مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

من أنسكاب عابر إلى ذاكرة مدينة الى متحف الشارقة: سد الرفيصة بريشة الفنانة سارة النقبي✍علي نفنوف-دبي

منظر فني يمثل جبالًا مغطاة باللون البني وبحيرة خضراء تحتها، مع قوارب ملونة تطفو على الماء.


في اللحظه الاولى لدخولي الى المعرض مباشره وقع نظري على لوحه للفنانة سارة النقبي اخذتني اليها من بعيد ذهبت اليها لأن فيها شيئا من الدهشه والغرابه ربما هذه الدهشه كانت حاملا او عاملا للاستفزاز للاقتراب من اللوحه وقراءتها بشكل منطقي لا عفوي عندها وجدت نفسي انني يجب ان اشارك القراء والمتابعين فرحه قراءة هذه اللوحه معا :

في هذه اللوحة التي تحمل عنوان «سد الرفيصة» تعيد الفنانة سارة النقبي صياغة المكان على أعتباره جغرافية ثابتة ونسيج حيّ من الذاكرة والتجربة. المشهد المستلهم من سد الرفيصة في خورفكان بإمارة الشارقة لا يُقدَّم كمنظر طبيعي مباشر بل كطبقات متراكمة من الأثر حيث تتداخل الطبيعة مع ما تركه الإنسان فيها ويتحوّل الموقع إلى مساحة تأمل في ما يُرى وما يُحسّ

الجبال التي تحيط بالمشهد لا تبدو صامتة بل كأنها تحفظ تاريخاً من التحوّلات تكسّراتها وخطوطها الداخلية تشبه خرائط خفية أو آثار كتابة لا تُقرأ إلا بالحدس. أما المسطح المائي فيمتد كمرآة غير مستقرة يحمل فوقه إشارات صغيرة توحي بحضور إنساني عابر لكنه لا يلغي عمقه بل يضاعف الإحساس به. هنا لا ينفصل الماء عن الذاكرة بل يصبح وسيطاً لها سطحاً يعكس ما استقرّ في المكان عبر الزمن.

اختيار الخامات يمنح هذه القراءة بُعدها الأكثر فرادة. بقايا الشاي التي قد تبدو في سياق آخر مادة مهملة تتحول إلى لون وترسّب إلى ما يشبه طبقة أرضية تعيد إنتاج الجبل كأثر السكر ببلورته القابلة للذوبان يستحضر هشاشة اللحظة ما يتلاشى سريعاً لكنه يترك علامة خفيفة. أما الريزين، فيأتي كتقنية تثبيت كأن الفنانة تحاول أن تحتفظ بهذه العناصر داخل زمن واحد أن توقف تدفّقها لتجعل منها ذاكرة ملموسة.

تكتسب هذه المعالجة عمقاً إضافياً حين نعود إلى لحظة البدء: انسكاب الشاي على الطاولة. تلك الحادثة العفوية التي يمكن أن تمرّ دون أثر تحولت إلى شرارة بصرية دفعت الفنانة إلى إعادة النظر في ما يبدو عابراً. من هذا الانسكاب الذي يحمل في ذاته حركة الماء وتشكّله الحر نشأ تصور بصري يلتقي بشكل غير مباشر مع فكرة السدّ و احتواء الماء وتنظيمه ومنحه شكلاً داخل حدود. كأن العمل، في أحد مستوياته يحاور العلاقة بين العفوية والضبط بين ما ينساب بحرية وما يُعاد تشكيله داخل بنية.

في مقدمة اللوحة تتشكّل كتل حجرية عمودية توحي ببقايا أو شواهد ليست أطلالاً بقدر ما هي علامات على حضور إنساني يصرّ على أن يترك أثراً. إنها تقف بين الجبل والماء بين الثبات والتغيّر كأنها تحاول تثبيت الذاكرة في نقطة يمكن الإمساك بها
حتى وإن ظلّ ما حولها في حالة تحوّل دائم.

ضمن سياق عرضه في المعرض السنوي الحادي والأربعين لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية تحت عنوان «ذاكرة المدن»، يقدّم هذا العمل قراءة خاصة للمدينة من خلال أطرافها من خلال علاقتها بالطبيعة . سد الرفيصة هنا ليس مجرد موقع هو نقطة التقاء بين الجغرافيا والذاكرة بين ما أنجزه الإنسان وما استقبله المكان واحتواه.

الأهم في هذا العمل هو ذلك الحس الابتكاري الذي يقترح أن لا شيء مهمل في هذا العالم. المواد اليومية—الشاي السكر—لا تُستبعد، بل تُعاد صياغتها داخل نظام جمالي يمنحها معنى جديداً. ليست المسألة إعادة تدوير بالمعنى التقني فحسب بل إعادة نظر في قيمة الأشياء وفي قدرتها على أن تصبح حاملة لذاكرة أوسع.

و بهذا تتحول اللوحة إلى أكثر من تمثيل بصري لسد الرفيصة إنها تجربة في فهم المكان عبر مواده وفي التقاط اللحظة قبل أن تتبدد. من انسكاب عابر إلى بناء بصري متماسك يتشكّل العمل كدعوة لرؤية العالم من جديد: حيث يمكن لأثر صغير أن يتسع وأن يتحول إلى جغرافيا كاملة من الذاكرة.
وفي الختام يمكن القول ان الفنانه تمكنت من تحقيق النظريه ان الفن قابلا ان يكون للجمال وللتوثيق وللذاكره ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading