مقالات فكرية

نظرة جديدة للقرآن: نحو تأويل إنساني-نصر حامد أبو زيد Mp3

رجل في بدلة رسمية يجلس ويمسك بذقنه بتعبير يفكر.

هذا العمل من إنتاج مؤسسة هنداوي، منشور برخصة المشاع الإبداعي CC BY 4.0.

(١) القرآن بوصفه «خطابًا»

مؤخرًا، ميَّز محمد أركون وآخرون١ على نحوٍ صحيح بين ظاهرة القرآن، المتمثلة في الخطاب المتلو، وبين المصحف الذي يضم ما يعرِّفه أركون بأنه «النص المغلق» أو النص المقدَّس؛ وذلك من خلال عملية التدوين والجمع التي شرحناها فيما سبق، والتي حوَّلت الخطابَ المتلو إلى نصٍّ مقدَّس أو «نص». غير أنني أرغب اليوم في تجاوز هذه اللحظة التاريخية من التحوُّل، وهي لحظة معروفة في تاريخ جميع الأديان. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، لم يتمكَّن قط علماء القرآن المسلمون — مع إدراكهم النظري لتأثير هذا التحوُّل وعودتهم في بعض الأحيان إلى بنية القرآن ما قبل النص — من إدراك الظاهرة الحية: القرآن بوصفه «خطابًا».

إنَّ علماء القرآن في العصر الحديث يتبنَّون مفهومَ القرآن بوصفه «نصًّا»، رغم اختلاف نموذج «المعنى» الذي يحاول كلٌّ منهم فَهْمه من القرآن واستنباطه منه. وصحيحٌ أنَّ التعامل مع القرآن بوصفه «نصًّا» فحسب يعزِّز احتمالات التفسير وإعادة التفسير، لكنه يتيح أيضًا التلاعبَ الأيديولوجي بكلٍّ من «البنية» و«المعنى»، على غِرار التفسيرات الجدلية للمتكلمين.

لقد كنت أحدَ المروِّجين لنصية القرآن متأثرًا في ذلك بالمنهج الأدبي الحديث والذي لا يزال مُقدرًا.٢ وبدأتُ أدرك مؤخرًا أنَّ التعامل مع القرآن بوصفه نصًّا فحسب يقلِّل من مكانته، ويغفِل حقيقةَ أنه لا يزال يؤدي وظيفةَ «الخطاب» في الحياة اليومية.٣ إن الكتاب الذي بعنوان «القرآن بوصفه نصًّا»، الذي يعرض وقائعَ الندوة التي عُقِدت عام ١٩٩٣ في قسم الدراسات الشرقية بجامعة بون، أُعيدت طباعته مراتٍ عديدة؛٤ لأنه يقدِّم التحوُّل الذي يشير إليه شتيفان فيلد، في الدراسة الغربية للقرآن على الأقل، من نموذج «أصل» القرآن، سواء أكان يهوديًّا أو مسيحيًّا، إلى نموذج «النص المتلقَّى» textus receptus.

لا شك أنَّ النص القرآني المتلقَّى، أي القرآن بوصفه نصًّا واردًا في المصحف، قد شكَّل — ولا يزال يشكِّل — الاعتقادات الدينية للمسلمين، وهو النص الثقافي الأساسي في كثير جدًّا من الثقافات الإسلامية.٥ غير أنَّ هذا لا ينطبق إلا إذا قصرنا تعريفنا ﻟ «الاعتقادات» و«الثقافات» على المستوى الرفيع؛ أي «الاعتقادات» و«الثقافات» بالنسبة إلى النخبة. أما على المستوى الأدنى من «الثقافات» و«الاعتقادات» متمثلًا في مستوى عامة الناس، فإنَّ القرآن المتلوَّ، أي ظاهرة القرآن بصفته خطابًا، هي التي تؤدي الدور الأهم على الإطلاق في تشكيل الوعي العام.

بالنسبة إلى الباحثين المسلمين، كان القرآن نصًّا على الدوام، منذ لحظة تدوينه وجمعه حتى الآن. وقد حان الوقت الآن لأن نوليَ عنايةً خاصة للقرآن بوصفه خطابًا أو خطابات. فلم يَعُد يكفي الآن أن نعيدَ النظر في سياق سورة أو بعض السور حين نحتاج إلى مواجهة الحَرفية أو الأصولية، أو حين نحتاج إلى أن نطرح عنا ممارساتٍ تاريخية محددة تبدو غير ملائمة في سياقنا الحديث. ولم يَعُد يكفي أيضًا أن نستدعيَ علم التأويل الحديث لتبرير تاريخية كل نمط من أنماط الفهم، ومن ثَم نسبيته، مع الزعم في الوقت نفسه أنَّ تأويلنا الحديث هو الأنسب والأكثر صلاحية. ذلك أنَّ هذه النُّهُج غير الكافية لا تنتج إلا خطابًا تأويليًّا جدليًّا أو دفاعيًّا.

من دون تبني نظرة جديدة للقرآن، ومن دون استعادة وضعه الحي بوصفه «خطابًا»، سواء أكان ذلك في النطاق الأكاديمي أم في نطاق الحياة اليومية، لن يمكن تأسيس أي تأويل ديمقراطي. لماذا ينبغي أن يكون التأويل ديمقراطيًّا؟ لأن التأويل يتعلق ﺑ «معنى الحياة»؛ فلا بد أن يكون مفتوحًا بنحو ديمقراطي. إذا كنا صادقين بشأن تحرير الفكر الديني من استغلال السلطة، سياسيةً كانت أو اجتماعية أو دينية، لكي نعيدَ صياغة «المعنى» إلى مجتمع المؤمنين، فسنحتاج إلى تأسيس تأويل إنساني ديمقراطي مفتوح.

إنَّ التنوُّع التجريبي للمعنى الديني جزءٌ من تنوُّعنا الإنساني بخصوص معنى الحياة في العموم، وهو ما يُفترَض أن يكون قيمةً إيجابية في السياق الحديث الذي نحيا فيه. ولكي نعيد تأسيس الصلة بين معنى القرآن ومعنى الحياة، صار لزامًا علينا الآن أن نشيرَ إلى حقيقة أنَّ القرآن كان نتاج حوار وجدال وحِجاج وقبول ورفض، ولم يكن ذلك موجَّهًا لمعايير فترةِ ما قبل الإسلام وممارساتها وثقافتها فحسب، بل كان موجَّهًا أيضًا إلى تقييماته وافتراضاته وتأكيداته السابقة، إلى آخر ذلك.

ربما يكون من المفاجئ الزعم بأنه — في الفترة المبكرة من الإسلام وقبل أن يُدوَّن القرآن ويُجمع بالكامل، وقبل أن يصبح الإسلام مؤسسيًّا تمامًا بالطبع — تطوَّر التمييز بين القرآن: الخطاب الذي لا يزال حيًّا، وبين المصحف، النص الصامت، على خلفية دعوة لتسييس القرآن. وتلك لحظة من المهم تذكُّرها.

(٢) القرآن في مقابل المصحف: المتحدِّث والصامت

أودُّ أن أبدأ هنا بمقولةٍ تعود إلى الخليفة الرابع، علي، ابن عم النبي محمد وصهره، وهي مقولة يصف فيها المصحف بأنه صامت لا يتكلم، وإنما يتكلم به الرجال. ثمَّة أهمية كبيرة للسياق الذي ظهرت فيه هذه المقولة؛ إذ يمكن أن يوضح كثيرًا الوضع الحالي الذي قلما يغيب فيه التلاعب السياسي بمعنى القرآن.

قيلت هذه العبارة في سياق قتال علي، الخليفة الشرعي، ضد معاوية، والي الشام الذي رفض الاعتراف بسلطة علي، في معركة صفين عام ٦٥٧. بدا أنَّ نجم معاوية قد بدأ يخفُت، حين نصحه معاونه، عمرو بن العاص، بأن يطلب من جنوده أن يرفعوا نسخًا من القرآن على أسنَّة رماحهم. لم تكن هذه الإشارة، الشهيرة في تاريخ المسلمين، دليلًا على الاستسلام؛ بل استخدمها معاوية لدعوة الطرفين المتقاتلين إلى حل المسألة بالاحتكام إلى القرآن. وضع الجيشان أسلحتهما؛ إذ أنهكهما القتال. واضطُر عليٌّ بعد ضغط من أنصاره إلى تقديم الخلاف إلى التحكيم، مثلما اقترح معاوية، على أن يكون المحكِّم الذي يختاره من جانبه واحدًا من «المحايدين». لكم كانت ثقةُ أتباعه في أنهم على صواب! وفي هذه القرارات، لعِب «القرَّاء»، وهم المرتِّلون المتمكنون الذين يحفظون القرآن بأكمله عن ظهر قلب، دورًا كبيرًا. كانت مهمة المحكِّمين هي الرجوع إلى القرآن من «أول سورة فيه إلى السورة الأخيرة» وإلى سُنة النبي فيما لم ترِد فيه إشارة واضحة في القرآن، مع استثناء ما قد يؤدي إلى الانقسام. ومع عدم وجود تعريف واضح لموضوع الشورى، احتجَّ بعضُ الأفراد على اللجوء إلى التحكيم، رافعين شعار «لا حكم إلا لله». أشارت هذه العبارة ضمنيًّا إلى أنه لا يصح على الإطلاق اللجوء إلى بشَر لاتخاذ قرار؛ إذ يوجد تشريعٌ إلهي بخصوص هذا الأمر، متمثلًا في الآيتين ٨ و٩ من سورة الحجرات: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ … رأى الخوارج أنَّ واجبَ عليٍّ هو مواصلة القتال ضد معاوية؛ إذ لم تظهر أي حقيقة جديدة لتغيِّر الموقف.٦

واستجابةً لهذا الشعار، فرَّق عليٌّ بين «المصحف» الصامت: النص، من جهة، والقرآن الذي ينطِق به الناس من جهةٍ أخرى. إنَّ مقولة عليٍّ هذه، التي يستشهد بها الباحثون المسلمون الحداثيون بكثرة للدلالة على الاحتمالات المتعدِّدة للتفسير، إضافةً إلى احتمالية الاستخدام السياسي للمعنى القرآني، تنطوي على تبِعات أكثرَ مما تحقق بالفعل. إنَّ النطق بالقرآن، سواء في الشعائر الدينية أو في الحياة اليومية أو في أي خلاف اجتماعي أو سياسي أو أخلاقي، يحمل معه نمطًا محددًا من التفسير وإعادة التفسير، عن طريق النبرة والتخصيص.٧ فالقرآن ظاهرة حية، كالموسيقى التي يعزفها الأوركسترا، بينما المصحف، النص المكتوب، فهو، كالنوتة الموسيقية، صامت. ولا بد للخطاب التأويلي الإنساني للقرآن أن يتناول الظاهرة الحية بجدية، ويكفَّ عن اختزال القرآن إلى «مجرد» نص.

تتفق الحركات الإسلامية السياسية الحديثة، سواء الأصولية أو الوسطية منها، على سلطة الله المطلَقة في تحديد قواعد السلوكيات التفصيلية للفرد وتشريعها، إضافةً إلى القواعد التي تحكم المجتمع ككلٍّ. وفي الخطاب التأويلي السياسي الحديث، يستند هذا الزعم بالمصدر الإلهي المطلَق للتشريع على دعوى مماثلة لتلك التي نادى بها المعارضون للتحكيم. فبينما صرخ معارضو القرن السابع: «لا حكم إلا لله»، مؤوِّلين الكلمة القرآنية «يحكم» بمعنى الفصل في النزاعات، فإنَّ المعارضين السياسيين في العصر الحديث يفهمون الكلمةَ نفسها بمعنى الحكم عن طريق التشريع.

يمكننا أيضًا أن نجدَ هذا التلاعب السياسي والأيديولوجي في الحِقبة الكلاسيكية للإسلام. وقد استمر هذا التلاعب بناءً على تأكيد واضح صريح على أنَّ القرآن نصٌّ فحسب.

(٣) إعادة بناء «النص» والتلاعب به

حين بدأت أدرُس — في كتابي الأول (١٩٨٢)٨ — طرق التفسير المختلفة التي طُبِّقَت على القرآن بوصفه «نصًّا» في علم الكلام الإسلامي التقليدي، بحثتُ في ظهور مفهوم «المجاز» الذي عرفته البلاغة العربية في بدايات القرن التاسع على يد مدرسة علم الكلام العقلانية التي تُعرَف بالمعتزلة، وذلك من خلال جهودهم لتفسيرِ ما يرِد في القرآن من صور للإله شبيهة بالصفات البشرية من جانب، والآيات التي يبدو أنها تؤيد عقيدةَ «الجَبر» من الجانب الآخر. استخدم المعتزلة مفهومَ «المجاز» بصفته أداةً لغوية لتفسير تلك الأنواع من الآيات التي اعتبروها «متشابهة». أدَّى هذا إلى صياغة أداة فعَّالة لتفسير النص القرآني وفقًا لمعايير المعتزلة التي تقضي بالتنزيه؛ فمتى توافق النص القرآني مع أفكارهم وصفوه بأنه «مُحكَم»؛ ومن ثَم لا يحتاج إلى تفسيره مجازيًّا، ومتى خالفها وصفوه بأنه «متشابه» وينبغي تفسيره مجازيًّا.

كانت النتيجة الأساسية التي توصلتُ إليها بعد مقارنة خطاب المعتزلة وخطاب الفرق المضادة للمعتزلة، هي أنَّ القرآن أصبح ساحةً لمعركة فكرية وسياسية ضارية. وقد تمركزت تلك المعركة عند واحد من أهم المنعطفات في بنية النص القرآني (آل عمران، الآية ٧).٩ يتفق كلٌّ من المعتزلة ومعارضوهم على المبدأ القائل بأنَّ القرآن يضم ما هو متشابه من الآيات وما هو محكَم منها، وأنَّ «المحكَم» يجب أن يضع المعايير لتفسير المتشابه. غير أنهم يختلفون بشأن التنفيذ العملي؛ ومن ثَم فإنَّ الخلاف لا يتعلق بمعنى القرآن فحسب، بل ببنيته أيضًا. فما يَعُده المعتزلة من «المحكَم» هو «متشابه» لدى معارضيهم، والعكس صحيح. وقد شكَّلت هذه الخلافات الفكرية بشأن بنية القرآن ومعناه المبدأَ التأويلي الأول، ألا وهو: ثنائية المحكَم والمتشابه.

كان معارضو المعتزلة الفكريون هم التقليديين الذين تمسَّكوا بالتفسير الحَرفي لجميع آيات القرآن لدرجة أنهم أقروا بحقيقة وجود جميع الصفات الإلهية، وجميع الصور المتعلقة بالآخرة، وحتى فكرة إمكانية رؤية الله بالعين البشرية. احتجَّ المعتزلة على فكرتهم القائلة بأنَّ التفسير الحرفي للنص المقدس واجب ديني، ورأوا أنه يمثل عائقًا أمام استكمال مسيرة البشَر. فقد رأى المعتزلة أنَّ الله فرضَ على البشر واجبَ اكتساب المعرفة الحقيقية من خلال استخدام قدراتهم العقلية.

سوف أشرح لاحقًا أنَّ هذه الفرضية القائلة بوجود «المحكم» و«المتشابه» في القرآن جزء من الخطاب الحواري في القرآن، الحوار مع مسيحيي الجزيرة العربية: النصارى. ولكي يفترض عالِم الدين وجودَ قاعدة مؤسِّسة أو مبدأ للتأويل كان ذلك يستدعي افتراض «نصية» القرآن.

بالنسبة إلى الفقهاء، فقد استند نهجُهم على مبدأ بنيوي آخر يفرِّق بين «المتقدم» من الوحي و«المتأخر» منه. ووفقًا لهذا المبدأ، ينبغي ألا يوجد أيُّ تعارض فيما يتعلق بأي أمر محلَّل أو محرَّم؛ لأنَّ «المتأخر» ينسخ دائمًا «المتقدم».

ورغم ما يبدو من توصُّل الفقهاء إلى درجة من الوعي بشأن القرآن بوصفه «خطابًا»، طرح ذلك أمامهم مشكلةً كانت تستدعي الحل. فهم لم يفهموا أنَّ الأحكام المختلفة في القرآن يمكن أن تكون ظاهرة إيجابية من التنوُّع الذي ينبغي الحفاظ عليه؛ إذ يمثل خيارات مفتوحة لمجتمع المؤمنين حتى يمكنهم تحدي النظام الاجتماعي الدائم التغيُّر، وعمدوا، بدلًا من ذلك، إلى تثبيت المعنى من خلال النظر إلى عملية الوحي التدريجية باعتبارها تطورًا تدريجيًّا لمحتوى الرسالة. ونتيجةً لنظرتهم إلى الأجزاء المتأخرة من الوحي على أنها النهائية بينما الأجزاء المتقدِّمة مرحلية، فقد قدَّموا مفهوم «النَّسخ»؛ ومن ثَم استبعدوا جميع الخيارات السابقة لصالح الصياغات اللاحقة من الوحي. ووفقًا لمفهوم النَّسخ هذا، يُقسَّم القرآن إلى أربع فئات:

  • (١)الآيات والسور التي حُذفَت تمامًا من «النص المغلق» الحالي؛ أي إنها كانت من القرآن فيما سبق، لكنها لم تَعُد كذلك الآن.
  • (٢)الآيات والسور التي عُطِّلَت تشريعاتها وأحكامها، لكنها لا تزال جزءًا من القرآن؛ لقد نُزِعَت قوَّتها التشريعية لكنها لا تزال تحتفظ بمكانتها الإلهية باعتبارها كلام الله.
  • (٣)الآيات والسور التي بقيت أحكامها وتشريعاتها رغم أنها حُذِفَت من القرآن؛ وتدخل ضمن هذه الفئة عقوبةُ الرجم على زنا المحصنين.
  • (٤)وبالطبع الآيات والسور التي لم تخضع للنَّسخ.١٠

ربما يكون التأويل الصوفي هو العنصر الذي قد يؤدي إلى خطاب تأويلي ديمقراطي مفتوح في الثقافة الإسلامية. لقد كتب محيي الدين ابن عربي، الصوفي الأندلسي العظيم الذي وُلِد في إسبانيا، رسالتَه العظمى التي أتت بعنوان «الفتوحات المكية» في مكة، ومات في سوريا (٦٣٨ / ١٢٧٩). شكَّل تأويله للقرآن موضوع كتابي الثاني (١٩٨٣)،١١ وهو ما غرس البذرة لإمكانية تأسيس خطاب تأويلي ديمقراطي مفتوح. إنَّ مشروع ابن عربي التأويلي يستند بصورة كلية على تأكيد الطبيعة الجامعة للقرآن؛ أي إنه يؤكد على معنى الجمع، في مقابل «الفرقان»، وهو اسم آخر للقرآن يعني الفصل والتمييز.١٢ ومن خلال هذا التأكيد، شكَّل محاولةً لدمج جميع المعارف القائمة حتى عصره (من أفلاطون حتى ابن رشد) في القرآن؛ فخطابه التأويلي يجعل معنى القرآن ومعنى الإسلام منفتحًا ليصبح معنًى شاملًا للغاية يضم المسيحية واليهودية وجميع الديانات الأخرى. إنَّ إسلام ابن عربي دينٌ للحب الشامل، مثلما يصفه ابن عربي في شِعره.١٣ التأويل الصوفي في العموم، والذي يتَّبعه تأويل ابن عربي في الخطوط العامة لا في التفاصيل، يعتمد بصفة أساسية على المفهوم القائل بوجود أربعة مستويات دلالية تنطبق على كل آية: الظاهر والباطن والحد والمطلع. وهذه البنية المتعددة الدلالات للقرآن قد مكَّنت الصوفيين من تجنُّب ثنائية المحكَم والمتشابه التي استخدمها علماء الكلام؛ لأنَّ كل مستوًى دلالي يؤدي إلى ما هو فوقه ويضم ما هو تحته دون تعارض أو ازدواجية. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ هذا النَّهج يجعل القرآن مفهومًا لجميع المؤمنين بصرف النظر عن تعليمهم أو قدرتهم الفكرية.

وجاء ابن رشد ليطوِّر من النظام المعتزلي تطويرًا نقديًّا لكي يجعل معنى القرآن منفتحًا على النتائج التي توصَّلت إليها الفلسفة. فيرى ابن رشد أنه لما كان القرآن معنيًّا بمخاطبة جميع البشَر، أيًّا كان لونهم أو عِرقهم أو مستوى معرفتهم، والوصول إليهم، فهو يتضمَّن ثلاثة أنماط من التعبير الدلالي. النمط الأول والأكثر شيوعًا هو «الخطابي»؛ أي الشاعري الصريح الذي يخاطب العوام؛ والنمط الثاني هو «الجدلي» الذي يهدف إلى مخاطبة علماء الكلام؛ أما النمط الثالث والأرفع، فهو النمط «البرهاني»؛ أي الفلسفي الذي يهدف إلى مخاطبة الفلاسفة.١٤ إنَّ الفَرق بين ابن رشد وعلماء الكلام، الذين يشن ضدهم هجومًا حادًّا، متهمًا إياهم بتدمير اعتقادات العوام من خلال الترويج لتأويلاتهم على أنها الفهم الصالح الوحيد، أنَّ ابن رشد لا يرى المعنى الشاعري الذي يخاطب العوام أدنى درجة من المعنى الفلسفي. ذلك أنه يؤكِّد على الاختلاف وليس على الترتيب. ولعل كونه قاضيًا وطبيبًا وفيلسوفًا يفسِّر موقفه الفريد. فبالرغم من أنه يستشهد بالآية (آل عمران، الآية ٧)، التي يستدعيها علماء الكلام على الدوام لإعادة بناء القرآن في إطار «الإحكام» و«التشابه»، فإنه لا يستخدمها إلا على سبيل التبرير، هي وغيرها من الأصول الفقهية، مثل القياس، ليعطيَ الفلاسفة الحقَّ في المشاركة في التأويل. وربما يكون السبب في أنَّ الخطاب التأويلي الذي قدَّمه ابن رشد لم يُدرَس حتى الآن هو أنَّ أطروحاته الكلامية لم تتخطَّ هذه الحدود العامة. إنَّ أي دراسة وافية للخطاب التأويلي لابن رشد سوف تستلزم النظرَ في جميع كتاباته، بما في ذلك تعليقاته؛ فقد كان منخرطًا للغاية، على أي حال، في مهمة تأويلية مكثفة.

حتى الآن، يبدو أنَّ التأويل الصوفي، الذي يؤكد على التعدُّد الدلالي بما يتفق مع اشتراك المتلقي في إنتاج المعنى، أقربُ إلى إدراك طبيعة القرآن من تأويل علماء الكلام والفلاسفة (ربما باستثناء ابن رشد) والفقهاء. لقد استطاع الصوفيون، وفقًا لمفهوم اندماج الفرد مع القرآن، تطويرَ مفهوم «السماع»، ومن ثَم تقديم الوجه الآخر من العملة، وهو القرآن بمعنى الكلام والتلاوة. إن التعامل مع القرآن بوصفه نصًّا فحسب سيؤدي بنا إلى أن يكون التأويل هو الوجه الآخر من العملة، وهو تأويل المصحف في هذه الحالة لا القرآن.

إنَّ السؤال المطروح أمامنا الآن هو: «أيمكن لأي خطاب تأويلي أن يتجاهل حقيقةَ أنَّ القرآن ليس نصًّا «فحسب»؟» يوضح لنا تاريخ التفسير حتى الآن أنَّ التعامل مع القرآن اقتصر على النظر إليه بوصفه نصًّا لا يحتاج إلا إلى التحليل البنيوي والفيلولوجي للكشف عن معناه. يتضح هذا في نهج علماء الكلام والفلاسفة، الذي يتأسَّس على افتراضِ ثنائية «المحكَم والمتشابه»، التي تمكَّنت من البقاء حتى اليوم. ومثلما رأينا بالفعل، فإنَّ مثل هذه الثنائية تسهِّل التلاعبَ الدلالي بالمعنى القرآني. غير أنَّ التعامل مع القرآن بوصفه «خطابًا» سيقدِّم نموذجًا مختلفًا قد يعزِّز من خطابنا التأويلي المقترح.

ما سأعرضه فيما يلي لا يقدِّم سوى بعض الأمثلة على خصائص الخطاب القرآني؛ فالعرض الشامل المفصَّل لذلك يستلزم كتابًا كاملًا. وأنا لا آمُل سوى أن توفِّر الأمثلة التالية عمادًا لمشروع أكبر.

1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading