النرجسية السياسية – خديجة جعفر

تفسر مدارس التحليل النفسي ، مفهوم النرجسية، وفق التوصيف المَرَضي ، لا سيما في الآونة الأخيرة، مع نشاط الحركات المطلبية بالحقوق الفردية. لما تتضمنه هذه الحالة من ظواهر سلوكية تتخذ اشكالا عدة من التعديات على حقوق الآخر بانطلاقها من مركزية النظرة الاستعلائية، الفوقية المتضخمة للذات الفردية ..
على اختلاف مسببات ونتائج هذه الحالة المَرَضية وتأرجح التفسيرات من دقة حدودها أو اساليب تمظهرها سلوكا فرديا، لتفرض مسألة ارتباطها بمفاهيم المساواة والعدالة أمرا يستوجب التوقف عنده..
فالنرجسية فلسفيا ليست مجرد حب للذات، بل تتخطى هذا الحب نحو الكمال الذاتي وتمركز الوعي بوصفه معيارا للحقيقة وللقيمة مقابل آخر غير مرئي كيانيا،فتكون الذات أصل الحكم ومصدر الشرعية، ويختزل الآخر بما يتناسب مع تلبية خدمات النرجسي وتردادا لتفوقه ونقلا لمقولاته وأداء فروض الطاعة والولاء لهذا الأنا الأفضل، وتحويل هذا الآخر إلى اداة او مرآة بديلة عن سطح ماء الاسطورة نرسيس، ما يستلزم إنزال أشد العقوبات على الآخر المُختلف أو المُعترض.
هذا الانغلاق داخل صورة الذات، وتحويل العالم الى سطح عاكس لصورة الأنا، يسهم في إعدام قدرات التواصل وبناء العلاقات السليمة مع الآخرين بعد التسبب بعطب مفاهيم المساواة والعدالة سلوكا في مساري: انكار النرجسي للحقوق اولا، ثم تحويل الآخر الى مجرد أداة تأكيد لفرديته وفوقيته مقابل شخصنة الكيانات المحيطة. لنخلص الى ترسيخ قناعة بأن النرجسية نقيض للعدالة ..
لا شك في ان انحسار الحالة ضمن الاطار الفردي أو التوصيف المرضي القابل للمواجهة علاجا ، او حتى لخفض منسوب سلبيات الأثر ، امرا تحت السيطرة العلاجية. لكن ما ان تتحول النرجسية لتطال البنية المجتمعية بتكتلاتها المؤسساتية العاملة في الشأن العام، كالخدمة المجتمعية مثلا ،او في الأطر السياسية الحزبية، لتتخطى التوصيف المرضي الفردي وآثاره المحدودة، وننتقل إلى مستوى آخر من السلبيات ،وضرورة ترصد ومواجهة الاثر من الانحيازات الفكرية والتطبيقية التي ترسم اطر العدالة انطلاقا من رؤى مؤسساتية تتخذ من برامجها ، سلطة الاحادية و الفوقية والأحقية لخدمة مصلحة الذات المؤسساتية او الهوية، أو الدين، أو الايديولوجيا، ويتحول معها القانون والعدالة الى معايير ذاتية، وأدوات لحماية الذات المؤسساتية المتضخمة والمتنكرة لأي شكل من أشكال التكافؤ ، بل انها تعيد العالم إلى مركزية احادية .
ان تجسد الأنا النرجسية في شكل مؤسساتي يجعل الآخرين قطعانا تؤكد تلك الذات في البرنامج الحزبي أو الزعيم المؤسِس. وعند الاختلاف فالامر يستوجب العقاب ،واي عقاب يستحقه مُختَلِف أقل من التخوين، العمالة، الكفر بالمركزيات، الخ من الاتهامات الجاهزة والتي تفرض الموت عقوبة شرعية ومحقة ، وتُمارَس بالاستخفاف النرجسي المَرَضي ذاته تجاه الآخر ،و بالعلن والأشهار ايمانا بتحقيق العدالة …
هذه النرجسية البنيوية ، المؤسساتية القوية، قد تتجاوز العدالة والمساواتية بالمفهوم التنموي بل انها تؤسس لعدالة جديدة ،عدالة قائمة على التفوق والاحادية بدل المساواة، وتصبح العدالة تعبيرًا عن ميزان قوى لا عن مبدأ أخلاقي مطلق .
بالعودة لرؤية ” فوكو ” في تفسير النرجسية ،وهو يفكك بنية الذات نفسها، باعتبارها ليست جوهرا ثابتا بقدر ما هي مُنتَج لشبكات السلطة والمعرفة، فالأنا بالنسبة ل ” فوكو” نتيجة للخطاب والمؤسسات وآليات الضبط ، بالتالي فالنرجسية ليست مجرد تضخم ذاتي بل نتيجة لنظام يعيد انتاج صورته باستمرار، وتصبح العدالة في هذه الحالة شكلا مقنعا من ممارسة السلطة، ويكون الخطر الأكبر في البنية التي تنتج ذواتًا تخدم منطق السلطة، ما يجعل العلاقة بين النرجسية والعدالة علاقة توتر تاريخي وليست تعارضًا أخلاقيًا بسيطًا، لا سيما في الاطر اللاهوتية وتشكل السلطات الدينية، بحيث يؤسس النص الديني لشرعية الهية، تتخطى فكرة التعاقد المجتمعي، متخذة بعدا ماورائيا للمسؤولية وللجرم، ما يرتب على تطبيق العدالة، امتثالا لارادة متعالية مستمدة من القدسي معيار أعلى للقوانين الوضعية ويحوّل المظلومية التاريخية إلى رأس مال سياسي يحدد معايير المساواة والعدالة فتصبح لغة صراع لا لغة مساواة. و تتحول العدالة الى ان تصبح مفهوما نسبيا يبعد عن مضمونه الحقوقي في التنظيم المجتمعي، تترجمها النصوص من الكتب السماوية حينا، النظريات الفلسفية والايديولوجية حينا آخر . وأما ان تُتَّخَذ العدالة كمٌنتَج للمسار النقدي المحلي من إليات تشكل السلطة البعيدة عن شمولية انتشار المد الديني أو المذهبي أو الايديولوجي، نقد قد يتيح فرص اعادة إنتاج نماذج متجددة من النصوص القانونية الوضعية بما يتناسب مع الوعي الجمعي العام لاستعادة مضمونها الحقوقي في تنمية الشعوب وتقدمها الفكري ، فهي عدالة تبنى على مقومات موضوعية، تحدد معايير واقعية تنسجم مع قدرات المجتمع المحلي وانجازاته المعرفية الأجدر في تطويبا معايير للتكافؤ والمساواة بين الأفراد دون ضرورة الاستيراد المفهومي المفرغ من مقوماته .
خديجة جعفر





