القصة القصيرة

فخ اللوحة الزرقاء – ا.جهاد جحزر -اليمن

رجل في قميص أبيض يبتسم، مع خلفية بسيطة.

​يا أحمق!

​هوت الكلمة على رأسه كأنها صخرة. تجمدت قدماه في مكانهما، بينما انهمر وابل من الشتائم اخترق هدوء الساحة من حوله. التفت يمنة ويسرة بعيون زجاجية، يمسح الفراغ بحثاً عن حيوان ضال أو دابة شاردة ينسب إليها هذا الهوان، لكن الساحة لم تكن تضم سوى جسده الواقف تحت نظراتهم المحتقنة بالسخرية.

​”أنت.. أجل أنت!”

​تحشرجت الكلمات في حنجرته وهو يهمس بذهول: “أ.. أنا؟”

ارتفع الرد جماعياً كجوقة موسيقية أتقنت تدريباتها: “إيه.. وأكثر مما تتصور!”

​دار حول نفسه، يداه ترتجفان وهما تتحسسان ثيابه، ثم انخفضت إحداهما تمسح أسفل ظهره بحذر كأنه يتوقع بروز ذيلٍ مفاجئ. أطبق كفه الأخرى على فمه، يضغط على شفتيه بقوة؛ كان يخشى أن تخذله أحباله الصوتية وتصدر نهيقاً يصدق ادعاءهم. استجمع قواه، تفقد أصابعه، ملامح وجهه، نبضه المنتظم، وقال في سرّه: “لي وجه كوجوههم، ولسان كألسنتهم.. أنا فلان بن فلان.. ما بال هؤلاء؟”

​انتفض من ذهوله بحركة مباغتة، وصرخ في وجوههم: “من أنتم؟”

أجاب أحدهم ببرود وهو يلوك علكته: “نحن بنو آدم.. يبدو أنك غبي وأعمى أيضاً!”

​تراجع خطوة، محاولاً تهدئة إيقاع صدره المضطرب. فكر في الانسحاب بصمت؛ فربما كانوا عصابة تستدرجه لمواجهة خاسرة، وقرر أن ينجو بما تبقى من وقاره وما يحمله في جيبه. لكن، ما إن همّ برفع قدمه ليغادر، حتى طوقته قهقهاتهم الصاخبة: “يا للغباء.. يا له من مغفل!”

​قبض على مقبض جنبيته بقوة حتى ابيضت مفاصله، واشتعلت النيران في عينيه: “ابتعدوا عن طريقي قبل أن تسكن هذه الجنبية صدوركم.. يا أشباه البشر!”

​رد أحدهم بوقاحة وهو يسد الطريق بذراعيه: “ممنوع العبور، ألا تفهم؟ عد من حيث أتيت!”

شعر بجسده يرتجف وسط حلقة السخرية: “ممنوع؟ هذا طريق عام!”

سحب سنتيمترات من نصل جنبيته اللامع وهو يتقدم نحوهم: “قلت.. ابتعدوا!”

​لم يتزحزح أحد. صاح أحدهم بحدة: “هناك أوامر واضحة.. ارفع رأسك.. اقرأ.. افهم.. أم أنك تعشق كسر القوانين؟”

​رفع بصره ببطء، لتصطدم عيناه بلوحة معدنية زرقاء، كُتب عليها بخط عريض: “ممنوع مرور الدواب”.

​استل خنجره بالكامل واندفع نحو أقربهم إليه، فتفرقوا في ثوانٍ كأنما انشقت الأرض تحتهم. واصل الجري خلفهم والنصل يلمع في يده، يقسم أن يرويه من دمائهم، بينما تبدلت ضحكاتهم إلى صرخات توسل: “اهدأ يا عمنا! مجرد مقلب.. كاميرا خفية! العن الشيطان.. انظر هناك، تلك هي العدسة.. نحن آسفون.. هل تسمح لنا بعرض المقطع؟”

​توقف، اتكأ بظهره المنهك على جدار أسمنتي بارد، وأغمد خنجره في عسيبه ببطء شديد. نظر إلى الفراغ وقال بمرارة:

“ماذا لو فقدتم إنساناً في هذه اللعبة؟”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading