قراءة نقدية في ورد البنفسج لمها حيدر – على البدري من المغرب

علي البدري – المغرب

تقديم.
كثيرة هي النصوص الأدبية التي نقرؤها، فتترك فينا أثرا خاصا. مستمدة وقعها هذا من نوعية الموضوع. من ثراء الأفكار المدرجة، وآلية ترابطها. من لغتها المطواعة. من أسلوبها السلس المنساب. من محسنات البديع المستعملة بوظيفية. من جمالية تصوير المشاهد. من إجابتها عن اسئلتنا الافتراضية. من مشاطرتنا طرح الأسئلة التي تشغل بالنا. وعلى قدر تظافر هذه المؤشرات في النص، يكون فينا أثره.
وما بالك أن يكون النص إبداعا لفلذات أكبادنا. مخضبا بروح البراءة. محشوا بجميل الأماني. رهانا لتحقيق أحلامنا العالقة. إن الوقع هنا لا يقف عند حدود الإنصات إليهم بإمعان فحسب. بل يقتضي الحال انخراطا في محاورتهم. ومشاطرتهم الاحتفاء بإبداعهم. استجابة لانتظاراتهم أولا. وإسهاما منا في تعهدهم. ليكبر فيهم معنى الكتابة. وتتخصب فيهم ملكة الإبداع، لفائدة إغناء المشهد الأدبي والفكري الذي يضيء مسار سعي البشرية جمعاء.
قراءة وتحليل
في هذا السياق. يستوقفني النص السردي ” ورد البنفسج ” للكاتبة الصغيرة مها حيدر، لأجدد التفاعل معه، ومستكشفا لبعض ما يعج به من جدوى وجمالية حمولته الأدبية والفكرية.
من غير شك أن اللون البنفسجي يمارس فينا سلطة اثارة قوية. وتتفاقم هذه الإثارة، أكيدا، عندما تقترن بالورد. فكيف تقاربها أيقونتنا مها؟
من نسيج خيالها، تحط بنا مها الرحال في رحب جميل. مدينة صغيرة مكتظة بالأزهار. جلها بلون بنفسجي. كما هو لون جل الأشياء الموجودة هنا.
وتقتادنا الكاتبة، بسردها الأنيق، إلى مشهدية رجل مسن من سكان المدينة. عثر في تجواله بالدربات على وردة ذابلة لونها أسود، مختلفا عما هو سائد من لون بنفسجي. أشفق لحالها. حملها على سبيل تعهدها بالسقي، لاستعادة عنفوانها.
مقطع سردي حافل بمؤشرات الجودة الأدبية. _تصوير بديع للفضاء بكل مكوناته. مجال بجمالية، ينعكس فينا استمتاعا.
_قيم سامية من قبيل العطف والرحمة في لفتة الرجل المسن للوردة الذابلة. ومبادرة حملها، وتعهدها بالسقي، لتستعيد عنفوانها.
_متسع مساحة للخيال، وهو ينقب في رمزية الأشياء والسلوكات. الوردة دليل حب ما أحوجنا إليه جميعنا. اللون البنفسجي يؤجج فينا هذه القيمة. الوردة السوداء إثارة انتباه لشوائب تنغص فرحنا، قد تكون بدلالة الأقليات وما يتعرضون له من تهميش، وعنصرية.
_صلف الحاكم وتجبره. وحرصه على محاربة كل ابداع، أو دعوة للتديد. دفاعا عن موقع السيادة الذي يقبع فيه.
_أهمية المبادرة للتصدي إلى هذه الآفات. وركوب التحدي لمقاومة بطش المتسلطين، وخوفهم من التغيير. والجهر بالدعوة لإصلاح أعطاب المجتمع.
_الإصرار على الاستمرارية في التمسك بالمبادئ والقيم النبيلة مهما كانت تكلفة الفعل.
_انتصار الحق بانخراط الجميع تضامنا مع حامل المشعل، الرجل المسن.
خاتمة
لست هنا لأدعي أنني اكتشفت ما ترمي إليه الكاتبة من خلال منطوق قولها، وحمولة رمزيته. ولا أقولها ما ذهبت إليه في مقاربتي التي قد لا تلامس إلا نزرا من الحقيقة. لكن الذي لا يمكن إغفاله، أن النص مكتظ بعناصر الجمال. ممتد بمساحة شاسعة للتمعن، والتأمل، وصياغة الأفق الذي نشرئب جميعنا جميلا لا ريب. ما يستجب مني ثناء عاليا على صاحبة القلم، الأيقونة مها حير.
تقديراتي العالية مها. والسؤدد حليفك في المسعى.
—————————————————
ورد البنفسج – مها حيدر
في مدينة صغيرة مشهورة بجمال حقولها وحسن منظرها وكثرة أزهارها، التي كان أشهرها ورد البنفسج بل أغلبها، كان كل شيءٍ لونة بنفسجي، ولا يسمح بلون غيره.
كان يعيش هناك رجل مسن طيب يحبه الناس ويحترمونه كثيرًا، خلال سيره البطئ، وجد زهرة ذابلة على الأرض لا أحد يهتم لها بسبب لونها الأسود المختلف.
قرر الاعتناء بها، وضعها في وعاء صغير، وسقاها بالماء، هامسا لها :
-لا تخافي .. سأهتم بك، أنت متميزة، سأكون مثلك.
قرر الرجل أن يلبس اللون الأسود بدلًا من البنفسجي، حبًا بالتغيير، بعد أن أصابه الملل، وخرج إلى شوارع المدينة، أصبح الآخرون ينظرون إليه باستغراب، لِمَ يلبس هذا اللون؟! ألا يعلم إنه ممنوع؟!
وصل الخبر للأمير المغرور، وقرر معاقبته كي لا يتكرر الأمر.
وعلى الفور حضر الوزير مع حرسه، وقال بغضب للعجوز :
-الأمير يريدك، هناك شكوى ضدك، هيا معي.
تفاجأ كثيرًا بذلك، وذهبا إلى الأمير محاطين بالحرس.
قال الرجل العجوز :
-مرحبًا سيدي .. لقد طلبتني، هل هناك مشكلة؟
رد الأمير بتكبر :
-بسبب هذا اللون المزعج الذي تلبسه، أثرت مخاوف الناس بأن يراك أولادهم ويقلدونك، فتخرب عقولهم، لذا تقدموا بالشكوى منك، الويل لك أن غيرت لوننا وقوانيننا مرةً ثانيةً.
سكت العجوز، ونكس رأسه محاولًا جمع أفكاره.
في اليوم التالي، لبس الأسود أيضًا، اِنصدم صديقه، وقال له :
-لماذا لبسته مرة أخرى، ألم يمنعك الأمير؟!
أجاب واثقًا : لقد مللت من اللون البنفسجي، من حقي أن ألبس أي لون أريد.
أرسل الأمير جنوده، وأحضروا الرجل العجوز أمامه.
قال بغضب : ألم آمرك أن لا تلبس الأسود، أم أنك تريد التمرد والعصيان؟
رد بسكينة وهدوء :
-يا سيدي .. من حقي أن ألبس ما يعجبني، أنا لم أفعل شيئًا مخالفًا للقانون، لم أقتل، لم أسرق، لم أعتد على أي شخص.
رد الأمير صارخًا : بكل جرأة ترد عليّ ..
أيها الحراس خذوه إلى السجن ليقضي هناك كل حياته.
وهذا ما حصل ..
علم الناس بذلك، حزنوا والدموع تسيل من عيونهم، ذهبت السعادة والحب، وفجأة تحولت المدينة إلى سوداء.



