صدام الحضارات: إعادة صُنع النظام العالمي – صامويل هنتنجتون-ترجمة طلعت الشايب
في عالم ما بعد الحرب الباردة زاد انحراف سياسة اليونان عن سياسات الغرب. عارضت الحكومات الأوروبية بشدة حصارها لمقدونيا ونتج عنه أن سعت اللجنة الأوروبية إلى توجيه إنذارٍ لها من محكمة العدل الدولية. بالنسبة للصراعات في يوغوسلافيا السابقة فصلت اليونان نفسها عن السياسات المتبعة بواسطة القوى الغربية الرئيسية، وساعدت الصرب بكل همة، وخرقت — بوضوح — عقوبات الأمم المتحدة المفروضة عليهم. ومع انتهاء الاتحاد السوفيتي وزوال الخطر الشيوعي، أصبحت لليونان مصالح متبادلة مع روسيا ضد عدوهما المشترك … تركيا، فسمحت لروسيا بتواجد مُهم في قبرص اليونانية، ونتيجة «لعقيدتهم الأرثوذوكسية الشرقية المشتركة» رحب القبارصة اليونانيون بكل من الروس والصرب على الجزيرة.5

خريطة ٧-١: الحدود الشرقية للحضارة الغربية.
في ١٩٩٥م كان هناك حوالي ألفي عمل تجاري يملكها روس في قبرص، الصحف الروسية والكرواتية الصربية توزع هناك، كما تشتري الحكومة القبرصية اليونانية كميات رئيسية من السلاح الروسي. كما بحثت اليونان مع روسيا إمكانية نقل بترول القوقاز وآسيا الوسطى إلى البحر الأبيض المتوسط بواسطة خط أنابيب بلغاري – يوناني يتخطى تركيا والدول الإسلامية الأخرى. مجمل السياسات الخارجية اليونانية أخذت توجهًا أرثوذوكسيًّا واضحًا. ستظل اليونان بلا شك عضوًا رسميًّا في اﻟ «ناتو» والاتحاد الأوروبي، إلا أنه مع اتساع عملية إعادة التشكل الثقافي سوف تصبح تلك العضوية أكثر ضعفًا وأقلَّ معنًى وأكثر صعوبة للأطراف المعنية. وهكذا تحول عدو الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة إلى حليف لروسيا بعد زوال الحرب.
(٣) روسيا وخارجها القريب
كتلة حضارية تُشبه في جوانب كثيرة منها كتلة الغرب في أوروبا هي التي خلفت الإمبراطورية القيصرية والشيوعية. في مركز هذه الكتلة تُوجَد روسيا، المرادف لفرنسا وألمانيا، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدائرة داخلية تضمُّ الجمهوريتَين ذات الأغلبية الأرثوذوكسية السلافية الساحقة: بيلاروسيا (روسيا البيضاء) ومالدافيا، وكازاخستان التي تبلغ نسبة الروس بين سكانها ٤٠٪، وأرمينيا الحليف التاريخي لروسيا. في منتصف التسعينيات كانت هناك في تلك الدول كلها حكومات موالية لروسيا وصلت إلى السلطة عن طريق الانتخاب بشكلٍ عام. تُوجَد بين روسيا وجورجيا علاقات عميقة ولكنها أكثر غموضًا (أغلبية جورجيا أرثوذوكس) وكذلك بينها وبين أوكرانيا (نسبة كبيرة أرثوذوكس) وكلاهما لدَيه إحساس قوي أيضًا بالهوية القومية والاستقلال السابق.
وفي البلقان الأرثوذوكسية توجد لروسيا علاقات حميمية مع بلغاريا واليونان وصربيا وقبرص، وعلاقات على درجةٍ أقلَّ مع رومانيا. الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق تظلُّ معتمدةً بدرجةٍ كبيرة على روسيا اقتصاديًّا وأمنيًّا. جمهوريات البلطيق على العكس من ذلك أبعدت نفسها عن النفوذ الروسي. روسيا كلها تكون تحت زعامتها كتلة أرثوذوكسية القلب ذات سياجٍ حاجز مُحيط من الدول الإسلامية الضعيفة نسبيًّا، والتي تسيطر عليها بدرجاتٍ مختلفة وستحاول أن تطرد القوى الأخرى منها.
تتوقَّع روسيا أيضًا أن يقبل العالم نظامها وأن يوافق عليه. الحكومات الأجنبية والدولية كما قال «يلتسين» في فبراير ١٩٩٣م في حاجة إلى أن «تمنح روسيا صلاحياتٍ خاصة كضامنٍ للسلام والاستقرار في مناطق الاتحاد السوفيتي السابق». وبينما كان الاتحاد السوفيتي قوة عظمى ذات مصالح كونية، فإن روسيا قوة رئيسية ذات مصالح إقليمية وحضارية. الدول الأرثوذوكسية في الاتحاد السوفيتي السابق ذات أهمية مركزية في تطوير كتلةٍ روسية متماسكة في الشئون الأوروبية الآسيوية والعالمية. أثناء تشقُّق الاتحاد السوفيتي تحركت تلك الدول الخمس كلها في اتجاهٍ قومي، مؤكدة على استقلالها الجديد وعلى الابتعاد عن موسكو. بعد ذلك أدى الاعتراف بالواقع وبالحقائق الثقافية والجيوبوليتيكية بالناخبين في أربع دولٍ منها، أن تنتخِب حكوماتٍ موالية لروسيا وأن تؤيد السياسات الموالية لها أيضًا. والشعوب في تلك الدول تتطلَّع إلى روسيا من أجل الدعم والحماية. وفي الدولة الخامسة «جورجيا»، أدى التدخل الروسي العسكري إلى تحول مماثل في موقف الحكومة. أرمينيا كانت دائمًا توحِّد مصالحها مع مصالح روسيا، كما كانت روسيا تفخر دائمًا بأنها المدافعة عنها ضدَّ جيرانها المسلمين. هذه العلاقة تعزَّزت في السنوات التالية لزوال الاتحاد السوفيتي. الأرمن يعتمِدون على الدعم الاقتصادي والعسكري الروسي، وقد أيَّدوا روسيا في القضايا الخاصة بالعلاقات بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، كما أن للدولتَين مصالح استراتيجية متقاربة.
وعلى خلاف أرمينيا، فإن إحساس بيلاروسيا (روسيا البيضاء) بالهوية قليل، وربما كانت هي الأخرى أكثر اعتمادًا على الدعم الروسي. معظم سكانها يبدو مُتوحدًا مع روسيا كما هو مع بلده. في يناير ١٩٩٤م حلت الهيئة التشريعية محل الزعيم القومي الوسَطي المعتدل الذي كان رئيسًا للدولة بآخَرَ محافظٍ موالٍ لروسيا. وفي يوليو ١٩٩٤م اختار ٨٠٪ من الناخبين متطرفًا مواليًا لروسيا هو «فلاديمير جرينوفسكي». «بيلاروسيا» انضمت باكرًا إلى كومنولث الدول المستقلة، وكانت عضوًا كاملًا في الاتحاد الاقتصادي الذي تكوَّن في ١٩٩٣م مع روسيا وأوكرانيا، ووافقت على وحدةٍ نقدية مع روسيا، وسلَّمت أسلحتها النووية لها ووافقت على تواجُد قوات روسية على أراضيها حتى نهاية القرن الحالي. في سنة ١٩٩٥م كانت بيلاروسيا (روسيا البيضاء) قد أصبحت بالفعل جزءًا من روسيا في كل شيء باستثناء الاسم. وبعد أن أصبحت مالدافيا مستقلة على أثر سقوط الاتحاد السوفيتي، كان الكثيرون يتطلَّعون إلى إعادة تكامُلها النهائي مع رومانيا، وبالتالي حفز الخوف من حدوث ذلك على حركة انفصالية في الشرق الذي أصبح روسيًّا. حظيت مالدافيا بالدعم الضمني من موسكو والدعم النشط من الجيش الروسي الرابع عشر وأدى ذلك إلى إنشاء جمهورية «ترانس دينيستر». توجُّه مالدافيا للاتحاد مع رومانيا قلَّ، على أي حالٍ، نتيجة للمشكلات الاقتصادية في كليهما، إلى جانب الضغط الروسي. انضمت مالدافيا إلى كومنولث الدول المستقلة CIS، وفي فبراير ١٩٩٤م كانت الأحزاب الموالية لروسيا متفوقة باكتساح في الانتخابات البرلمانية. في تلك الدول الثلاث أسفرت استجابة الرأي العام للربط بين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية عن حكومات تؤيد العلاقات الوثيقة مع روسيا. وفي النهاية حدث شيء مشابه في أوكرانيا. وفي جورجيا كان مجرى الأحداث مختلفًا. حتى سنة ١٨٠١م كانت جورجيا دولة مستقلة عندما طلب حاكمها الملك «جورج الثالث عشر» الحماية من روسيا ضد الأتراك، ولمدة ثلاث سنوات بعد الثورة الروسية (١٩١٨–١٩٢٣م) كانت جورجيا مستقلة مرة أخرى، ولكن البلشفيك دمجوها عنوة في الاتحاد السوفيتي. وعندما زال الاتحاد السوفيتي أعلنت جورجيا الاستقلال مرةً أخرى. فاز ائتلاف وطني في الانتخابات، ولكن زعيمه انغمس في قمعٍ مُدمر للذات فأطيح به بعنف. وعاد «إدوارد أ. شفرنادزة» الذي كان وزيرًا لخارجية الاتحاد السوفيتي لقيادة الدولة، ثم تثبت في السلطة بانتخابات رئاسية في ١٩٩٢م و١٩٩٥م، إلا أنه وُوجِهَ بحركة انفصالية في «أبخازيا» التي تلقَّت دعمًا روسيًّا كبيرًا، ووجَّهَ بعصيانٍ مسلح بقيادة «جاما ساخورديا» المخلوع. سائرًا على نهج الملك «جورج الثالث عشر» استنتج «شفرنادزة» أن «ليس أمامنا من خيار واسع» واتجه صوب موسكو طلبًا للنجدة، فتدخَّلت القوات الروسية لدعمه، وكان الثمن هو انضمام جورجيا إلى الكومنولث CIS.
وفي سنة ١٩٩٤م وافق الجورجيون على السماح للروس بالاحتفاظ بثلاث قواعد عسكرية في جورجيا لفترةٍ غير محدودة. وهكذا فإن التدخُّل العسكري الروسي الذي أضعف الحكومة الجورجية أولًا ثم حافظ عليها في النهاية، أدخل جورجيا ذات الفكر الاستقلالي إلى المعسكر الروسي.
وبصرف النظر عن روسيا، فإن جمهورية أوكرانيا هي الأكثر سكانًا والأكثر أهمية بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة. كانت أوكرانيا دولةً مستقلة في أوقاتٍ مختلفة من التاريخ، إلا أنها خلال معظم الحقبة الحديثة كانت جزءًا من كيانٍ سياسي يُحْكَم من موسكو، وفي سنة ١٦٥٤م وقع الحدث الحاسم عندما وافق «بودهان خميلنتسكي» زعيم القوزاق في ثورة ضد الحكم البولندي على أن يؤدي يمين الولاء للقيصر مقابل مساعدته ضد البولنديين، ومنذ ذلك الحين وحتى سنة ١٩٩١م — باستثناء فترة قصيرة كانت فيها مُستقلة بين ١٩١٧م و١٩٢٠م — فإن ما يعرف الآن باسم أوكرانيا كان يحكم سياسيًّا من موسكو.
ولكن أوكرانيا بلد مصدوع، ذو ثقافتَين مائزتَين. خط التقسيم الحضاري بين الغرب والأرثوذوكسية يمرُّ عبر قلبها وكان كذلك لعدة قرون. في الماضي وفي بعض الأحيان كانت أوكرانيا الغربية جزءًا من بولندة أو ليتوانيا أو الإمبراطورية النمساوية-المجرية. كان قطاع كبير من سكانها يتبعون الكنيسة الشرقية التي تمارس الشعائر الأرثوذوكسية ولكنها تعترف بسلطة البابا. ومن الناحية التاريخية كان سكان أوكرانيا الغربية يتكلمون الأوكرانية كما كانوا قوميين مُتشدِّدين في أفكارهم وآرائهم.
من جهة أخرى، كان شعب أوكرانيا الشرقية في أغلبيته الساحقة أرثوذوكس، وكان جزء كبير منه يتكلم الروسية. في أوائل التسعينيات كانت نسبة الروس ٢٢٪، والذين يتكلمون الروسية حوالي ٣١٪ من مجموع سكان أوكرانيا.
كان غالبية طلاب المدارس الابتدائية والثانوية يتلقَّون تعليمهم باللغة الروسية.6 القرم في أغلبيتها الساحقة روسية، وكانت جزءًا من الفيدرالية الروسية حتى سنة ١٩٤٥م عندما حولها «خروشوف» إلى أوكرانيا ظاهريًّا اعترافًا بقرار «خميلنتسكي» قبل ثلاثمائة عام. الاختلافات بين أوكرانيا الشرقية والغربية واضحة في توجهات الشعبين. في أواخر عام ١٩٩٢م مثلًا كان ثلث الروس في أوكرانيا الغربية مقارنة ﺑ ١٠٪ فقط في «كييف» يقولون إنهم يعانون من مشاعر العداء ضد الروس.7
الانشقاق بين الشرق والغرب كان واضحًا بشكل صارخ في انتخابات الرئاسة في يوليو ١٩٩٤م، «ليونيد كرافتشوك» الموجود في السلطة والذي كان يُعرِّف نفسه بأنه قومي رغم أنه كان يعمل مع القادة الروس، فاز في الثلاثة عشر إقليمًا من أوكرانيا الغربية بأغلبيات تصِل إلى أكثر من ٩٠٪، بينما فاز منافسه «ليونيد كوشما» الذي كان يتلقَّى دروسًا في التحدُّث بالأوكرانية أثناء الحملة الانتخابية بأغلبياتٍ مماثلة في الثلاثة عشر إقليمًا في الجانب الشرقي. حصل «كوشما» على ٥٢٪ من الأصوات. والواقع أن أغلبية ضئيلة من الجماهير الأوكرانية أكدت في سنة ١٩٩٤م خيار «خميلنتسكي» لسنة ١٦٥٤م، وكما لاحظ أحد الخبراء الأمريكيين، فإن «الانتخابات عكست أو بالأحرى بلورت الشق بين سلافيين «مُتأوروبين» في أوكرانيا الغربية، وبين الرؤية الروسية-السلافية لما يجب أن تكون عليه أوكرانيا. وهو ليس استقطابًا إثنيًّا بقدر ما هو اختلاف ثقافات».8
وكنتيجة لهذا التقسيم فإن العلاقات بين أوكرانيا وروسيا أمكن أن تتطوَّر بإحدى طرق ثلاث: في أوائل التسعينيات كانت هناك قضايا مُلحة جدًّا بين الدولتَين بخصوص الأسلحة النووية والقرم وحقوق الروس في أوكرانيا وأسطول البحر الأسود والعلاقات الاقتصادية.
وكان كثير من الناس يظنون أن الصراع المسلح وارد، الأمر الذي دفع ببعض المحلِّلين الغربيين أن يُناقشوا إمكانية أن يدعم الغرب فكرة احتفاظ أوكرانيا بترسانةٍ نووية لردع أي عدوان روسي.9 وإذا كانت الحضارة هي الأمر المهم، إلا أن العنف بين الأوكرانيين والروس أمر بعيد الاحتمال. فهما شعبان سلافيان وأرثوذوكسيان في الأساس، وبينهما علاقات وثيقة منذ قرون والتزاوج بينهما مسألة عادية. ورغم القضايا الكثيرة المثيرة للنزاع بينهما، والضغط من القومِيين المتطرفين من الجانبين، إلا أن قادة الدولتَين عمِلا بكل جد، ونجحا إلى حدٍّ كبير، في التخفيف من حدة تلك النزاعات. كما أن انتخاب رئيسٍ ذي توجُّهٍ روسي واضح في أوكرانيا في انتخابات منتصف ١٩٩٤م قلَّل كثيرًا من احتمالات تفاقُم الصراعات بين الدولتَين.
وبينما حدث قتال خطير بين المسلِمين والمسيحيين في أماكن أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أنه لم تحدُث أي أعمال عنفٍ بين الروس والأوكرانيين منذ ١٩٩٥م بالفعل.
وهناك احتمال آخر وارد بشدة، هو أن أوكرانيا يمكن أن تنشق بطول خط التقسيم إلى كيانين منفصلَين، يمكن أن يندمج الشرقي منهما مع روسيا. وقد ظهرت قضية الانفصال هذه أيضًا بخصوص القرم. فالشعب القرمي الذي يضمُّ حوالي ٧٠٪ من الروس كان في الأساس يؤيد استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي في استفتاء ديسمبر ١٩٩١م.

خريطة ٧-٢: أوكرانيا: دولة صدع.
وفي مايو ١٩٩٢م صَوَّتَ البرلمان القرمي أيضًا ليُعلن الاستقلال عن أوكرانيا، ثم أُلغِيَ التصويت تحت ضغط أوكراني. البرلمان الروسي صوَّت لإلغاء انفصال القرم عن أوكرانيا في سنة ١٩٥٤م، وفي يناير ١٩٩٤م انتخب القرميون رئيسًا كان قد رشَّح نفسه على أساس برنامج «الوحدة مع روسيا»، مما حفز الناس على طرح سؤال: «هل تكون القرم هي ناجورنو كاراباخ أو أبخازيا الثانية؟»10 وكانت الإجابة «لا» مُدوية، عندما تراجعَ الرئيس القرمي عن تعهُّده بأن يُجري استفتاءً على الاستقلال، وبدلًا من ذلك تفاوض مع حكومة كييف. في مايو ١٩٩٤م سخُن الموقف مرةً أخرى عندما صوت البرلمان القرمي لاستعادة دستور ١٩٩٢م الذي جعلها بالفعل مستقلةً عن أوكرانيا. ومرة أخرى على أية حال، فإن ضبط النفس من قِبَل القادة الروس والأوكرانيين هو الذي منع أن تتمخَّض هذه القضية عن أعمال عنف، كما أن انتخاب «كوشما» الموالي لروسيا رئيسًا لأوكرانيا بعد ذلك بشهرَين أضعف كثيرًا من توجُّه القرم نحو الانفصال. إلا أن هذا الانتخاب زاد من إمكانية انفصال الجزء الغربي من البلاد عن أوكرانيا التي كانت تقترب من روسيا أكثر فأكثر. بعض الروس قد يُرحب بذلك، فكما عبَّر أحد الجنرالات: «أوكرانيا، أو بالأحرى أوكرانيا الشرقية، سوف تعود في ظرف خمس أو عشر أو خمس عشرة سنة، ولتذهب أوكرانيا الغربية إلى الجحيم.»11 هذا الردف الأوكراني ذو التوجه الغربي والتابع للكنيسة الشرقية، يمكن أن تقوم له قائمة فقط إذا حصل على دعمٍ قوي ومؤثرٍ من الغرب. ودعم مثل ذلك بدوره، لا يمكن أن يحدُث إلا إذا تدهورت العلاقات بين الغرب وروسيا بشدة وأصبحت تشبه تلك التي سادت أثناء الحرب الباردة.
السيناريو الثالث والأكثر احتمالًا هو أن تبقى أوكرانيا مُتحدة، تبقى مصدوعة، تبقى مستقلة، وتتعاون بشكلٍ عام مع روسيا. وبمجرد حل أسئلة الانتقال الخاصة بالأسلحة النووية والقوات المسلحة، فإن القضايا الأخطر والطويلة المدى ستكون قضايا اقتصادية، وسوف تُسهِّل الثقافة المشتركة والعلاقات الشخصية الوثيقة من حلِّها إلى حدٍّ ما. ويشير «جون موريسون» إلى أن «العلاقات الروسية الأوكرانية بالنسبة لأوروبا الشرقية، تُشبِهُ العلاقات الفرنسية الألمانية بالنسبة لأوروبا الغربية.»12 وحيث إن الأخيرة هي قلب أو مركز الاتحاد الأوروبي، فإن الأُولى هي القلب أو المركز اللازم للوحدة بين العالم الأرثوذوكسي.
(٤) الصين العظمى ومجال الرخاء الاقتصادي المشترك التابع لها
تاريخيًّا، كانت الصين ترى نفسها دائمًا أنها تضمُّ «منطقة صينية» تشمل كوريا وفيتنام وجزر ليوشيو وأحيانًا اليابان، و«منطقة آسيوية داخلية» تشمل المانشو غير الصينيين والمغول والأويغور والأتراك وسكان التبت الذين يجب أن تتم السيطرة عليهم لأسبابٍ أمنية، ثم «منطقة خارجية» من البرابرة أو الهمج، «الذين يُتوقَّع منهم — برغم ذلك — أن يدفعوا الجزية ويعترفوا بسيادة الصين.»13
الحضارة الصينية المعاصرة، أصبحت على نحوٍ مماثل، تتكوَّن من: القلب الرئيسي: صين هان، والأقاليم البعيدة التي هي جزءٌ من الصين ولكنها تتمتع باستقلالٍ كبير، والأقاليم التي هي — قانونًا — جزءٌ من الصين ولكنها مسكونة بكثافة غير صينية تنتمي إلى حضارات مختلفة (التبت وجين جيانج) والمجتمعات الصينية التي ستُصبح — أو هناك احتمال لأن تُصبح — جزءًا من الصين وعاصمتها بكين على أساس شروط محددة (هونج كونج وتايوان)، ودولة صينية في غالبيتها مُتوجهة صوب بكين (سنغافورة)، وتجمُّعات سكانية كبيرة ومؤثرة في تايلاند وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والفلبين، ومجتمعات غير صينية (كوريا الشمالية والجنوبية وفيتنام) والتي تشترك رغم ذلك، في الثقافة الكونفوشية مع الصين. وفي الخمسينيات، كانت الصين تُعرِّف نفسها بأنها حليف للاتحاد السوفيتي، وبعد الانشقاق الصيني السوفيتي أصبحت ترى نفسها زعيمةً للعالم الثالث ضدَّ كل من القوتَين العظميين، الأمر الذي كلفها كثيرًا وعاد عليها بنفع ضئيل. بعد التحوُّل في سياسة الولايات المتحدة في عهد إدارة «نيكسون»، أرادت الصين أن تكون الطرف الثالث في لعبة توازن القوى مع القوتَين العظميين، بأن اتخذت جانب الولايات المتحدة في السبعينيات عندما كانت الولايات المتحدة تبدو ضعيفة، ثم بعد ذلك تحوَّلت إلى وضعٍ متساوي البُعد في الثمانينيات عندما زادت القوة العسكرية للولايات المتحدة وانهار الاتحاد السوفيتي اقتصاديًّا وأصبح متورطًا في مُستنقَع أفغانستان. إلا أن الورقة الصينية فقدت قيمتها بانتهاء المنافسة بين القوتَين العظميين، وكان على الصين أن تُعيد تحديد دورِها مرةً أخرى في السياسة العالمية.
وضعت الصين هدفَين نصب عينَيها لتُصبح بطلًا للثقافة الصينية: أن تكون المغناطيس الحضاري لدولة المركز الذي يتعين على كل المجتمعات الصينية الأخرى أن تتَّجِه صوبَه، وأن تستأنف وضعها التاريخي الذي كانت قد فقدَتْه في القرن التاسع عشر كقوة مُهيمنة في شرق آسيا. هذه الأدوار المنبثقة للصين، يُنظَر إليها على أساس:
- أولًا: الأسلوب الذي تصف به الصين موقعها في الشئون العالمية.
- ثانيًا: مدى تورط الصينيين فيما وراء البحار اقتصاديًّا مع الصين.
- ثالثًا: العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية المتزايدة للكيانات الصينية الثلاثة الرئيسية الأخرى (هونج كونج – تايوان – سنغافورة) مع الصين، بالإضافة إلى التوجُّه المتسارع نحو الصين من قبل الدول الغرب آسيوية حيث يُوجَد للصينيين نفوذ سياسي مؤثر.
تنظر الحكومة الصينية إلى صين البر الرئيسي كدولة مركز لحضارةٍ صينية يجب أن تتَّجِه صوبها كل المجتمعات الصينية الأخرى. وبعد أن تخلَّت منذ زمن طويل عن تنمية مصالحها في الخارج من خلال الأحزاب الشيوعية المحلية، تحاول الحكومة الآن أن «تجعل من نفسها ممثلًا للصينية في كل أنحاء العالم.»14
الحكومة الصينية تَعتبر كل من هم من أصلٍ صيني حتى وإن كانوا مواطنين في بلادٍ أخرى، أعضاء في المجتمع الصيني، ومن هنا فهُم يُعتبرون خاضعين لسلطة الحكومة الصينية على نحوٍ ما.
الهوية الصينية تتحدَّد على أساسٍ جنسي، والصينيون هم أولئك من نفس «الجنس والدم والثقافة» كما عبر عن ذلك أحد الباحثين في شئون الصين. وفي منتصف التسعينيات كانت هذه الفكرة تتردَّد من قِبَل مصادر صينية حكومية وغير حكومية. بالنسبة للصينيين ولمن هم من أصلٍ صيني، فإن العيش في متجمعات غير صينية يُصبح بمثابة «اختبار المرآة»: اختبار من هم … «اذهب وانظر في المرآة» … هذه هي النصيحة التي يُوجهها الصينيون الموالون لبكين إلى أولئك من أصل صيني ويحاولون أن يتمثلوا المجتمعات الأجنبية.
صينيو الشتات (أو اﻟ «هيوارن») تمييزًا لهم عن شعب الدولة الصينية (أو جونج جيورن) يُعبرون بشكل واضحٍ ومتزايد عن مفهوم «الصين الثقافية» والوعي المشترك (أو الجونشي). الهوية الصينية التي كانت عرضةً لهجمات كثيرة من الغرب في القرن العشرين تعاد صياغتها الآن على أساسٍ من العناصر الثابتة في الثقافة الصينية.15 ومن الناحية التاريخية فإن تلك الهوية كانت تتلاءم دائمًا مع العلاقات المتغيرة بالسلطات الرئيسية في الدولة الصينية. هذا الشعور بالهوية الثقافية يُسهل توسيع العلاقات الاقتصادية بين الكيانات الصينية العديدة، كما أن تلك العلاقات بدَورها تقوِّي منه. وقد أصبحت هذه العلاقات عاملًا مهمًّا في التنمية الاقتصادية في صين البر الرئيسي وغيرها، وذلك بدورِه يوفِّر الحافز المادي والمعنوي لتعزيز الهوية الثقافية الصينية. وهكذا فإن «الصين العُظمى» ليست محضَ مفهوم مجرد، إنها واقع ثقافي واقتصادي يتنامى بسرعةٍ كما بدأ في تكوين واقعٍ سياسي. الصينيون هم المسئولون عن النمو الاقتصادي الهائل في الثمانينيات والتسعينيات: على البر الرئيسي وفي النمور (ثلاثة من الأربعة صينيون) وفي جنوب شرق آسيا. اقتصاد شرق آسيا مركزه الصين، وهي تسيطر عليه بشكل متزايد. الصينيون من هونج كونج وتايوان وسنغافورة هم الذين قدموا معظم رأس المال المطلوب لتنمية البر الرئيسي في التسعينيات … الصينيون فيما وراء البحار في أماكن أخرى في جنوب شرق آسيا يسيطرون على الاقتصاد في بلادهم. في أوائل التسعينيات كان الصينيون يمثلون ١٪ من سكان الفلبين ولكنهم كانوا مسئولين عن ٣٥٪ من مبيعات الشركات المملوكة محليًّا.
في إندونيسيا كان الصينيون في الثمانينيات يمثلون ٢-٣٪ من السكان ومع ذلك كانوا يملكون ٧٠٪ من رأس المال المحلي الخاص. كان هناك ١٦ من بين أكبر ٢٥ نشاطًا تجاريًّا في أيدي الصينيين. وكما تقول التقارير: كان أحد التكتلات الاقتصادية يحقق ٥٪ من مُجمل النتاج القومي لإندونيسيا.
في أوائل التسعينيات كان الصينيون يمثلون ١٠٪ من سكان تايلاند، ومع ذلك كانوا يملكون ٩ من أكبر ١٠ مجموعات تجارية، ومسئولين عن ٥٠٪ من مجمل النتاج القومي. الصينيون يشكلون حوالي ثلث سكان ماليزيا، ولكنهم يسيطرون على الاقتصاد بكامله تقريبًا.16
خارج اليابان وكوريا، الاقتصاد صيني أساسًا في شرق آسيا. ظهور مجال الرخاء المشترك للصين العظمى ساعد عليه وسهَّل منه «شبكة خيزران» من العلاقات العائلية والشخصية للثقافة المشتركة. الصينيون في الخارج أكثر قُدرة من كلٍّ من الغربيين أو اليابانيين على القيام بأعمالٍ تجارية في الصين. وفي الصين، تعتمد الثقة والالتزام على العلاقات والاتصالات الشخصية وليس على العقود أو القوانين أو أي وثائق قانونية أخرى. رجال الأعمال الغربيون يجدون من السهل عليهم أن يقوموا بأعمالهم في الهند عن الصين، حيث تعتمد قداسة الاتفاق على العلاقات الشخصية بين الأطراف. وكما لاحظ قيادي ياباني — بحسد شديد — في سنة ١٩٩٣م أن الصين قد أفادت من «شبكة غير محدودة من التجار الصينيين في هونج كونج وتايوان وجنوب شرق آسيا»،17 ويتفق كذلك رجل أعمال أمريكي على أن «الصينيين في الخارج لديهم المهارات اللازمة لعقد الصفقات والاتفاق على المقاولات: لديهم اللغة، كما أنهم يعتمدون على شبكة مُتشعبة وقوية من العلاقات العائلية في اتصالاتهم، وهذه ميزة كبرى يتفوَّقون بها على أي شخصٍ آخر ينبغي عليه أن يعود إلى مجلس إدارته، في أكرون أو فيلادلفيا.» كما يعبر «لي كوان يو» عن مميزات تعامل الصينيين المقيمين في الخارج مع الصينيين في الداخل بقوله: «نحن صينيون إثنيون. نشترك في سمات معينة من خلال سلفٍ واحد وثقافة مشتركة … الناس يشعرون بميل طبيعي نحو من يشتركون معهم في صفات فيزيائية. هذا الشعور بالتقارب يقوي منه اشتراكهم في أسس الثقافة واللغة، الأمر الذي يخلق الألفة والحميمية والثقة التي هي أساس كل علاقات العمل التجاري.»18
في أواخر الثمانينيات وفي التسعينيات كان الصينيون الإثنيون في الخارج قادرين على أن «يثبتوا» لعالمٍ نزَّاع للشك، أن الصِّلات الحميمة من خلال نفس اللغة والثقافة يمكن أن تعوض غياب حكم القانون والشفافية في القواعد والتعليمات. وفي المؤتمر العالمي الثاني للمقاولات الصينية الذي عقد في هونج كونج في نوفمبر ١٩٩٣م، تم إلقاء الضوء على كيف أن جذور النمو الاقتصادي موجودة في الثقافة المشتركة، وقد وُصِف المؤتمر بأنه «احتفالية بالانتصار الصيني حضرها رجال أعمال صينيون إثنيون من أنحاء العالم».19
في العالم الصيني، كما في كل مكانٍ آخر، تساعد العوامل الثقافية المشتركة على الارتباط الاقتصادي.
انخفاض التورُّط الاقتصادي الغربي في الصين بعد «تيانان من»، والذي جاء بعد عقدٍ من النمو الاقتصادي الصيني السريع، هيأ الفرصة والحافز للصينيين في الخارج أن يفيدوا من ثقافاتهم المشتركة واتصالاتهم الشخصية وأن يستثمروا بكثافة في الصين، وكانت النتيجة نموًّا هائلًا في كافة العلاقات الاقتصادية بين المجتمعات الصينية في سنة ١٩٩٢م كانت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين ٨٠٪ (١١٫٣ بليون دولار) جاءت كلها من الصينيين في الخارج، وبشكل رئيسي من هونج كونج (٦٨٫٣٪) وتايوان (٩٫٣٪) وسنغافورة وماكاو وغيرها.
وفي المقابل، قدمت اليابان ٦٫٦٪ والولايات المتحدة ٤٫٦٪ من الإجمالي. وبالنسبة لمجمل الاستثمارات الأجنبية البالغة خمسين بليون دولار جاء ٧٦٪ منها من مصادر صينية. كما كان النمو التجاري على نفس الدرجة من الأهمية. ارتفعت صادرات تايوان إلى الصين من صفر تقريبًا في سنة ١٩٨٦م إلى ٨٪ من مُجمل صادراتها في سنة ١٩٩٢م والتي اتسعت في ذلك العام بنسبة ٣٥٪، كما زادت صادرات سنغافورة إلى الصين بنسبة ٢٢٪ في ١٩٩٢م مقارنة بالزيادة الكلية في صادراتها التي كانت أقل من ٢٪، وكما لاحظ «موراي ويدن باوم» في ١٩٩٣م «رغم السيادة اليابانية الحالية على المنطقة فإن اقتصاد آسيا الذي تُعد الصين مركزَه يبرُز بسرعة كمركزٍ جديد للصناعة والتجارة والمال. هذه المنطقة الاستراتيجية تحتوي على كمياتٍ هائلة من التكنولوجيا والإمكانات التصنيعية (تايوان) وفطنة بارزة في مجالات المقاولات والخدمات (هونج كونج) وشبكة اتصالات ممتازة (سنغافورة) وتجمُّع هائل لرأس المال (الدول الثلاث) وهبات طبيعية من الأراضي والموارد والقوة البشرية (البر الرئيسي للصين)».20
هذا بالإضافة إلى أن البر الرئيسي للصين كان أكبر الأسواق من ناحية الإمكانيات، وبمنتصف التسعينيات كانت الاستثمارات في الصين يتزايد توجُّهها نحو البيع في تلك السوق إلى جانب التصدير منها.
الصينيون في جنوب شرق آسيا يتمثَّلون السكان المحليين بدرجاتٍ مختلفة، بينما يُكِنُّ الآخرون غالبًا مشاعر معادية للصينيين قد تنفجر على شكل صراعٍ عنيف مثل الشغب الذي حدث في «ميدان» في إندونيسيا في أبريل ١٩٩٤م، وينتقد بعض الماليزيين والإندونيسيين تدفق الاستثمار الصيني على البر الرئيسي ويصفونه بأنه «هروب رأس المال»، كما كان على القادة السياسيين بزعامة الرئيس «سوهارتو» أن يؤكدوا لشعوبهم أن ذلك لن يؤديَ إلى دمار اقتصادهم. الصينيون في جنوب شرق آسيا كانوا يصرون بدورِهم على أن ولاءهم للبلاد التي ولدوا بها وليس لبلاد الأسلاف. في أوائل التسعينيات تدفق رأس المال الصيني من جنوب شرق آسيا على الصين، وكان يُقابله تدفق كثيف من الاستثمارات التايوانية على الفلبين وماليزيا وفيتنام.
إن الارتباط بين نمو القوة الاقتصادية والثقافة الصينية المشتركة أدى ﺑ (هونج كونج وتايوان وسنغافورة) إلى أن يزيدوا من تورُّطهم مع البر الرئيسي في الوطن الصيني الأصلي. ولكي يكيفوا أنفسهم مع انتقال السلطة القادم، بدأ صينيو هونج كونج يتواءمون مع الحكم من بكين أكثر منه من لندن.
وأصبح رجال الأعمال وغيرهم من القادة يترددون في توجيه النقد للصين أو أن يفعلوا أشياء قد تغضبها. وعندما حدث ذلك لم تتردد الحكومة الصينية في أن تنتقِم فورًا. وبحلول سنة ١٩٩٤م كان المئات من رجال الأعمال يتعاونون مع بكين ويعملون ﮐ «مستشارين لهونج كونج»، الأمر الذي كان في حقيقته بمثابة حكومة ظل. في أوائل التسعينيات اتسع النفوذ الصيني الاقتصادي في هونج كونج بصورة كبيرة مع استثمار من البر الرئيسي كان قد وصل في سنة ١٩٩٣م، كما تقول التقارير، إلى أكثر من الاستثمارات القادمة من اليابان والولايات المتحدة معًا.21
وبمنتصف التسعينيات كان التكامل الاقتصادي بين هونج كونج وصين البر الرئيسي كاملًا بالفعل إلى جانب التكامل السياسي الذي سيصل إلى نهايته في سنة ١٩٩٧م.
اتساع علاقات تايوان بالبر الرئيسي للصين كان أقلَّ من اتساع علاقات هونج كونج بها، إلا أن تغيرات مهمة بدأت منذ أوائل الثمانينيات. على مدى ثلاثة عقود بعد سنة ١٩٤٩م كانت الجمهوريتان الصينيتان رافضتَين أن تعترف كل منهما بالأخرى … سواء بوجودها أو بشرعيتها ولم تكن بينهما اتصالات، وكانتا في حالة حربٍ بالفعل تظهر من وقتٍ لآخر على شكل تبادل للنيران في الجزر البعيدة عن الشاطئ.
بعد أن دعم «دنج زياو بنج» سلطته وبدأ عملية الإصلاح الاقتصادي، بدأت حكومة البر الرئيسي في نفس الوقت سلسلة من الخطوات التوفيقية، وفي سنة ١٩٨١م استجابت حكومة تايوان وبدأت تتحرك بسرعة بعيدًا عن سياسة لاءاتها الثلاث السابقة: «لا اتصال، لا تفاوض، لا تسوية مع البر الرئيسي.» وفي مايو ١٩٨٦م حدث أول تفاوض بين مُمثلين للجانبين حول عودة طائرة جمهورية الصين المختطفة إلى البر الرئيسي، وفي العام التالي ألغت جمهورية الصين ROC حظرها السفر إلى البر الرئيسي. تبع ذلك اتساع سريع في العلاقات الاقتصادية بين تايوان والبر الرئيسي،22 ساعد عليه وسهل منه «صينيتهما المشتركة» والثقافة المتبادلة التي نتجت عنها. شعبا تايوان والصين كما لاحظ المفاوض التايواني، يتحلَّيان: «بمشاعر الدم الذي لا يمكن أن يكون ماء»، وكلاهما فخور بإنجازات الآخر. وبنهاية عام ١٩٩٣م كان هناك أكثر من ٤٫٢ مليون زيارة قام بها مواطنو تايوان للبر الرئيسي، و٤٠٠٠٠ زيارة من سكان البر الرئيسي إلى تايوان كما كان يتمُّ تبادل حوالي ٤٠٠٠٠ رسالة و١٣٠٠٠٠ اتصالٍ تليفوني يوميًّا. التجارة بين الدولتَين الصينيتَين كما تقول التقارير وصلت إلى ما قيمتُه ١٤٫٤ بليون دولار في سنة ١٩٩٣م، كما استثمر ٢٠٠٠٠ تايواني من ١٥–٣٠ بليون دولار في البر الرئيسي.
وقد لاحظ مسئول تايواني في سنة ١٩٩٣م أنه «قبل سنة ١٩٨٠م كانت أمريكا هي أهم سوق بالنسبة لتايوان، أما في التسعينيات فنحن نرى أن أهم عوامل نجاح الاقتصاد التايواني هو البر الرئيسي.» اليد العاملة الرخيصة في البر الرئيسي كانت أهم عوامل الجذب للمستثمرين التايوانيين الذين كانوا يواجهون نقصًا في اليد العاملة في بلدِهم. وفي سنة ١٩٩٤م بدأت عملية عكسية لتصحيح عدم التوازن في «رأس المال – القوة البشرية» بين الدولتَين، بأن وظَّفت شركات صيد الأسماك التايوانية عشرة آلاف من أبناء البر الرئيسي للعمل على سفنها.23 وأدَّى تطور العلاقات الاقتصادية إلى مفاوضات بين الحكومتين، وفي سنة ١٩٩١م أنشأت تايوان مؤسسة للتبادل في البوغاز وأنشأت الصين مؤسسة للعلاقات عبر بوغاز تايوان، وذلك للاتصال بعضهما بالآخر. وفي أبريل ١٩٩٣م عقد أول لقاء بينهما في سنغافورة ثم تبِعته لقاءات في كلٍّ من البر الرئيسي وتايوان. في أغسطس ١٩٩٤م تم التوصُّل إلى اتفاقية «اختراق» تُغطي عددًا من القضايا المهمة، وبدأت التكهنات حول قمةٍ محتملة بين القيادات العليا في الحكومتَين.
في التسعينيات، ما زالت هناك قضايا أساسية بين تايبيه وبكين تتضمَّن مسألة السيادة ومشاركة تايوان في المنظمات العالمية وإمكانية أن تُعيد تايوان تعريف نفسها كدولةٍ مستقلة. ولكن احتمال تحقق الأمر الأخير أصبح بعيدًا بصورةٍ متزايدة على أية حال، حيث وجد الحزب الديمقراطي التقدمي، وهو المؤيد الرئيسي للاستقلال، أن الناخبين التايوانيين لا يريدون أن يخربوا العلاقات القائمة مع البر الرئيسي، وأن استعجال القضية سوف يُلحق الضرر بمستقبله الانتخابي.
ومن هنا أكد زعماء الحزب الديمقراطي التقدمي أنهم إذا وصلوا إلى السلطة فإن الاستقلال لن يكون موضوعًا عاجلًا على جدول أعمالهم. الحكومتان كان بينهما أيضًا اهتمامٌ مشترك لتأكيد سيادة الصين على «سبراتلي» والجزر الأخرى في بحر الصين الجنوبي والإجماع على أن الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر أفضليةً في التجارة مع البر الرئيسي. في أوائل التسعينيات كانت الصينان تتحركان ببطءٍ ولكن بإدراك وتَبَصُّرٍ ضرورِيَّين، كل منهما نحو الآخر لتطوير المصالح المشتركة، انطلاقًا من علاقاتهما الاقتصادية الواسعة وهويتهما الثقافية المشتركة. هذا التحرك نحو التكيف تم تعليقه فجأة عندما اندفعت حكومة تايوان بكل حدةٍ لتُطالب بالاعتراف الدبلوماسي بها والسماح لها بالانضمام إلى المنظمات الدولية، فقام الرئيس «لي تنج هيو» بزيارة «خاصة» للولايات المتحدة، كما أجرت تايوان انتخاباتٍ تشريعية في ديسمبر ١٩٩٥م تبعها انتخابات رئاسية في مارس ١٩٩٦م، وردًّا على ذلك قامت الحكومة الصينية بإجراء تجاربٍ للصواريخ في المياه القريبة من الموانئ الرئيسية وبدأت تدريبات عسكرية بالقُرب من الجزر التابعة لتايوان.
وقد أثارت هذه التطورات قضيتين رئيسيتين. بالنسبة للحاضر: هل يمكن أن تظل تايوان ديمقراطية دون أن تُصبح مستقلة رسميًّا؟ وفي المستقبل: هل يمكن أن تصبح تايوان ديمقراطية دون أن تظل مستقلة بالفعل؟
والحقيقة أن علاقات تايوان بالبر الرئيسي قد مرت عبر مرحلتَين وقد تدخل مرحلة ثالثة. على مدى عدة عقود كانت الحكومة الوطنية تزعم أنها حكومة كل الصين، وكان ذلك بوضوح معناه الصراع مع الحكومة التي كانت في الحقيقة حكومة كل الصين ما عدا تايوان. في الثمانينيات أسقطت حكومة تايوان هذا الادعاء، وحددت نفسها بأنها حكومة تايوان، الأمر الذي وضع أساسًا للتكيُّف مع مفهوم البر الرئيسي: «بلد واحد … نظامان.» يؤكد كثيرون أفرادًا وجماعات على تزايد هوية تايوان الثقافية المستقلة، وعلى الفترة القصيرة نسبيًّا تحت الحكم الصيني، ولغتها غير المفهومة للناطقين بالماندارين. لقد كانوا في الواقع يحاولون أن يعرفوا المجتمع التايواني بأنه مجتمع غير صيني، ومن هنا يكون مستقلًّا — شرعًا — عن الصين، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة تايوان عندما أصبحت نشطةً دوليًّا بدت هي الأخرى وكأنها تقول إنها دولة مستقلة وليست جزءًا من الصين. وباختصار يبدو أن تعريف حكومة تايوان لنفسها قد تدرج من: حكومة كل الصين، إلى حكومة جزء من الصين، إلى حكومة لا شيء من الصين. والوضع الأخير الذي يُعطي الشكل الرسمي لاستقلالها القائم بالفعل، لن يكون مقبولًا بالمرة من حكومة بكين التي أكدت استعدادها مرارًا لاستخدام القوة لكي تحول دون تحقيق ذلك.
وكما قال قادة الحكومة الصينية أيضًا إنه بعد دمج هونج كونج في جمهورية الصين الشعبية في سنة ١٩٩٧م، وماكاو في سنة ١٩٩٩م، فإنهم سوف يتحركون لإعادة ربط تايوان بالبر الرئيسي. أما كيف يحدث ذلك، فإن الأمر فيما يبدو يعتمد على درجة تزايد تأييد الاستقلال الرسمي في تايوان، وحل صراع الخلافة في بكين الذي يساعد القادة السياسيين والعسكريين على أن يكونوا قوميين مُتشددين، وتطوير القدرات العسكرية الصينية، التي يمكن أن تجعل غزو تايوان واردًا. ومن المرجح أن تُصبح تايوان أكثر تكاملًا مع البر الرئيسي في وقتٍ باكر من القرن الواحد والعشرين، سواء عن طريق القسر أو التكيف، والأكثر احتمالًا هو أن يكون ذلك عن طريق المزج بين الأسلوبين.
حتى أواخر السبعينيات كانت العلاقات بين سنغافورة الشديدة العداء للشيوعية والصين الشعبية باردة جدًّا، وكان «لي كوان يو» وغيره من قادة سنغافورة ينظرون بازدراء إلى التخلف الصيني. وبعد انطلاق النمو الاقتصادي الصيني في الثمانينيات بدأت سنغافورة تُعيد توجيه نفسها صوب البر الرئيسي بأسلوبٍ كلاسيكي من أجل اللحاق به. وبحلول سنة ١٩٩٢م كانت قد استثمرت ١٫٩ بليون دولار في الصين، وفي العام التالي أُعلن عن مشروع لبناء مدينة صناعية «سنغافورة-٢» خارج شنغهاي باستثمارات تصل إلى بلايين الدولارات، وأصبح «لي» نصيرًا متحمسًا لمستقبل الصين الاقتصادي وشديد الإعجاب بقوتها.
ففي سنة ١٩٩٣م قال إن الصين «توجد حيث يوجد الإنجاز»24 وتحول الاستثمار السنغافوري الذي كان مُركَّزًا في ماليزيا بشدة إلى الصين. نصف المشروعات الخارجية التي كانت تدعمها حكومة سنغافورة في سنة ١٩٩٤م كانت تتمُّ في الصين. وفي أول زيارة له لبكين في السبعينيات، أصر «لي كوان يو» أن يتحدث مع القادة الصينيين بالإنجليزية بدلًا من الماندارين، ومن المرجح ألا يكون قد فعل ذلك بعد عقدين من الزمان.



