مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أغنية سومرية – بسام الطعان

صورة لرجل يرتدي نظارات وقميص بلون فاتح مزخرف، يظهر فيها جزء من وجهه بملامح جادة.

                               

   لا أراكِ إلا جنائن ترتوي من عذوبة دجلة ونقاء الفرات؟ كل هذه القرون مرت وأنتِ تسقين عينيَّ من الحُسنِ أقداحاً، تسليني بحكاياتكِ العذبة، وتزيدين أفراحي عمراً، وما زلتُ أتساءل: أأنتِ نبع، أم غيم يطفئ نيران حنيني، ويشعل القوافي في دمي.

   تغيبين عني فأتحول إلى غصن لا ثمار فيه ولا يزوره الماء، وكلما يطول الغياب، أغنّيكِ هنا وأناديكِ هناك، وتشتعل في شفتيَّ الحروف: كم تميل الروح إليكِ. دونكِ أنا قنديل والظلام وليفي، أسافر إليكِ وكل ما فيَّ يناديكِ، أدور في الجهات ولا شيء يغريني سواكِ، ولأنني طير يملأ الفضاءات حزناً وعتاباً، أرسمكِ على أجنحة لهفتي، فأرى فيكِ سهول بابل ونسائم جبال  ماداي.

   ترى أين أنتِ الآن؟ هل تحولتِ الى نجمة تسافر في السماء، وتنظر بحسرة إلى ضفاف أور وتتساءل: ماذا فعلت أور حتى تخلى عنها الفرات؟!

    أم أصبحتِ حورية لأجلها يشتعل القلب ناراً، تخرج كل ليلة من النهر، تتنقل بذاكرتها بين زمن وآخر، ومن حضارة إلى أخرى، يأخذها تعب الحنين إلى الماضي البعيد، فتتمدد تحت نخلة شعرها طويل، تفرد ضفائرها على العشب، ومع نسمات دافئة، ترسل حبها لبلاد طالما تغنّت بامتلاكها لنهرين خالدين، ومن عناق ضوء القمر لمياه دجلة، تنسج عباءة آشورية، تلفها حول جسمها، تتجه بحب نحو أزقة الموصل القديمة، تستعير من باب الطوب جمالاً، ومن المحموديين سحراً، من جادة الخندق قوافل مرت، ومن خزرج حكايات لا تُنسى، ومع كل خطوة من خطواتها الهادئة، يصحو التاريخ من سباته ويبوح بسر جديد، ثم تصعد فوق المأذنة الحدباء، تمتّع نظرها برؤية حضارات لا تموت، وبفرح طفولي تعزف تراتيل كلدانية ؟

   أم انبهر فيكِ سرجون، فأخذكِ  إلى مملكته، ولأنه رأى فيكِ نينوى وأوروك وحضارة تتبعها حضارة، جعل منكِ نشيداً أزلياً يخلد مجد بلاد الرافدين؟

   كثيراً ما رأيتكِ تمرين في الليالي، مثل السحاب والندى، مثل نهر يلمع في المدى، وفي كل مرة كنتُ أراك بقلبي، مرة ملكة بابل، ومرة أميرة أور، ومرة امرأة من نينوى، ومرة حورية تنام ليلاً في النهر وتتمشى نهاراً على الضفاف، ومرة يمامة تهدل دون تعب لا تفارق الفرات.

   آه.. ما ألذكِ وأنتِ تمرين حافية وتغردين بصوت لا يسمعه سواي.

   البارحة تحديداً، لم تمري كعادتكِ، فأخذني القلق إلى أودية الصمت، وهناك صادقت الكآبة، فما حاجة أيامي دونكِ، وقبل أن يحملني الحزن على أجنحته السوداء ويطير بي في الفضاءات، رأيتكِ تأتين مثل مهرة شقراء، كنتِ ترتدين عباءة سوداء وتحملين لوحاً طينياً منقوشاً بكتابة غريبة، ربما كانت هذه النقوش لغة سومرية أو مسمارية أو لغة أخرى.

   تقدمتِ نحوي بكل أبهة، نظرتِ إلى عينيَّ وفي عينيكِ كل حكايات بلاد الرافدين.

   قلتِ بصوت مليء بدفءٍ  منبعثٍ من ناي الفرات:

   ـ ألستَ أنت الذي يريد أن يرسمني على أجنحة لهفته، ودائما يريد أن يكتبني نشيداً تردده الأجيال؟

   زرعتُ كل نظراتي فيكِ ولم أجب، كيف أجيب وأنا تائه بين الغرابة والذهول، وحين قرأتِ التوهان في عينيَّ، قدمتِ لي اللوح الطيني وأنتِ تبتسمين:

   ـ هذه رسالتي التي كتبتها خصيصاً لكِ.

   ثم أضفتِ، وعلى ملامحكِ بدا شيء من الحزن:

   ـ إذا لا تستطيع قراءة هذه الرسالة، فلا بد أن تقرأها الأجيال القادمة.

   بقيتُ انظر إليكِ صامتاً مثل من يقف أمام هيبة الملوك، حينئذ تحولتِ إلى قيثارة سومرية تعزف لحن الوداع.

   سنوات طويلة مرت، وما زلتُ كل ليلة من ليالي الانتظار الطويل، أرسم في خيالي غابات نخيل وأنا في غربتي، في البلاد الباردة، لعلني أراكِ تمرين فيها وأمتّع عينيَّ برؤية من أحب، وكثيراً ما رسمت نهراً ولا أعرف إن كان دجلة أو الفرات، وفي كل ليلة من ليالي الصيف، أجلس وحيداً وحزينا على ضفافه ، أستمع لخريره ، أبثه لهفتي واشتياقي، وكلي ثقة بأنني سأراكِ في لحظة خاطفة، ترفعين رأسكِ من تحت الماء، تتقدمين نحوي بخطى سعيدة، وتمنحينني همساً لا يُنسى ولا يُمحى من الذاكرة.

   منحني التعب شيئاً من الوسن، فأغمضت عينيَّ وأنا في عالم آخر لا أرى فيه سواكِ، بغتةً  لمع طيفكِ من البعيد، وما لبث أن تقدم نحوي، ثم مر من أمامي، وابتعد بسرعة حتى كاد يختفي، لم يكن طيف حورية هذه المرة، بل طيف امرأة من زمن بعيد، كل يلوّح من بين أشجار النخيل، ثم يختفي، ثم يظهر، ثم ينبثق أمامي ويبتسم، ثم يختفي من جديد ويترك لي الحسرة على جمال لم ألمسه.

   لا أعرف إن كنتِ حقيقة أم حلماً، أم أنكِ تسكنين في أعماق النهر منذ آلاف السنين، ولأنني أعشق الأرض التي سكنتي فيها ذات يوم، وذات حلم، ما زلتُ أسأل عنكِ، وانتظركِ، وأكتبكِ في كل سطر من كل قصة ، وأرسمكِ، وأمنح صورتكِ لحنيني لعله يهدأ ويرتاح، وفي الليل أخرج هائماً، تائهاً في شوارع المدينة، أبحث عنكِ، بين الأطلال، وفي الحواري والأزقة الضيقة، وأظل أنادي باسمكِ همساً فلا أسمع جواباً.

   ستظلين امرأة من ذهب، تسكن جوارحي وذاكرتي، وحتى لو كنتِ نجمة، أو نخلة في غابة بعيدة، فلا بد أن يتم التلاقي بيننا، وربما في ليلة قادمة ، أو في عام قادم، ستأتين إليَّ وسنكمل أنتِ وأنا الحكاية، فأنا ما زلت إلى اليوم أراكِ في كل زاوية من زوايا بغداد، بابل، الموصل، وأور.

    آه يا اسطورة غرامي، يا نبض أيامي، يا سؤدد الروح، أنتِ الآن أغنية سومرية مكتوبة بلون اشتياقي، وأنا ناي من قصب الفرات، يعزف أنين روحه، يحكي للدجى عتابه وتناهيده، ويحن لزمن كان.

bassamaltaan@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading