والعاصفةُ تتحدّثُ أحيانا – د. وجدان الخشاب / العراق


قراءة للوحة { عاصفة } للفنان اسماعيل حمو
الفن عمومًا والرسم تخصيصًا، يتمثُل في كونه نزوعًا ذاتيًا ووجدانيًا لدى الإنسان للتعبير عن موقفه من الحياة، فالفن لا يبدأ من فراغ، بل ينهل من تراثٍ إنساني خصب تراكم على مرِّ السنين التي حاول فيها الإنسان أن يكوَّن تصوَّره الخاص للعالم الذي يعيش فيه، وينفعل به تأثرًا وتأثيرًا من خلال منظومة قيمية توجّه هذا الانفعال.
والرسم في مكوَّنه الجوهري تجسيد للأشكال بالخط واللون على سطح مستوٍ، وهذا التجسيد في الوقت ذاته ينطوي على أفكار ومشاعر وانفعالات ومواقف ورؤى الفنّان، من هنا يمكن القول أنَّ الفن يمتلك خاصيته الإبداعية من خلال المعطيات الذاتية الفردية للفنان، وهذه المعطيات تشكِّل بالتالي ميزة له عن غيره، فهو يمتلك وعيًا ورؤية يرى بهما ما حوله من معطيات الواقع بصورة تقع في موقع الاختلاف لا موقع الائتلاف، مما يمنحه فرصة مضافة لتحويل هذه الرؤية إلى نتاج فنّي يخاطب الآخر بشكل جديد.
للوحة الفنّية مقومات تتشكل من سطحٍ مستوٍ محددٍ بإطار، رسمت فيها يد الفنَان خطوطًا وأشكالا وألوانًا، وضمّنها عقله قيمًا ورؤى ومواقفًا، لتتحدّث مع متلقيها بلغتي البصر والبصيرة، وتكون بذلك منطقة لقاء بين الفنّان والمتلقين الذين سيعمدون الى الكشف عن دلالاتها الظاهرة والمخفية.
والشكل أداة يتوصّل بها الفنّان إلى التعبير عن أفكاره، فإذا كان الفنُّ تعبير عن الوجدان البشري، فلا يمكن لهذا التعبير أن يظهر إلاَّ من خلال شكل يبدعه الفنَّان؛ ليحقق تواصله مع المتلقي. وهو أيضًا الوحدة البنائية المتكوِّنة من مجموعة أشكال جزئية تتفاعل معًا؛ لتكوِّن هيكلا كلّيًا عن طريق فعل الّذاكرة والخيال المبدع للتعبير عن الدلالات التي يحملها، وإبرازها إلى الوجود، ويسعى الشكل لتأدية جملة وظائف حددها الناقد الفني جيروم ستولينيز بما يلي :
1 / يضبط إدراك المتلقي ويوجهه باتجاه مُعيّن، مما يساعد على فهم العمل الفنّي.
2 / يرتّب عناصر العمل الفنّي بشكل يسهم في إبراز قيمتها الحسيّة والتعبيرية.
3 / يندمج مع الدلالات التي تطرحها اللوحة الفنية، وهو ملازم لها على الدوام لأنَّها تظهر حال ظهور الشكل إلى حيّز الوجود.
4 / للشكل قيمة جمالية كامنة، يساعد التنظيم على ظهورها.
للشكل إذًا مظهر عام يبني اختلافه على رؤية الفنّان، كما يبنيه على طروحات المدرسة التي ينتمي إليها أحيانًا، وكل شكل تتمظهر به اللوحة يعتمد رؤية جمالية تعمل باتجاه إيصال أفكار مُعيّنة إلى متلقيها، كما تعمل باتجاه نقل الأحاسيس التي تجتاحه إزاء روح العصر الذي يعيش فيه، كما أنَّ للشكل قدرته الخاصة على تأشير مدى إفادة الفنّان من قدراته الخيالية، وتفعيل هذه القدرات في إنجاز لوحته.
وكل شكل – حسب طروحات الباحثين – سواء أكان بسيطًا أم معقدًا يمكن رسمه وتكوينه في حالات متعددة هي :
1 / المربّع : يمكن إظهاره بأشكال مختلفة ومركّبة، ولكنّها تتموقع في خانة التربيع، كما يمكن تحريكه وإعادة تنظيمه تفكيكًا وتجزيئا، وهذا ينطبق على الشكل المستطيل كذلك.
2 / المثلّث : يمكن للمثلث أن يؤشِّر حالة الاستقرار التام إذا كان رأسه إلى الأعلى، وقاعدته مستقرة على الأرض، ويمكن إخراجه من حالته المستقرة هذه للإيحاء بحركته حين يعمل الفنّان على تجزئته أو تركيبه من خلال إضافات مختلفة، أو إعطائه شكلا مقلوبًا للأعلى، أو إلى أحد الجانبين.
3 / الدائرة : يمنح شكلها المستدير تأشيرةً على حالة مستقرة، ولكنَّ الفنّان ومن خلال تكرارية شكلها أو تجزئته أو تركيبه يمنحها القدرة على تأشير حالة حركية أو غير مستقرة.
إنَّ الشكل بوصفه واحدًا من مقومات اللوحة الفنية لا يمكن لها أن تكتفي به؛ لأنَّ الفنان كثيراً ما يعمد إلى إخفاء أفكاره أو مواقفه خلف هذا الشكل؛ ليمنح لوحته دلالات حاصرته وتفاعلت في ذاكرته فترة إلى أن توصّل إلى اخراجها في عمل فني.
وكثيرًا ما يكون الاتفاق على دلالة واحدة للعمل الفني مهمة صعبة على المتلقي، سواء أكان المتلقي ناقدًا معرفيًا ومتفاعلا ايجابيًا مع الأعمال الفنية، أو كان متلقيًا هاويًا لها، فالمثيرات التي تمنحها الأعمال قد يكون لها ردّ فعل ذاتي، وقد يكون موضوعيًا، وقد يتباعد تحليل اللوحة الواحدة بُعدًا كبيرًا بين متلقٍ وآخر إلى أن يصلَّ حدَّ التناقض؛ لأنَّ الدلالة لا تتوقف على ما يقدمّه الفنان في عمله فقط، بل يتوقف على { كيفية تقديمه }، والسياق الذي انتقاه لتقديم هذه الدلالات.
من هنا يبدو أنَّ مهمة المتلقي أصعب من غيره؛ لأنَّه إن امتلك معرفة بالفنان تتيح له بناء تصوّر واضح عن معطيات حياته الاجتماعية والفكرية، وكذلك المثيرات المعرفية المحيطة به، وطريقة تلقيه لهذه المثيرات، ستكون له حصيلة معرفية تعينه وتوجّه تلقيه، فيكون بذلك قد اجتاز مرحلة الإعجاب أو الانبهار المؤقت بالعمل الفني، ليصل إلى رؤية عميقة وواعية لهذا العمل، تتيح له استلال الدلالات المخفية الكامنة فيما وراء الشكل العام للوحة.
اللوحة إذًا لقاء خاص جدًا بين فكرين الأول منتج والثاني متلقٍ وهو منتج أيضًا، واللوحة هي منصة التلاقح بين الفكرين؛ لأنّها تشتغل باتجاه عملية تحويلية اقصائية حينًا وتقريبية حينًا آخر، وهذا بالتالي سيضيف إلى اللوحة قيمة إذا كان عملا ناطقًا، وربَّما يفشل العمل في تكوين هذه الإضافات، وفي القيمة الناتجة عنه إن لم ينجح في تشكيل لوحة تبعد عن نقل الواقعة الاجتماعية نقلا سطحيًا، ويفتقر إلى دلالات فاعلة فيفرز الملل، ويدفع فكر المتلقي وذوقه إلى اللا مبالاة، رغم أنَّ لكلِّ فنّان أسلوبه الخاص به في التعامل مع تقنيات العمل، من هنا تتأكّد الفكرة التي صرّحت بها معطيات الفكر الإنساني الفني ،في أنَّ الشكل والدلالة عنصران متكاملان ولا يمكن التفريق بينهما إلاَّ لضرورة البحث لإعطاء كل منهما حقًا كاملا في التحليل.
أشارت الدراسات في مجال الفن إلى أنَّ انتقاء الفنّان لعنصر دون آخر، ونقله إلى اللوحة كان هو المحفِّز الأساس لنشوء الاختلافات في الأساليب التعبيرية التي اعتمدها الفنّانون في انتاج أعمالهم، ومن مفرزات هذا التوجّه كان ظهور المدارس والتيارات الفنّية التي اعتمد كل منها إلى انتقاء وتفضيل عنصر أو أكثر من عناصر اللوحة، وتكرارية هذا العنصر، مع ترك فاصل للتنويع والاختلاف، ليكون بالتالي علامة دالة على هذا التيار أو تلك المدرسة.
وهذه العناصر هي :
1 / الخط واللون.
2 / الظل والضوء.
3 / الكتلة والفراغ.
أولا : الخط واللون
يعتمد المفهوم الحديث للنقطة على فكرة أنَّ الخط هو { تلاصق نقاط مع بعضها }، فالنقاط تتجاور وتتلاصق لتتخذ مسارًا مرئيًا محددًا هو الخط، والنقطة بهذا ستكون المكوِّن الأساس للخط، والخط بالنتيجة هو المكوِّن الأساس لأي شكل آخر سواء أكان مربعًا أو مستطيلا أو مثلثًا أو دائرة، ولا بُدّ من تكوين علاقات متنوعة بين هذه الأشكال لتصبح اللوحة أغنى دلالة وأبعد ايحاءً.
لنحاول الآن قراءة الأبعاد في هذه اللوحة، حيث يتشكل البُعد في اللوحة الفنية من خطوط ثلاثة تُسهم معًا في منحها قيمة تشكيلية تمنح البناء انسجامًا واضحًا، وهذه الأبعاد هي:
البُعد الأول: الخط الافقي: إنَّ تأريخ الرسم يكشف عن أنَّ الفنانين بشكلٍ عام حاولوا أن يقسموا المساحة المتاحة للوحة إلى نسب أولية، وغالبًا ما عمدوا إلى تجنب الوضع الأُفقي في منتصف مساحة اللوحة؛ لأنَّ مكانه يحدد أشياء كثيرة أبسطها أنَّه يقسم اللوحة إلى قسمين مثل الأرض والسماء، وهنا كان لا بدّ للفنانين من الانتباه إلى النسبة الذهبية؛ لأنَّ معظم الأعمال الخالدة سواء في الرسم أو العمارة تخضع لهذه النسبة.
البعد الثاني: الخط العمودي (الرأسي) الذي يتعامد مع الخط الأُفقي، ويمنح المتلقي احساسًا بالقوة الصاعدة، ويجعله يشعر بالحياة والنمو الذي نلمسه في النباتات، وبالتالي فهو يمنح احساسًا بالشموخ أكثر من الخط الأُفقي الذي يرتبط دائمًا بالسكون والراحة والنوم والموت.
البعد الثالث: وهي الخطوط التي تميل إلى داخل الصورة لتعبّر عن تلاشي الحجوم، أي العمق، وللبُعد الثالث وظيفة مهمة هي تحديد أُمور ثلاثة هي: المسافة، الحجم، الزمن، وهذه بدورها تُشكل عاملا مساعدًا في تأدية الخداع البصري؛ لأنَّها تؤشر التدرجات التالية:
1/ من المرتفع إلى المنخفض.
2/ من القوي إلى الضعيف.
3/ من العنيف إلى الهادئ.
4/ من الصُلب إلى الهشّ.
وهذه التدرجات بالتالي تُعطي للوحة غناها وتنوع دلالاتها، وعلاقاتها القائمة في اللوحة.
إنَّ قراءة الخطوط في لوحة {عاصفة} تكشف عن اعتماد الفنان إسماعيل الخطوط الثلاثة في لوحتهِ، فالخطين العمودي والأُفقي يظهران واضحين في تحديد الشكل المستطيل للعمارات إلاَّ أنَّهما لا يظهران بمظهر صارم، بل اعتمد الفنان تدرجًا لونيًا للوصول إلى اظهارهما، وتخصيصًا في الجهة الأبعد عن العاصفة، حيث اعتمد ضربات فرشاة واضحة تحدد زاوية التقاء الخطين، كما أنَّهما أشّرا ارتفاع هذه العمارات عن الأرض باتجاه السماء، والعمارات تظهر واقعيًا بوصفها بنية قارّة وثابتة لها حدوها وملامحها الواضحة، إلاّ أنها في اللوحة بدت مفارقة لهذه الصفات، وساعد الخطان الأُفقي والعمودي على اظهارها بمظهر يفارق الثبات والقوة، كما أنَّه كان مظهرًا مفرّغًا من دلالاته الواقعية.
أمّا البُعد الثالث { العمق } فكان له الدور الأكبر في أداء مجموعة من الوظائف، أهمها:
1/ تحديد الزمن: اعتمد بعض النُقّاد في دراسة { الزمن } بوصفه بُعدًا رابعًا، ولكنّي أُفضِّل قراءته في هذه اللوحة بوصفه نتاجًا للبُعد الثالث { العمق }.
أشارت الدراسات التي كُتبت عن الفن إلى عدّة تعاريف له، منها ما أكّد على تحقيق النشاط الفنّي للمتعة واللذة، ومنها ما اعتمد التفرقة بين المعنى الجمالي للفن الذي يكمن في جعل كلّ انتاج للجمال يقوم به إنسان واعٍ، وكون الفن يمثِّل مجموعة من المبادئ العامة والنافعة التي توصله إلى تحقيق غايته، فالفنّان دي لاكروا يرى أنَّ الفن نشاط مُعيَّن لأنَّه لا يمكن أن يكون ثمّة فن حيثُ لا تكون هناك صناعة، أمَّا شارل لالو فإنَّه يقرر أنَّ الفن بالمعنى الواسع هو عملية التحوير والتغيير التي يدخلها الإنسان على مواد الطبيعة، فهو بذلك يعيد إنتاج الواقع من خلال تفعيل الخيال الإبداعي، ليعمل في اتجاه إثارة المتلقي انفعاليًا.
اشتغل الفنان إسماعيل في هذه اللوحة باتجاه تحديد زمن العاصفة نهارًا، وهذا التحديد الزمني ينكشف من خلال استبعاده للون الأسود الذي من دلالاته تحديد زمن الواقعة ليلا، أو هو نهار ينقلب إلى ليل، مما يكشف بالتالي عن زمنها الذي يكاد يقارب منتصف النهار، وهذا ما سنتوقف عنده أثناء حديثنا عن المكوِّن اللوني للوحة.
2/ الحجم: تكشف قراءة اللوحة عن ثلاثة حجوم أساس شغلت مساحة اللوحة، الأول هو العاصفة، والثاني هي العمارات الثلاث، والثالث هو الشمس. فلو حاولنا تقسيم اللوحة إلى أربعة أنصاف متساوية؛ لتبيّن لنا أنَّ العاصفة تشغل غالبية مساحة اللوحة، فهي تمدّ وجودها المتحرك في النصف الأسفل من اللوحة بوضوح شديد حيث يتشكل مركزها، أمَّا أطرافها فتأثيراتها تكاد تشغل خلفية اللوحة بأكملها، وهذا التركيز على العاصفة يكشف عن كونها الهاجس الذي اشتغل الفنان باتجاه نقله من ذاكرته الى عيانية المشهد.
وتشكِّل العمارات النسبة الثانية من مساحة اللوحة، متخذة من النصف الأعلى الأيمن موقعًا لها، لكنّها لا تظهر كاملة، بل ما يظهر منها هو الجزء العلوي فقط، وبالنوعية نفسها أي أنَّها ضائعة الملامح، لا يؤشر هويتها غير الخطوط التي تحدد مساحاتها الخارجية، كما أنَّ اتصافها بالميلان يمنح المتلقي فرصة لتأويل هذا الميلان بالوقوع تحت سلطة العاصفة، فلا هي صُلبة بحيث تصمد أمام العاصفة، فتؤِّشِّر بالتالي قوة مقصودة، ولا هي مستقيمة لتؤكد حضورها بكامل ثقلها من خلال تفصيلات ملامحها.
أمَّا الشمس فهي الشكل الأقل حضوراً في مساحة اللوحة، وتقبع في الزاوية اليسرى في أعلى اللوحة، كما أنَّها بدت خاملة كامدة، فاللون الأصفر فيها يميل إلى الشحوب في غالبية مساحتها، ولا يؤشِّر حضورها غير موقعها وضربة الفرشاة بالأصفر الكروما في جزئها الأسفل، مما حوّلها هي الأُخرى الى حضورٍ شبحي.
3/ المسافة : تختصر لوحة {عاصفة} شأنها في ذلك شأن كل عملٍ فنيٍ المسافات، وتحجزها في حيّزها الضيق؛ لتلمَّ أشكالاً متنوعة تمتدُّ على مسافات واسعة في حضورها الواقعي العياني، إلاَّ أنَّها تفقد هذا الامتداد حين تتحول الى عالم الفن، فالمسافات قد تصل حدِّ الالغاء أحيانًا ولا يؤشِّر حضورها الاَّ البُعد الثالث (العمق)، والذي ينجزه الفنان بحركة فرشاته؛ ليُنتج خطوطًا وألوانًا تشير الى هذه المسافات الملغاة، فتكون مرشدًا يوجّه بصر المتلقي لتأشير حضورها، وبالتالي فهي تشتغل في اتجاه تكون خداع بصري للمتلقي يوهمه به الفنان؛ لإيجاد نوع من التواصل والاقناع بين عناصر الفن الثلاثة: الفنان، اللوحة، المتلقي.
والعمارات الثلاث تبدو في اللوحة بشكل متوالية لا يبدو منها غير وجهها الأمامي فقط، ولكنَّ اسماعيل استطاع تأشير شيء من البُعد المختصر بين مواقعها باعتماد اللون البرتقالي الشاحب في الجزء الواقع خلف العمارة الأُولى، واللون الأقرب الى الرمادي خلف العمارة الثانية، وهذا ما سيدفع المتلقي الى الاحساس بالعمق الفراغي، أي بالمسافة التي تفصل بين العمارات الثلاث.
اعتمد الفنان اسماعيل في بنيته اللونية للوحة (عاصفة) مجموعة من الألوان التي نشرت وجودها على سطح اللوحة، انطلاقًا من دلالتها الأساس التي هي عاصفة تحاول إلغاء الكثير من تفصيلات الموجودات التي تمرُّ بها، وما لم تُلغِه تحوّله إلى بقايا وهمٍ بوجوده، وكان للون البنفسجي بتدرجاته حضورٌ طاغٍ في هذه اللوحة، والبنفسجي واحد من المكوِّنات ألوان الطيف الشمسي السبعة، كما أنَّه لون ثانوي في دائرة الألوان.
وفي دلالاته المعنوية يرمز الى كل ما هو جميل في حياة الانسان، فهو يشير الى العاطفة الرقيقة والخيال أيضاً. واعتمد الفنان اللون الأخضر ( بدرجة التركواز – أي الأخضر المضاف إليه قليلا من الأزرق ) وهو من الألوان الباردة، وله دلالات منها الخير والسلام والأمل والمستقبل.
يرتبط اللون الأصفر بالشمس، فإذا كان قويًا فهو رمز للفرح والتفاؤل والحيوية وشفافية النفس، أمَّا إذا كان داكناً فإنَّه يصبح معبّرًا عن عواطف غير مستقرة وغير سعيدة. واللون البرتقالي هو أحد ألوان الطيف الشمسي، كما أنَّه أحد الألوان الحارّة، ولهُ دلالته على القوة والطاقة والحيوية.
والآن لنحاول قراءة توزيع هذه الألوان على قماشة اللوحة، وربط هذا التوزيع بالدلالات التي حاول الفنان بثَّها وإعلانها في لوحته (عاصفة)، حيث ينتشر اللون البنفسجي في أكثر أجزاء اللوحة، ويبدأ حركته من الثلث الأسفل للوحة، فالزاوية اليسرى تمثِّل ما هو خارج حركة العاصفة، ولكنه لم ينجُ من تأثيراتها، فبدا اللون البنفسجي متراوحًا بين أن يكون غامقًا بقسوة واضحة، ولكن تشوبه ضربات فرشاةٍ بدرجات فاتحة من البنفسجي المتدرج والتركواز والأصفر، وهذا يؤشِّر محاولة الفنان اخفاء الأرض التي تشكِّل نقطة الانطلاق في موضعة العمارات الثلاث. وهذا الاخفاء المتعمد إنَّما هو محاولة واعية من الفنان للتركيز على مُعطى آخر للوحة هو العاصفة، التي تأخذ شكلها الحلزوني من خلال ألوانها البنفسجية المتدرِّجة إلى أن تصل قريبًا من الأبيض، مع تداخل لوني التركواز والأصفر، إنَّ هذا الجمع بين هذه الأنواع إنَّما يحيلُ على دلالات منها كون العاصفة الواقعية العيانية تأخذ غالبًا اللون الرمادي أو الأصفر، لكنَّ عاصفة اللوحة هنا اتخذت منحى آخر في مكوِّنها اللوني، وهذا ما سنتوقف عنده في قراءتنا للبنية العميقة لهذه اللوحة، والتي ستكشف لنا دلالاتها.
ثانيًا/ الظل والضوء:
تُشكل لوحة (عاصفة) أرضية مفتوحة لصراع مأزوم في ذاكرة الفنان، هذا الصراع المتمثّل في الشمس كونها عنصرًا ضوئيًا نهاريًا يكشف تفاصيل الأشياء كبيرةً كانت أم صغيرة، في حالة موقعتها بمواجهة هذا العنصر، وهذه الموقعة ستمنح الأشياء التي تقع في الجهة المعاكسة عتمةً تتيح لها الاختفاء وتضييع تفاصيلها؛ لكونها بعيدة عن الضوء الكاشف، وبالمقابل يسمح للأشياء المُضاءة بها؛ لإسقاط ظلها بوضوح لكنَّ الشمس في لوحة عاصفة بدت مجردة تمامًا عن وظيفتها الواقعية، فأصبحت بلا ضوءٍ ولا ظل؛ لأنَّها اقرب الآن الى عنصرٍ مريضٍ عاجزٍ عن اداء وظيفته الأساس، مما دفع بفرشاة الفنان الى أن تلوّنه باللون الأصفر المشع في الجزء الأسفل فقط، وإبعاده عن الكروما (التشبع) في غالبية شكلهِ، وهذا ما منحه انفصالا واضحًا عن كونه قيمة ضوئية عالية، وبمقابل هذا كان للفنان رؤيته الخاصة في إمكانية تعدد مساقط الضوء في اللوحة، فجزء من الضوء يأتي من الأمام المواجه للوحة، وجزء آخر بدا وكأنّه آتيًا من الجهة اليمنى، لكن مساقطه ظلت تتركز في ثلثي اللوحة العلويين؛ ليكشف تفاصيل حركة العاصفة الحلزونية، وبالتالي هو أشبه بالإشارة المعلنة للمتلقي للتدليل على مركز السيادة في هذه اللوحة. والظل في اللوحة يتشكّل من الجهة الغامقة من لون الحجم، ثم تُضاء بالأبيض تدريجيًا وباتجاه الجهة التي يأتي منها الضوء حتى يصبح اللون غامقًا في الجهة المعاكسة للضوء.
إنَّ قدرة الفنان على موقعه التظليل والتنوير من خلال حركة اللون، يمنحان اللوحة قدرتها على التعبير عن الأدوار التي تؤديها عناصرها، وتكسبها دفقًا من الدلالات، وفي لوحة (عاصفة) تبدو قيمة التظليل والتنوير متأرجحة بين القاتم والشاحب، واللون البنفسجي هنا يناوب في سلّم القيم بين السواد والبياض، فالثلث الأسفل من اللوحة يتمايز تخصيصًا في زاويته اليمنى بحضورٍ غامق يقلُّ فيه الضوء، مما يجعله قريبًا من السواد، فيما ينتشر البنفسجي الفاتح (غير المشبع) في الثلث الأعلى والأوسط حتى يصل قريبًا من الأبيض غير المشبّع، أمَّا الاضاءة الوسطى، أي الاضاءة التي تتموقع بين منطقتي التظليل والتنوير، فهي الأكثر حضورًا في حركة العاصفة الحلزونية لتؤشر ديمومتها وحركيتها المتوالية التي لا تنوي التوقف.
ثالثًا : الكتلة والفراغ :
تتخذ لوحة { عاصفة } شكلا مستطيلا، والمستطيل هو أقرب الأشكال الهندسية تحقيقًا للنسبة الذهبية في الرسم، وهذا ما نجده في الكثير من معطيات الواقع : أوراق الرسم، الكتب، البيوت، الأدوات المنزلية.
وبما أنَّ اللوحة الفنية هي إعادة تشكيل لمعطيات الواقع العياني، فإنَّ الشكل هو الكاشف لمرجعيات هذه المعطيات المختزنة في وعي الفنّان، من هنا سنحاول إعادة تركيب لوحة { عاصفة } من خلال تجريد أشكالها الكُتلية، وهي :
التخطيط من اعداد الكاتبة
1 / الشكل الحلزوني : وهو دوائر غير متكاملة تمنح المتلقي شعورًا بالدوار والحصار واللا استقرار، وبما أنَّ الدائرة شكل منغلق على نفسه، ولا يمتلك بداية أو نهاية فإنَّ الفنّان أخرج هذا الشكل من انغلاقه؛ ليمنحه حركةً حرّة غير منضبطة، وهذا ما نجده في هذا الشكل المجزوء من اللوحة :
والشمس هي الأُخرى بدت أقرب إلى الشكل الحلزوني منها إلى الدائرة، مما حوّلها هي الأُخرى إلى عاصفة صغيرة منغلقة على نفسها تقريبًا.
2 / المستطيل : وهذا الشكل من أكثر الأشكال دلالة على الشموخ والوقار والعَظمَة، إلاّ أنّه بدا في ظلِّ هبوب العاصفة شبحيًا يوحي بأشكال عمارات فاقدة لملامحها، بل أنَّها بدت أشبه بقطع من ألواح مستطيلة تهيم في فراغ تعصف به الرياح.
واعتمد الفنّان اسماعيل تكرارية هذا الشكل { 3 } مرات ليشكِّل توكيدًا وجوديًا؛ لأنَّ التكرار يمنح المتلقي شعورًا بواقعية الحادثة، إلاَّ أنَّها واقعية جامدة ومهزومة في مواجهة عاصفة لا تنفكُّ عن الحركة.
3 – الشكل غير المنتظم : إذا كان الشكل الحلزوني دائرة مفككة الوجود، والمستطيل شبحي الحضور، فإنَّ الشكل غير المنتظم إنَّما هو شكل معدوم الملامح يؤشِّر ارتباكًا ولا استقرارًا واضحًا، يخفي وراءه الأشياء، ويفقدها حضورها وخواصها الوجودية، وهذا ما عمد إليه الفنّان اسماعيل ليشكِّل بذلك استكمالا للضياع، ضياع واقع الأشكال التي اختفت، ولم تترك لها أثرًا في حياة اللوحة، فالأرض التي تركن إليها العمارات وما عليها من موجودات تحيط بها تخفّت وراء حركة اللون الغامق والشكل غير المنتظم.
تكمن دلالات هذه اللوحة فيما وراء عنوانها وألوانها وأشكالها المنتقاة المتموضعة على سطحها، فإذا توقفنا عند دلالات كل لون فيها، سنجد أنَّ اللون البنفسجي يرتبط بحدِّة الإدراك والحساسية النفسية كما يرتبط بالمثالية، إلاَّ أنَّه لون مثير للأسى أيضًا، أمَّا اللون الأصفر فهو مرتبط بالتحفز والتهيؤ للنشاط، لكنّه يشير الى افتقاد التماسك والتخطيط، فيما يرتبط التركواز بمعاني الدفاع والمحافظة على النفس، فهو أقرب الى السلبية منه إلى الايجابية، وفيما يخصُّ شكل العمارات فإنَّ الفنان عمد الى اخفاء معالمها، وخاصة الأجزاء السفلى التي تربطها بالأرض، لتستطيع النهوض والامتداد إلى الأعلى، والشمس هي الأُخرى بدت سلبية تفتقد اشراقها الذي هو مَعلَمها الأساس.
وهنا لابُدَّ من الاشارة الى التغييب المتعمد من قِبل الفنان للدالات الانسانية بوصفها مكوِّنات وجودية، هذا التغييب الذي تعمّده الفنان اسماعيل إنَّما يمنح اللوحة بُعدًا ذهنيًا يؤشِّر على أنَّ العاصفة حادثة في ذاكرة الفنان وفي نفسه، ويمكننا تأويل شكل العمارات الثلاث بتحويلها من وجود واقعي الى وجود آخر يتمثَّل في منظومة قيم مثالية مؤرّقة للفنان، تجتاح بوجودها ذاكرته وهي قيم عُليا وسامية وجميلة أيضًا ترتبط بالسماء التي تحاول العمارات أن ترتفع إليها، إلاَّ أنَّها في الوقت نفسه تقف بين التحقق واللا تحقق، بين التقدم والتحفز وبين الاستسلام، وبدا الفنان وكأن العالم الخارجي لا يعنيه إلاَّ بقدر محدود يساعده على انتقاء رموزه وإعادة انتاجها في لوحته، وهذا ما جعله يشتغل باتجاه اقصاء الكثير من معطيات الواقع العياني، وتحويل القليل منها إلى رموزٍ تعمل على تفعيل وعيه وذاكرته،؛ لتنتج صراعًا مأزومًا قلقًا يتخلل ثنايا نفسه وروحه وقيم وجوده الإنسانية.



