرسوم الخاصة، عند الانتقال من ديكور إلى آخر. تلك الآلة كانت هي مصدر «إرنست الميت Dead Ernest» (الذي يُدعى «رأس» في نص رايس)؛ كان عبارة عن نوع من الكرتون الرقمي، شبح يظهر في المقابر (المشهد الخامس). تلك الشخصية المحرومة من الجسد في النص الأصلي للدراما، ولم يكن له سوى ثلاث عبارات على الخشبة، وهكذا بدا مناسبًا لإبداعه عن طريق العميل الافتراضي. ولإدخاله في الأجواء الاصطناعية باستخدام تقنيةٍ عادية، رُسم الرأس وحده على خلفيةٍ خضراء، وهكذا كان يمكن وضعه فوق صورة المقابر باستخدام وظيفة مفتاح الكروما cromakey في ميكسر الفيديو.

تمكنوا بالطريقة نفسها أيضًا من عرض صور الممثلين الفعليين على الشاشات مع الديكورات الافتراضية. في أحد جوانب الممَر الخشبي، وبعيدًا عن أنظار الجمهور، ولكن وضعوا بالقرب من المشهد، استوديو تليفزيون صغيرًا. وصوَّروا بعض الممثلين أمام إحدى الخلفيات الخضراء، مباشرةً أثناء العرض، بينما كانوا يمثِّلون أنهم يتفاعلون مع الممثلين الآخرين الموجودين في المشهد أمام الجمهور.

وكانت هناك كاميرا فيديو ترسل بتلك الصور إلى ميكسر الفيديو، الذي يعرضُها بدَورِه على الشاشات مع الديكورات الافتراضية، وفي مشهد الحفل (المشهد الثالث) ظهر المدعوُّون وكأنهم معروضون على الشاشات؛ وفي مشهد المحاكمة (المشهد الرابع) لم يكن المحلَّفون سوى تكرارٍ لصور ممثلَين اثنَين فقط تم تصويرهما بكاميرات التليفزيون. ديكوراتٌ افتراضية وتصميماتٌ متحركة، ممثلون تُعرض صورهم على الشاشة وآخرون يظهرون بلحمهم وشحمهم، الجميع يتفاعلون معًا في المساحة الواقعية أمام الجمهور.

كان تدفُّق المشهد الافتراضي يمنح الانتقال من تمثيل الديكور إلى الظهور الواضح لوضعٍ نفسي انفعالي، عمليةً سهلة. يذكُر جارافي، على سبيل المثال، أنه في المشهد الثاني، كان صفر وديزي موجودَين معًا بداخل مكتبهما حيث يعملان عادة. كانت حركاتهما يقوم بها ممثلان يقفان في الكواليس، في ذلك الاستوديو التليفزيوني الصغير، وصورتا الفيديو تعرضانهما على الشاشة وكأنهما خيالان شبه آدميَّين للممثلين أمام الجمهور. وأثناء أحد حواراتهما الحميمية يبدو «صفر» ومعه «ديزي» وكأنهما اختُطِفَا في حُلمهما. أخذ عرض الديكور الافتراضي يتراجع إلى الخلف حتى ظهر بعيدًا في العمق، وفي الوقت نفسه أصبحت الصورة الرقمية نموذجًا صغيرًا تائهًا في فراغٍ هائل. أصبح جسدَا الممثلَين في المشهد يُوحيان بانفصالٍ لحظي عن الجو الواقعي بينما ما زال يظهَر من بعيدٍ زوجان من الأشباح يتحرَّكان في المكتب الذي تحوَّل إلى صورةٍ صغيرةٍ بعيدة.١٩

سمحَت التقنية نفسها بإبداع حوارٍ بين ممثل حقيقي والصورة المعروضة، عندما فُصل صفر في نهاية المشهد الثاني. وهنا صُوِّر الممثل الذي قام بدور رئيس صفر في العمل خارج المشهد وتُركَت صورته فوق الشاشة لتتفاعل مع الممثل الآخر (الموجود فوق الخشبة أمام الجمهور). إن التصاعد الذي تم التعبير عنه في النص بمجموعة المؤثِّرات الصوتية وحركة الستائر والخشبة تم ترجمتُه هنا في زيادة الزووم على وجه رئيس العمل؛ حيث كبرَت الصورة وأصبحَت بلا مقياسٍ حتى ملأ وجه الرئيس الضاحك الشاشة كلها.٢٠

وعلى الصعيد المنهجي، تتميز نواة عملية الإخراج في الجدل بين الأجساد والفضاءات الواقعية وبين الأجساد والفضاءات الافتراضية. وكان العنصر الذي يسمح بذلك الحوار بين عناصرَ بعيدةٍ تمامَ البُعد هو تقنية VED، وعمل هذه التقنية يكمُن في توافُق حركات الممثلين في الزمن الواقعي مع منظور المشهد الافتراضي، وذلك من خلال التحكم في إمكاناتها وذكائها لإخفاء ذلك الاختلاف. من المؤكد أن التأثير الثلاثي الأبعاد يشترك في ذلك التأثير أيضًا؛ حيث تبدو وكأن الصورة الافتراضية تخرج من الشاشة لتغزو الفضاء الذي فيه تتحرك الشخصيات. ذلك التنسيق الناجح بين الأدوات التكنولوجية والحصافة الإنسانية كان يعمل على أن يظهَر كلٌّ من الخشبة والشاشة معًا إلى الجمهور كعنصرَين متصلَين وليس منفصلَين وفي صراعٍ فيما بينهما، بل وكأن الحدود القصوى للفضاء الجديد الذهني، في التدرُّجات التالية، تنطلق من المادي لتصل إلى المعنوي. ومكان العرض كله تم بناؤه بطريقةٍ تتناسق مع هذه الضرورة؛ فباقتراب الخشبة جدًّا من مدرَّج الجمهور عمل على استمرارية الواقعية الملموسة، ولكن بالتدريج، وعندما تبتعد نظرة المتفرج تجاه العمق، عمق المشهد، يتبخَّر ذلك الشعور المادي ويتجه نحو الرقمي المتخيَّل.

إلى هنا رأينا الحلول التكنولوجية التي توصَّل إليها كلٌّ من رينيه وويليس. أما على صعيد تناسُق اللغات مع الموضوعات ومحتوى العمل فإن المشكلات تبدو أكثر تعقيدًا وتشعبًا.

النسخة الأولى من نص رايس تحمل في داخلها عملية الإخراج الأصلية لعام ١٩٢٣م، والتي عرضَها على مسرح جيلد في نيويورك Theatre Guild. وفي ذلك النص، وبملاحظة الصور القليلة الموجودة، فإن الأجواء والديكورات تتميَّز طوال العرض بلمعة كآبة وعبوس. والتناسُق مع الجو الدرامي لا جدال فيه، قسوة الحوائط التي تُحيط المكتب، شكل الصالة المصنوعة من أشياء صغيرة متماثلة، شكل قاعة المحكمة التي تلخِّص في القليل من الملامح عدمَ إنسانية قوانين الأقوياء، قسوة الأزياء وتنظيم المشاهد، كل شيء يوحي بغياب الروح وبتغريب الفرد، ويظهر ذلك على نحوٍ خاص في المشاهد الخمسة الأولى من هذه النسخة، وبالإضافة إلى التأثر الكبير بالخبرات المسرحية والسينمائية الألمانية، تتضح أيضًا إيحاءاتٌ لنوعٍ من التصوير معروف، ويشترك فيه العديد من أعمال العشرينيات. كل شيء يبدو وكأنه يشارك بوضوح، أيضًا من خلال الإخراج، في إظهار تلك المخاوف من ذلك المجتمع الذي يحكُمه الاستغلال وتسيطر عليه نزعة الميكنة، وليس بالغريب أن يتم إنتاج العمل الشهير ميتروبوليس Metropolis لفريتس لانج Fritz Lang بعد مرور ثلاثة أعوام على هذا العرض.

يتميَّز إخراج العمل عام ١٩٩٥م بحركاتٍ مستمرة، ألوانٍ عنيفة، شخصياتٍ تتشوَّه كشخصيات الرسوم المتحركة؛ ففي مقابل جمود النزعة الثابتة للنص الأصلي نجد أنفسنا أمام تدفقٍ كامل وسلاسة للأشكال وللديكورات. ذلك الاختلاف، على مختلف الأصعدة وبوضوحٍ من ناحية الشكل، فتح الطريق أمام المزيد من التفكير حول إمكانات استخدام الواقع الافتراضي. ويقبل عرض رينيه وويليس الاستياء العميق والحزن المميزَين للنص، إلا أنه يبتعد تمامًا عن الإحالات المباشرة للأنظمة الشمولية والعسكرية وعن الخوف من النظام الواحد والمطلق. وهكذا يعمل المؤلفان على نوعٍ من التحديث الجوهري لمحتويات النص؛ فالتغريب لم يعُد يرتبط بصورة المجموعة المتحجِّرة، والحشد هنا لا يعني اختفاء الاختلافات والتحول إلى وحدةٍ فقيرة؛ حيث يتحلل الفرد خلال تجزئة الخبرة، ومن خلال الانفجار، إلى العديد من الجزيئات غير المتشابهة والمختلفة. لا يتم تدمير روح صفر من خلال نظامٍ بيروقراطيٍّ وآليٍّ مصنوعٍ من قواعدَ محدَّدة ومتشابهة للإنتاج، بل تختفي روحه في واقعٍ بلا حدود، منزوعٍ عنه القواعد والأبعاد؛ حيث يتم استغلاله ويتخذ هذا الاستغلال ملامح الخيانة من خلال رسمٍ متحركٍ إلكتروني. واختيار رايس يفتح الأبواب أمام اعتبارٍ قاسٍ يتعلق بخبرةٍ إنسانية يتم تشبيهها — استيعابها — في شكلٍ مبعثرٍ ومراوغ. البيكسل، والصورة الرقمية والواقع الافتراضي جميعُها تشترك في نوعٍ من الآنية ليس فقط من ناحية الأسلوب، ولكن أيضًا من جهة المحتوى؛ إن الجدل بين الإنسان ومخاوفه يجد مرةً أخرى مجازًا رائعًا في التطور التكنولوجي. إذا كان في الإخراج الأول للعمل المسرحي قامت سلسلة الإنتاج بتشبيه الإنسان بالآلة، فهنا في هذا الإخراج نجد أنه تم نزعُ الجسد والمادية عن الشخص، ويُوضَع بدلًا منهما الشعور بالبؤس الناتج عن فقد الاتجاه، والاضطراب الذي يجتاح الطرق التي نتفاعل ونُوجَد بها في الحياة.

(٣) الاندماج والضياع

وبعد أن تمَّ تجريب فعالية الجدل بين الممثلين والواقع الافتراضي على خشبة المسرح اتجهَت أبحاث الفرقة إلى طرقٍ لإدماج المتفرجين. إن اضطراب الإدراك الحسي الذي تم افتراضُه خلال عرض «الآلة الحاسبة» أصبح نقطة الانطلاق للتفكير في وجود ومكان العرض.

وقد قام مارك رينيه Mark Reaney بتطوير عمل البحث والإنتاج، بالاشتراك مع مساعده لانس جارافي Lance Gharavi٢١ وذلك في مقر الورشة، قرَّرا معًا استخدام تقنية HMD وهو نموذجٌ لتجسيد الواقع تم إنتاجه بواسطة الافتراضي I-O، والذي تميَّز بالتمكُّن من رؤية الصور الرقمية على شاشة العرض display سواء من خلال اختراقها بالنظر أو من خلال مشاهدة الديكور الواقعي أمامها، في وقتٍ واحد. ذلك النوع الفريد من النظارات يتكوَّن من زوجَين من الشاشات الصغيرة المصنوعة من الكريستال السائل (LCD) والتي يتم وضعُها على مستوى العين (مثل حافة القبَّعة) والشاشة منحنية إلى أسفل. أسفلها تُوجَد نظارتان شبه شفافتَين، تنحنيان في زاوية قدرها ٤٥ درجة، وتعكسان الصورة في اتجاه عين المتفرج. وبالتحكُّم في درجة الضوء الموجودة في الديكور الفعلي، أو الصادرة عن اﻟ LCD يمكن رؤية الممثِّلين على خشبة المسرح والصور الافتراضية أو كليهما معًا في آنٍ واحد.

وكانت مهمة إخراج عرضٍ موجزٍ جديد قد عُهد بها إلى لانس جارافي. قرَّر المخرج الشاب على الفور استخدام نص بيكيت Beckett، سواء بسبب شغفه وإعجابه الشخصي بالكاتب الدرامي الإنجليزي، أو لأن النص كان يبدو له مناسبًا من الناحية الأسلوبية لإمكانات التجريب.

كان بيكيت يبدو لي اختيارًا مناسبًا بصفةٍ خاصة، ليس فقط بسبب أسلوبه غير الواقعي وإيجاز بعض أعماله، ولكن أيضًا بسبب الطريقة التي يلعب بها المؤلف عادة بأفكار «الوجود» و«الغياب»، والوجود والظهور. إن ذلك الوجود/الغياب المستمر عندما يتم تنفيذه في الصورة الإلكترونية، يلعب دورًا أساسيًّا في إنتاج كل أشكال المسرح الإلكتروني Cyberteatro تقريبًا. إن إدماج بيكيت مع الواقع الافتراضي؛ وبالتالي مواجهة المشكلات الفريدة المتعلقة بالوجود التي يفترضها الاثنان يبدو اتجاهًا منطقيًّا — بل بالأحرى جذابًا — في طريق الاكتشاف.٢٢

وأخيرًا وقع الاختيار على عرض «مسرحية Play»، عمل موجز مكتوب بالإنجليزية بين أواخر عام ١٩٦٢م وبداية عام ١٩٦٣م.٢٣ يقدِّم العمل ثلاث شخصياتٍ رجلٍ وامرأتَين، موضوعة في ثلاث جرَّاتٍ رمادية اللون، متشابهةٍ تمامًا، موضوعةٍ الواحدة بجوار الأخرى، والتي تبرُز من قمَّتها فقط الرءوس الثلاثة، ثلاثة وجوه بلا زمن ولا تعبير. وفي النص المختصر تقوم الوجوه الثلاثة بسرد أجزاءٍ من العلاقة المتشابكة بين الزوج والزوجة والعشيقة. وتناغُم الحوار ثلاثي موسيقى (Trio) مصطلح يُطلق في أغلب الأحوال علي أي عمل موسيقي يقوم به ثلاثة أشخاص يجعل الإخراج يشبه ثلاثيًّا موسيقيًّا، تقوده في حزمة ضوئية تتسلط كلٌّ بدوره، ولكن التركيب الدرامي يُعيد إلى الأذهان نوعًا من التحقيق البوليسي، وخاصة بسبب استقلال الإضاءة، وتتحرَّك وتُقاطع أيضًا الحوار المسرحي. وفي تعليقٍ على النص يشرح المؤلف:

إن مصدر الضوء فردي، ولا يجب وضعُه بعيدًا عن المكان المثالي (الخشبة)، والتي يشغلها ضحاياه. إن أفضلَ وضعٍ للكشَّاف هو في وسط خشبة المسرح؛ بحيث يتم إضاءة الوجوه من قريب ومن أسفل. وعندما يكون هناك احتياجٌ استثنائي لاستخدام ثلاثة كشافات لإلقاء الضوء على الوجوه الثلاثة في وقتٍ واحد، يجب أن يكون التأثير نابعًا أيضًا من كشافٍ واحد ينقسم إلى ثلاثة؛ ففي هذه اللحظات الاستثنائية يجب استخدام کشافٍ مفردٍ متحرك، يدور في أقصى سرعة من جانب إلى آخر تبعًا للضرورة، والأسلوب الذي يعتمد على كشافٍ محدَّد على كل وجه، أسلوبٌ غيرُ كافٍ، ولا يفي بالغرض؛ لأنه لا يمنح التعبير نفسَه بأن هناك محققًا واحدًا، والذي يحقِّقه وجود كشافٍ واحدٍ متحرك.٢٤

إذن فالكشاف ليس فقط وسيلةً لإضاءة الوجوه دراميًّا، ولكنه يُعَد كشخصيةٍ تتفاعل مع الشخصيات الأخرى، تقود أداء الوجوه الثلاثة، «وتنزع منهم الكلمة»،٢٥ وأحيانًا تحفِّزهم على الكلام، وأحيانًا أخرى تقطع حديثهم، والشخصيات لا تتحرك، تتحدث بسرعة، وبلا تغيير في النبرة، وبإيقاعٍ ثابت. إنهم مثل ذكرياتٍ لأحداثٍ بعيدة، أحداثٍ لم يعُد بها لون ولا تأثير.

وفي الورشة التي قادها جارافي، تصبح حزمة الضوء الشخصية الوحيدة، من لحم ودم، وعلى العكس الشخصيات الثلاثة الأخرى يتم تمثيلها بواسطة أداة تكنولوجية، وبارتداء المتفرجين خوذاتٍ HMD يمكنهم رؤية العالم الافتراضي، سواء من خلال ما يدور على الشاشة، أو «من خلال العرض»، بينما المخرج في منتصف رقعة مظللة يتحكَّم في الكمبيوتر، ويجعل الشخصيات تتحدَّث.٢٦

ودور هذا المخرج كان تحولًا من دور قائد الديكور الافتراضي VED في العمل السابق؛ فتدخُّل تكنولوجيا VED (قائد الديكور الافتراضي) حوَّلَت الديكور الافتراضي في عرض الآلة الحاسبة إلى شخصيةٍ إضافية. وفي الواقع، إذا كانت الديكورات والحركات لم يتم تحديدها، ولكن يتم إدارتها في لحظة العرض من خلال محركٍ مستقل — والذي يكون دوره هو أن يتفاعل بحرية مع العوامل الواقعية — ينتج عن ذلك أن يتم إدخال شخصيةٍ أخرى إلى العرض. وبينما في عرض «الآلة الحاسبة» تم إخفاء اﻟ VED وحاسبه الآلي عن أعين الجمهور، نجد أنه يصبح في عرض «مسرحية» عضوًا عاملًا في عملية الإخراج، مرئيًّا أمام الجمهور بينما يتحكم في الأجواء والديكورات مباشرة وفي الزمن الواقعي، يعتبره الجمهور مثل قائد أوركسترا، شخصٍ ما، بالرغم من أنه ليس جزءًا من الرواية، إلا أنه يشترك في عملية الإخراج. وفي حالة عرض «مسرحية» كان يمكن للمخرج استخدام إيماءاتٍ من النص، والتي تبرِّر وجوده في الرواية. وكانت النتيجة النهائية للورشة هي عرضٌ خاص لعينة من ستة متفرِّجين من بين أساتذة الجامعة والذين جلسوا في حجرةٍ صغيرة. نظمَت مجموعة من أجهزة الحاسوب ومعدَّات الفيديو على مائدةٍ طويلة تُضيئها حزمةٌ ضوئية، وارتدى المتفرجون الستة نظارات HMD. وبعد فترةِ صمتٍ طويلة دخل جارافي مرتديًا قميصًا أبيض ورداءً أسود فضفاضًا، جلس وبدأ في تشغيل الأجهزة، ثم ظهر فوق المائدة وفوق الصورة الواقعية لجارافي وأمام الجمهور عالمٌ افتراضيٌّ ثلاثيُّ الأبعاد؛ فأمام أعينهم فُتح مستوًى متسعٌ ومفتوح أبعد منه بقليل، في أعلى، كانت تتدلى جَرَّة ضخمة – رمادية اللون، كبيرة جدًّا؛ بحيث لا يمكن رؤية نهاية جزئها العلوي، وشمس تغرب (ليست رسومًا متحركة، ولكن صورة واقعية) توحي بالاقتراب الحتمي لليل. وكان التصوير يقترب من الجزء الأسفل للجرَّة، حتى بدأَت الصورة تعطي الانطباع بأنها ترتفع وتطير في السماء حتى تكاد تسقط على فوَّهتِها. ثم ظهر الجزء العميق من الجرة؛ حيث تمَّ تمييزُ مجموعةٍ من الأدوات موضوعة في العمق. وبالتعمُّق أكثر في داخل الجرة، كان الفيديو يؤطِّر منصةً مربَّعة تطفو في الفضاء؛ وبالتدريج تظهر أخريات، ثم تبدأ في الظهور جرارٌ أخرى رمادية. بعد قليلٍ تظهر رءوس الشخصيات، ويحطِّمون الصمت بأن يبدَءوا في حواراتهم. وبمجرد أن يتحدث أحدهم يختفي الآخرون، ثم يظهرون فقط عندما تحين أدوارهم. استمر النص هكذا، ومع كل تغييرٍ كان يظهر جارافي، خلف المائدة، وهو يُحرِّك أزرار الكمبيوتر ويُدير الأداء. وبعد أن اختفت الرءوس وتلاشت، وبينما تستمرُّ أصواتها، كانت الصورة تظهر هرمًا من أربعة أبعاد. يبدأ مركز النظر يتحوَّل ليدورَ حول الهرم، والذي فوقه كان يُمكِن رؤية فيلمٍ مختصرٍ من الأبيض والأسود للشخصيات.

وعلى الجزء الأسفل للهرم كان يمكن رؤية جارافي، والذي كان يضحك، وكان الوجه يتبدل ويتلوَّن اصطناعيًّا. وبعد هذا الفاصل يعودُ الجمهور إلى وضعه السابق أمام الجرَّات، ويبدأ الثلاثة في إعادة نص البداية، ولكن تختفي الصور في تَلاشٍ بطيء. جارافي يجلس ثابتًا على مقعده، مثبتًا عينَيه على شاشة حاسوبه في صمت. وبعد فترةِ سكونٍ طويلة، يقوم وببطء يترك الحجرة. وبعودة الإضاءة مرةً أخرى إلى الحجرة ينتهي العرض.

إن النصَّ الغامضَ لبيكيت يقترح أن الشخصيات لم تعُد تنتمي إلى هذا العالم؛ تبدو الشخصيات وكأنها معلَّقة في شيءٍ كأنه مطهر الذاكرة، وكأنهم مُعاقَبون بأن يقوموا بترديد قصتهم إلى الأبد. بينما يُحاول جارافي أن يبرز مركزية الجرَّات والتي تمثِّل صورةً أساسية في العرض، يتحرك تجاه نزعٍ أكثر حسمًا لمادية الشخصيات، وكأنهم الدليل العابر على صياغةٍ ما متكرِّرة. وهكذا يتم تحويل عمل بيكيت لنوعٍ من الطلقات مروِّع، يكشف في داخله النسخة المماثلة لذاته.٢٧ وانطلاقًا من هذا المعنى يُمكِن قراءة المقدِّمة التي شعَر خلالها المتفرجون وكأنهم قد تم تسميرهم في جرَّةٍ عملاقة، والتي بداخلها يجدون ثلاثَ نسخٍ أصغر حجمًا. كان ذلك هو الإيحاء الواضح لسلسلةٍ لم تنتَهِ؛ فقدان التنسيق الفضائي كان يوحي بفقدانٍ أعمق للاتجاه.

إن العرض بالرغم من أنه تم إنتاجه في فترةٍ وجيزة، ولم يخلُ من السذاجة في تفسير النص، إلا أنه أقنع مجموعة البحث لإدخال نظام الفيديو الثلاثي الأبعاد في الواقع الافتراضي واستخدام عدسات HMD. إن عدسة الواقع المجسَّم؛ حيث لا يتم حجب الرؤية تمامًا، تسمح بنوعٍ من الحرية والاستقلال للمتفرجين في مشاهدة العرض المسرحي.

وفي عام ١٩٩٦م بدأ كلٌّ من رينيه وواليس إخراج نص أجنحة  Wings٢٨ لآرثر كوبيت Arthur Kopit.

والنص الذي يعود تاريخ نشره لعام ١٩٧٨م، والذي كان في الأصل نصًّا مكتوبًا خصوصًا لدراما الراديو، يصف الخبرة التي عاشتها سيدة عجوز تُدعى إيميلي ستايلسون Emily Stilson، التي عملَت في شبابها قائدة طيارات، وفيه تحكي عن خبرتها حول الشفاء من جلطةٍ دماغية وما تركَتْه من أضرارٍ على عقلها. وفكرة العمل على قصة مريضٍ أُصيب بالجلطة الدماغية ترجع إلى الخبرة الشخصية التي عاشها كوبيت مع أبيه الذي عانى من المرض نفسه؛ ففي العيادة التي كان يذهبُ إليها ليساعد أباه، استطاع المؤلف أن يقترب أكثر، ويعرف عن قربٍ الأعراض المختلفة ومعاناة مختلف المرضى. وقد أثَّرَت فيه كثيرًا، بالفعل، شخصية امرأة في السبعين من عمرها كانت بالفعل قائدةً لطائراتٍ ثنائية. أما الأعراض التي وصفَها في عمله فلقد أوحت إليه بها مريضةٌ شابة، التي تسبَّبَت الأضرار الذي أُصيبَت بها ليس في صعوبة في النطق، كما يحدث عادة، بل في عدم القدرة على إعطاء معنًى منطقيٍّ لكلماتها. لم تكن حالة نسيان، بل كانت نوعًا من الانفصال عن الواقع، الذي بسببه لم تكن الفتاة تستطيع أن تنسِّق العلاقة بين عالمها الداخلي والعالم الواقعي.٢٩

إن الشخصية الموجودة في النص تنجح في قدرة مدهشة في استعادة الفوضى الذهنية التي سببتها إصابة مماثلة، دون تحويلها إلى فيلم وثائقي طبي، ولكن بوصفها خبرة داخلية خاصة. والنص الدرامي الذي يغطِّي فترة زمنية عمرها عامان فقط من حياة المريضة، ينقسم إلى أربعة أقسام؛ المقدمة: اللحظات السابقة للجلطة الدماغية؛ الكارثة: الرحلة إلى العيادة وبقاؤها هناك؛ الاستيقاظ: جزءٌ كبيرٌ منه مخصَّص في الأساس إلى محاولاتها استعادة اتجاهها واستعادة القدرة على الكلام؛ الاكتشافات: وصف أنواع العلاج التي خضعَت لها المريضة حتى خروجها النهائي من العيادة.

وعلى عكس عرض «الآلة الحاسبة»، الذي اعتمد إخراجُه كله على كيفية منح الشعور بجوٍّ ملامحُه قوية ومميزة؛ ففي إعداد الديكور الخاص بأجنحة، وضع رينيه وويليس تركيزهما على إمكانية تظليل الوقائع المختلفة الواحدة في الأخرى، وفي تركيب الصور الواحدة فوق الأخرى أمام أعين الجمهور هكذا، كما كانت الأشياء تضطرب في الذهن المتعَب لإيميلي. كان المُعِدَّان ينويان، بصفةٍ خاصة، إعادة إنتاج الصعوبات التي تتعرض لها البطلة في أن تُبرِزَ العالم الواقعي وسط الهلاوس، وأن تفصل الومضات النادرة من وضوح الرؤية في ذاكرتها والمضطربة في ماضيها، والتي كانت تنفجر في النص لتُحيطَ بها. لن يصبح الأشخاص الجالسون في الصالة مجرد مشاهدين لتلك التأثيرات ونتيجتها على الشخصية الرئيسية، ولكنهم سيجدون أنفسهم وقد انغمسوا في عاصفةٍ مماثلة من الصور عليهم أن يعيشوا هم أيضًا الخبرة نفسها، وأن يرَوا ما كانت تراه إيميلي، وأن يتحرَّكوا معها خلال الفضاء والزمن، موجهين تجاه سلسلة من الوقائع، التي سوف تُفرض على اهتمامهم، وسيتم تفتيتُها ثم تجميعُها مرةً أخرى (انظر ملحق الصور).

والنص، ربما بسبب طبيعته الإذاعية، يُقدم كتأملٍ عميق في اللغة، حول الطريقة التي يمكن بها التعبير عن نوايا المتحدِّث. إن الفجوة بين ما هو داخلي وما هو خارجي، والتي تسبَّبَت فيها الجلطة الدماغية، كانت تسمح بفحص المسار بين بناء الفكرة وبين لفظها، ولكن بالنسبة لكوبيت لم يُحبَّ أن يكون ذلك من خلال رحلة في حُلمٍ ما أو وصفٍ للنسيان، بل أراد المؤلِّف أن يمثِّل التشبُّث بالواقع، شجاعة المعنى المكتمل، الانكسار المأساوي في تدفُّق وسهولة الاتصال. إذن فمركز النص ليس هو أوهام إيميلي، بل الصعوبة التي تتعرض لها في محاولة الاتصال باليومي. وهو الأمر الذي أدَّى إلى استبعاد افتراض إخراج العمل وتقديم عالمها الداخلي فقط.

ولكن كان التحدي بالنسبة لرينيه وويليس هو اعتبار هذه الآليات في منظورٍ معكوس؛ فهما يرغبان في أنه بدلًا من أن يرى الجمهور من الخارج (العالم الواقعي) محاولات المرأة؛ سيكون من الأفضل أن يعيشوا في الداخل (العالم الداخلي)، في داخل تقلباتها الداخلية. هذا الانقلاب كان يمكن تحقيقُه بفضل الواقع الافتراضي. عُرض «أجنحة» على مسرح Blackbox Theatre في مسرح الجامعة University Theatre.٣٠

كان الجمهور (حوالي ٦٠ شخصًا نظرًا لضرورة تزويد كل واحدٍ منهم بنظارات HMD) يجلس بالقرب من المسرح الصغير. وفي الفضاء السابق للمنصة (الفضاء A) كانت البطلة تتحرك تقريبًا خلال مدة العمل بأكملها. أحيانًا كان يدخل ممثلون آخرون ذلك الفضاء للتفاعُل مع البطلة.

وفي منتصف المنصة تقريبًا يُوجد سكريم Scrim أسود (نسيج يبدو داكنَ اللون عندما يُضاء من الأمام وشفَّافًا إذا تم إضاءتُه من الخلف)، الذي كان يقسم الفضاء إلى اثنَين ويعمل عمل الشاشة. وكما في عرض «مسرحية» كان الجمهور يرتدي النظارات الخاصة i-glasses للافتراضي Virtual I-O وكان يمكنه مشاهدة الصور الافتراضية، أو التركيز على المشهد الواقعي (انظر ملحق الصور).

وكان الصوت ينبعُ سواء من الممثلين على خشبة المسرح، أو من آثار الصوت المُرسَلة مباشرة إلى سماعات اﻟ HMD. وخلف السكريم كان يُوجَد فضاءٌ آخرُ خاص بأداء الممثلين (فضاء B). وفي العمق، فوق خشبة المسرح، كانت هناك شاشةٌ خاصة بالإسقاط الخلفي، وبحسب كمية وقطع الأضواء كان من الممكن رؤية الممثلين خلف السكريم، في الوقت نفسه، مع الصور المعروضة على نسيج السكريم، أو على الشاشة الموضوعة في العمق.

وبينما إيميلي تؤدي دورها في الفضاء A، كان المرضى الآخرون والعاملون في المستشفَى يتحركون في الفضاء B، محتفظين بعلاقةٍ ما مع إيميلي وكأنها موجودة معهم. إن خبرات إيميلي، والمقسَّمة في الثنائية الديكارتية للعقل والجسد، تم عرضُها من خلال العلاقة غير المباشرة بين الفضاءَين A وB. ولكن بأسلوبٍ معكوس؛ فكان الجسد المرئي كأنه صورة بين الشخصيات في الفضاء B؛ وكان العقل ممثَّلًا بواسطة الحضور المادي للممثِّلة في الفضاء A.

كان التنظيم الفضائي للعناصر الموجودة في المشهد مرتبًا بحيث يراكم مختلف طبقات التلقي. يُحصيها جارافي في خمسة مستويات، جميعُها يمكن أن تكون متاحةً أمام أعين الجمهور في الوقت نفسه، انطلاقًا من أكثرهم قربًا، هي HMD، الفضاء A، نسيج السكريم، الفضاء B، وشاشة الإسقاط الخلفي. ذلك الترتيب العميق للمعطَيات المرئية، سواء تلك الواقعية أم الرقمية، كان يخلق الانطباع بوجود واقعٍ مركَّب من أكثر من مستوًى، يتقافز ويتراكم الواحد فوق الآخر، كلٌّ منها يُطالِب بانتباه المتفرِّج. وكان الجمهور، باختياره لأن يركز، لحظة بلحظة، على أحد تلك الفضاءات، كان يجرِّب نفسه في ذلك الوضع الحسي المشابه لوضع إيميلي العقلي، والتي كانت هناك العديد من الوقائع المختلفة تتصارع لتفرضَ نفسَها على وعيها.٣١

وبالإضافة إلى ذلك كان كلٌّ من الأنظمة الثلاثة لإعادة إنتاج الصور (الشاشات المركَّبة فوق الرأس HMD، ونسيج السكريم وشاشة الإسقاط الخلفي) يمكنها، في أي لحظة، إظهار المعطيات التابعة من أيٍّ من المصادر المختلفة المتوفرة.٣٢

إن إدارة المصادر والتوزيع على الشاشات المختلفة كان يقوم به عاملان، كانا يُعِدَّان المشاهد الواحد تلو الآخر، وذلك بالاحتفاظ بجرعةٍ محددة من الاستقلال، وذلك بالتفاعل المباشر مع الممثِّلين.

كان الإخراج المسرحي لأجنحة يعتمد ليس على قدرة الواقع الافتراضي في تشكيل وتجسيد ديكوراتٍ حقيقية، ولكن على قدرته على تقديم فضاءاتٍ ذهنية، وأجواءٍ نفسية، وديناميكياتٍ داخلية. وكان مفهوم الزمن والفضاء مرتبطًا، أكثر من مرة، بمواقع نفسية، خالقًا بذلك منظرًا يشبه الأحلام دائم الحركة ومتحولًا. وكانت لحظات التوازن وجيزة جدًّا، قبل أن تفقد إيميلي نفسها، وتضيع في أحد أماكن عقلها. وكانت تلك اللحظات شذراتٍ من الخيالات؛ ظهور وجهٍ ما، مضطربٍ بشدة يصعُب التعرف عليه، عصفور يطير مبتعدًا، عامود يُظهر اتجاهات الرياح، مُعدَّات طبية. وبينما إيميلي منشغلة في تمييز مجموعة من الذكريات والصور المرتبكة، كانت الشاشات المركَّبة HMD تُظهِر، على سبيل المثال، عالمًا افتراضيًّا مكوَّنًا من سلسلة من الصور الفوتوغرافية، والمأخوذة من ماضيها. إذن يبدأ مركز الرؤية في الإبطاء في محاولة العبور الفعلية خلال الصور. كانت كل صورة تظهر أولًا وكأنها سلسلة من الألوان العابرة، ثم تبدأ ببطء، وبينما يبتعد مركز الرؤية عن الصورة، تبدأ النقاط الملوَّنة المتنوِّعة في اكتسابِ ملامحَ يُمكِن تمييزُها لشخصٍ ما أو لمكانٍ ما، ولكن بمجرد أن تبدأ الصورة في الظهور بالكامل، يبدأ مركز النظر في العبور إلى صورةٍ أخرى، وتبدأ الرحلة من النقاط الملوَّنة للصورة، وصولًا إلى النسخة المقروءة لها في التَّكرار من جديد.

كانت الرؤية من خلال الشاشات المركَّبة HMD تهدف لتقديم درجةٍ معيَّنة من التفاعل المشترك في تحقق العرض. كان يمكن للمتفرج أن يوجِّه انتباهه باستقلالٍ أكبر مقارنة بالعرض السينمائي؛ إذ إنه كان يستطيع أن يرفض تمامًا الصورة الرقمية دون أن يفقد بذلك الصلة مع الحدث.

ومما لا شك فيه أن مسألة تحقُّق العرض والاستمتاع به كانت تبرز على السطح مشكلة صعبة الحل؛ فمن خلال عرض أجنحة أراد رينيه Reaney أن يُظهِرَ أن استخدام الواقع الافتراضي يمكن أن يُستخدَم ليس فقط في التحكُّم في إدارة المشاهد والمواضع الأكثر تركيبًا وتكلفة، ولكن أيضًا في تقديم الديناميكيات الداخلية، والتي تُوحي باضطرابٍ ما في خبرة التلقي. إذن فالواقع الافتراضي يُمكِن أن يكشفَ عن أفضلِ قدراته التعبيرية، متخذًا نماذجَ تم وضعُها من قبلُ بواسطة النزعة الرمزية والنزعة السيريالية. وبهدف تجريب سرعة زوال الحدود بين الواقع والوهم، فإن الخبرة المسرحية للمتفرج تفترض، في هذه الحالة انغماسًا كاملًا؛ وبالتالي استخدام التكنولوجيا التي تعمل على قدرة التلقي اليومية، ولكن تُوجَد إشارةٌ عكسية لم تُحل؛ فاستخدام الشاشات المركبة HMD تجزِّئ الوحدة المتماسكة للجمهور إلى العديد من الأفراد المنفصلين، الذين يتصل كلٌّ منهم بوسيلة الرؤية الخاصة به. يتسبب ذلك في الإضعاف الشديد لمعنى الجماعة التي تشترك في منح أهليةٍ للحدث، ولكننا لا نريد بقولنا هذا أن ننكر على الإطلاق إمكانية أن تتخذَ خبراتٌ تجريبيةٌ مثل هذه خصائصَ العرض المسرحي.

وقد حدث بالفعل في مراتٍ أخرى أن تم تجزئة تحقُّق الجمهور المسرحي بناءً على رغبةٍ مسبقة، وقد نُفذ التقسيم أحيانًا إلى مجموعات أو إلى أفراد (عروض موجزة يحضرها متفرجٌ واحد في كل مرة، أو مونودراما مقدَّمة على شكل اعتراف)؛ فالخبرة المسرحية يمكن أن تجد طريقتها الخاصة في الوجود انطلاقًا من حميمية العلاقة بالفرد. ومن المحتمل أن تنتهيَ اختباراتُ الاندماج تلك نهايةً ناجحة إذا كانت تحمل في طيَّاتها نماذجَ مشابهة من الحميمية والاتصال الفردي. وإلا فلن يكون من الاستحالة، كمبدأ، إعادة بناء المعنى الجماعي للفريق، ولكن سيلزم ذلك تكنولوجيات تنفيذ وتحقيق الواقع الافتراضي لم تُكتشف بعدُ، والتي يمكن أن تنقل إلى الديكورات والأجواء الافتراضية ليس الأفراد فقط، ولكن المجموعة بكاملها.

إن نشاط معهد اكتشاف الوقائع الافتراضية استمرَّ على مدار الأعوام، استكمالًا لمسيرة تجريب الإمكانات التعبيرية للديكورات الرقمية على خشبة المسرح. إن تجربة مجموعة البحث يبدو أنها تسير في الطريق الذي تم الإشارة إليه في الإنتاج الأول، وباستثناء عروضهم المنتَجة في الفترة الأخيرة، والتي فيها تظهر بعض الشخصيات الافتراضية (التي سنتحدث عنها في الفصل الأخير)؛ فالتطور يتعلق بوجهٍ خاص، بالتفوق الجرافيكي في العلاقة مع استخدام الآلات والتطبيقات الأكثر تطورًا. إن مجموعة تلك التجهيزات كان لها بالتأكيد، الفضل في وضع قضية الواقع الافتراضي في الإطار العملي التجريبي المسرحي، موضحةً بذلك المشكلات التي يمكن التعرض لها والحلول الممكنة أيضًا.٣٣

وبهذا المعنى لا يبدو أن الكلمة الأخيرة في ذلك المجال قد قيلَت بعدُ. إن الأعمال التي أنتجها رينيه وويليس غالبًا ما تكشف عن آفاقٍ ثقافية متأثرة بشدة بالإنتاج التجاري المعاصر، ومتأثرة أيضًا بمفهومٍ معياريٍّ للعرض المسرحي، والذي ربما لا يساعد على إلقاء الضوء على إمكانات الواقع الافتراضي.

إن الاهتمام بالتحديث التكنولوجي قد يعوق تأملًا أكثر عمقًا حول الحالة الجمالية للعرض، وهو تحليلٌ أساسي للنماذج الشكلية التي يقوم على أساسها العمل المسرحي، وهو تخمينٌ ضروري للغاية في تلك التجارب، التي تضع بوضوحٍ الموضوعَ نفسَه موضعَ نقاش، وتلفِتُ أنظارنا إليه.

وهناك نتائجُ أخرى تم الوصول إليها في أعوامٍ قريبة؛ ففي الثامن والعشرين من أبريل عام ٢٠٠٢م، وفي مهرجان ميونيخ للأوبرا Munich Opera Festival قُدِّم عرض يهودي مالطا The Jew of Malta قام تأليف الموسيقى وتوزيعها أندريه ويرنر Andre Werner، وهو العمل المقتبس من أوبرا لمارلو Marlower، وكان العرض هو ثمرة عملٍ طويل وتعاونٍ بين المؤلِّف، وأسماءٍ كثيرة معروفة في مجال البحث (ومن بينهم بعضُ الباحثين من ART +COM في برليل وفي ZKM في Karlsruhe). والهدف الأساسي هو بناءُ مسرحٍ تفاعلي interactive stage الذي فيه يدخل الفضاء الموصوف في الواقع الافتراضي في علاقةٍ مباشرةٍ مع أجساد الممثلين. والأمر هنا يتعلق بأفضل العروض بهذا المعنى؛ حيث نجح في التنسيق بين الدراما والمشاهد من خلال استخدام التكنولوجيات الجديدة. والتفسير الذي اقترحَه ويرنر Werner يميل إلى الاهتمام بالعلاقة التي لبطله مع الفضاء الافتراضي، وإلى هذا يُضاف واقعُ أن الممثلين أنفسهم ينصهرون بداخل الفضاء الافتراضي، بفضل ما يُطلَق عليه الأزياء الديناميكية، والتي عليها يمكن لبرنامج كمبيوتر معيَّن، ومن خلال اقتفاء أثَر الحركة، يمكن أن يعرضَ بدقةٍ متناهيةٍ ألوانًا وأشكالًا مختلفة. وفي هذا العرض تتلاقى أفضل الاستخدامات للواقع الافتراضي في الوقت الواقعي: توليد الأشكال آليًّا، تتبُّع الحركة، رسم الحركة، العرض الرقمي؛ ولذلك استحق العرضُ جائزة Interactive Generative Stage and Dynamic Costumes وذلك في دورة عام ٢٠٠٤م، لمسابقة الفنون الإلكترونية Ars Electronica.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading