صدام الحضارات: إعادة صُنع النظام العالمي – صامويل هنتنجتون-ترجمة طلعت الشايب

دول المركز والدوائر المتحدة المركز والنظام الحضاري
(١) الحضارات والنظام
في السياسة الكونية الناشئة، تحلُّ دول المركز في الحضارات الرئيسية محل القوى الكبرى في الحرب الباردة، وتُصبح هي أقطاب الجذب والطرد بالنسبة للدول الأخرى. وتتضح هذه التغيرات بجلاء في الحضارات الغربية والأرثوذوكسية والصينية.
وفي هذه الأحوال تنبثق تجمُّعات حضارية تضمُّ دول مركز ودولًا أعضاء، وأقليَّات سكانية لها نفس ثقافة الدول المجاورة، ثم — وهذا هو الأكثر إثارة للجدل — شعوبًا من ثقافات أخرى في الدول المجاورة. وتنزع الدول في هذه التكتُّلات الحضارية إلى أن تُكوِّن دوائر متَّحدة المركز حول دولة أو دول المركز، معبرة عن درجة توحُّدها وتكامُلها مع تلك الكتلة. ولأن الإسلام يفتقر إلى دولة مركز، فإنه يقوم بتوسيع وعيِهِ المشترط، ولكنه لم يُحقق حتى الآن سوى بنيةٍ سياسية ناقصة.
وتميل الدول إلى اللحاق بركب الدول الأخرى التي لها نفس الثقافة، وإلى أن تتوازن ضد الدول التي لا تُوجَد عوامل ثقافية مشتركة معها، وهذا صحيح على نحوٍ خاص بالنسبة لدول المركز. قوة دول المركز تجذب أولئك الذين يُشبهونها ثقافيَّا وتطرد المختلفين عنها.
ولأسبابٍ أمنية، فقد تحاول دول المركز أن تندمج فيها بعض شعوب الحضارات الأخرى، أو أن تسيطر عليها، كما تحاول تلك الشعوب بدورها أن تُقاوم أو أن تهرب من تلك السيطرة. (الصين ضد سكان التبت والأويغر، وروسيا ضد التتار والشيشان ومُسلمي آسيا الوسطى). وقد أدَّت العلاقات التاريخية وتوازن القوى كذلك، ببعض الدول إلى أن تقاوم نفوذ دول المركز. جورجيا وروسيا دولتان أرثوذوكسيتان، ولكن الجيورجيين، تاريخيًّا، قد قاوموا السيطرة الروسية وكانوا ضد التقارب الوثيق معها. فيتنام والصين دولتان كونفوشيتان ومع ذلك يُوجَد بينهما نوع من العداء التاريخي، وبمرور الزمن تمكنت العوامل الثقافية المشتركة ونمو الوعي الحضاري الواسع والعميق من التقريب بين الدولتَين، مثلما حدث بين الدول الأوروبية الأخرى.
أثناء الحرب الباردة، كان النظام السائد هو نتيجة سيطرة كل من القوتَين العظميَين على كتلتها ونفوذ كلٍّ منهما في العالم الثالث، في العالم الناشئ، أصبحت القوة الكونية أسلوبًا قديمًا، وأصبح المجتمع الكوني حلمًا بعيد المنال.
لا تُوجَد أي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، لها مصالح أمنية كونية مهمة. مكونات النظام في عالم اليوم الذي أصبح أكثر تعقيدًا وأقل تجانسًا، موجودة في داخل الحضارات وفيما بينها. العالم سيتمُّ تنظيمُه على أساس الحضارات أو لن ينظم أبدًا. في هذا العالم، دول المركز في الحضارات هي مصادر النظام، وذلك في داخل الحضارات ثم بين الحضارات وبعضها عن طريق التفاوض مع دول المركز في كل منها. العالم الذي تلعب فيه دول المركز دورًا قياديًّا أو مسيطرًا هو عالم مناطق نفوذ، ولكنه أيضًا عالم تضبط فيه دول المركز سياستها وتعدل من ممارستها لنفوذها عن طريق الثقافة التي تشترك فيها مع الدول الأعضاء في نفس الحضارة. العوامل الثقافية المشتركة تعطي شرعية للقيادة ولدور دولة المركز في فرض النظام، بالنسبة لكل من الدول الأعضاء والقوى والمؤسسات الخارجية. وهكذا يُصبح من العبث أن نفعل كما فعل «بطرس غالي» الأمين العام للأمم المتحدة في سنة ١٩٩٤م بإعلان قاعدة: «منطقة حفظ النفوذ»، التي تقضي بأن القوة الإقليمية المسيطرة لا يجب أن تُسهم بأكثر من ثلث قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. هذا الشرط يتحدَّى الواقع السياسي، وهو أن السلام لا يمكن أن يتحقَّق أو أن يتمَّ الحفاظ عليه في أي منطقةٍ إلا بقيادة الدولة المسيطرة في تلك المنطقة. الأمم المتحدة ليست بديلًا عن القوة الإقليمية، والقوة الإقليمية تُصبح مسئولة وشرعية عندما تمارسها دولة المركز مع الدول الأعضاء في حضارتها. دولة المركز يمكن أن تقوم بوظيفتها النظامية؛ لأن الدول الأعضاء تنظر إليها كقربى ثقافية. الحضارة أسرة ممتدة، ومثل أعضاء الأسرة الأكبر سنًّا، تقوم دول المركز بتوفير الدعم والنظام للأقارب، وفي غيبة علاقة القربى هذه، فإن قدرة الدولة الأقوى على حلِّ الصراعات في منطقتها أو فرض النظام فيها تُصبح محدودة.
باكستان وبنجلاديش، حتى سريلانكا، لن تقبل بالهند لكي توفر لها النظام في جنوب آسيا، كما لن تقبل أي دولة شرق آسيوية أخرى أن تقوم اليابان بهذا الدور في نفس المنطقة. عندما تفتقر الحضارات لدول مركز، تصبح مشكلات إرساء النظام داخل الحضارات أو التفاوض عليه فيما بينها أكثر صعوبة. وغياب دولة مركز إسلامية قادرة على الاتصال بشعب البوسنة بشكلٍ شرعي وسلطوي، كما فعلت روسيا مع الصرب، وألمانيا مع الكروات، هو الذي دفع الولايات المتحدة للقيام بهذا الدور. أما عدم فاعليتها في ذلك فسببه غياب الاهتمام الأمريكي الاستراتيجي بالحدود التي كانت قد رسمت في يوغوسلافيا السابقة وعدم وجود أي علاقة ثقافية بين الولايات المتحدة والبوسنة، وذلك بالإضافة إلى المعارضة الأوروبية لإقامة دولة مسلمة في أوروبا. غياب دولة مركز في كل من أفريقيا والعالم الغربي، عَقَّدَ إلى درجةٍ كبيرة مساعيَ حل مشكلة الحرب الأهلية في السودان. من جانبٍ آخر، فإن العوامل الرئيسية للنظام العالمي الجديد القائم على الحضارات تُوجَد حيث تُوجَد دول المركز.
(٢) تعيين حدود الغرب
أثناء الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة في المركز من تجمُّعٍ يضم دولًا متعددة الحضارات، تشترك كلها في هدف منع زيادة توسُّع الاتحاد السوفيتي. هذا التجمُّع الذي كان يُعرَف في الماضي باسم «العالم الحر» أو «الغرب» أو «الحلفاء» كان يضمُّ الكثير من المجتمعات الغربية. ولكن ليس جميعها: تركيا واليونان واليابان وكوريا والفلبين وإسرائيل، وإلى حدٍّ ما دولًا أخرى مثل تايوان وتايلاند وباكستان.
في معارضة لذلك كان هناك تجمع آخر من دولٍ أقل تجانسًا بدرجةٍ بسيطة يضمُّ كل البلاد الأرثوذوكسية باستثناء اليونان وعديد من الدول التي كانت غربية تاريخيًّا: فيتنام وكوبا، وبدرجةٍ أقل: الهند، وأحيانًا دولة أو اثنتين من أفريقيا. وبانتهاء الحرب الباردة، تفتتت تلك التجمعات المتعددة الحضارات والمتداخِلة الثقافات. ذوبان النظام السوفيتي، وبخاصة حلف وارسو، تم بشكلٍ درامي، «العالم الحر» المتعدِّد الحضارات، والذي كان موجودًا أثناء الحرب الباردة يتم إعادة تشكيلِه بطريقةٍ مشابهة، وإن كان ببطءٍ أكثر، في تجمُّع جديد ممتد مع الحضارة الأوروبية تقريبًا. وفي الطريق، هناك عملية تحديد تتضمن تعريف العضوية في المنظمات الدولية الغربية. دولتا المركز في الاتحاد الأوروبي: فرنسا وألمانيا، محاطتان أولًا بتجمُّع داخلي من بلجيكا وهولندة ولكسمبورج، وجميعها وافق على إزالة الحدود أمام التجارة والأفراد، ثم بدول أعضاء أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال والدانمرك وبريطانيا وأيرلندة واليونان، ثم بدول أصبحت أعضاء في الاتحاد الأوروبي في سنة ١٩٩٥م (أستراليا، فنلندة، السويد) ثم تلك التي كانت اعتبارًا من ذلك التاريخ أعضاء مُنتسِبين (بولندة، المجر، جمهورية التشيك، سلوفاكيا، بلغاريا، رومانيا)، وتعبيرًا عن هذا الواقع فإن كلًّا من الحزب الحاكم في ألمانيا وكبار المسئولين الفرنسيين تقدموا باقتراحاتٍ في خريف ١٩٩٤م من أجل إنشاء اتحادٍ مختلف من حيث الشكل والمهام.
كانت الخطة الألمانية تقترح أن يتكون قلب هذا الاتحاد من الأعضاء الأصليين فيما عدا إيطاليا وأن «تكون ألمانيا وفرنسا قلب هذا القلب». دول القلب هذه تحاول أن تُقيم وحدةً نقدية وأن تُكامل بين سياساتها الخارجية والدفاعية على وجه السرعة.
في نفس الوقت تقريبًا، اقترح رئيس وزراء فرنسا «إدوارد بالادير» اتحادًا من ثلاث دوائر متراتبة، الدول الخمس المؤيدة للتكامل تشكل القلب، بقية الدول الأعضاء تكون دائرةً ثانية، والدول الجديدة التي في طريقها للعضوية تشكل الدائرة الخارجية. فيما بعد، فَصَّلَ «آلان جوبيه» وزير خارجية فرنسا هذه الفكرة مقترحًا «دائرة خارجية مكونة من دول «مشاركة» تضم دول أوروبا الشرقية والوسطى، ودائرة وسطى من الدول الأعضاء التي قد يطلب منها أن تقبل بقواعد عامة في مجالات معينة (سوق واحدة، وحدة جمركية … إلخ). ودوائر داخلية عديدة تتكون من «تضامنيات قوية» يندمج فيها المستعدون والقادرون على التحرك على نحوٍ أسرع من الآخرين في مجالاتٍ مثل الدفاع والتكامل النقدي والسياسة الخارجية وهكذا.»1
كما اقترح قادة سياسيون آخرون أشكالًا من الترتيبات الأخرى كلها تضمَّنت على أي حالٍ تجمعًا داخليًّا للدول الأشد ارتباطًا، ثم تجمعات خارجية من الدول الأقل تكاملًا مع الدولة المركز، حتى نصل إلى الخط الذي يفصل بين الأعضاء وغير الأعضاء.
كانت إقامة هذا الخط في أوروبا، أحد التحديات الرئيسية التي واجهت الغرب في عالم ما بعد الحرب الباردة. أثناء الحرب الباردة لم تكن أوروبا موجودة كوحدة، إلا أنه مع سقوط الشيوعية أصبح من الضروري الإجابة عن سؤال: ما هي أوروبا؟
حدود أوروبا في الشمال والغرب والجنوب مساحات من الماء يصاحبها في الجنوب فروق ثقافية واضحة. ولكن أين هي الحدود الشرقية لأوروبا؟ من الذي يمكن اعتباره أوروبيًّا وبالتالي يكون عضوًا محتملًا في الاتحاد الأوروبي واﻟ «ناتو» والمنظمات المشابهة؟ الإجابة الأكثر شيوعًا عن هذه الأسئلة يقدمها لنا الخط التاريخي الشهير الذي ظل لعدة قرون يفصل بين الشعوب الغربية المسيحية والشعوب الإسلامية والأرثوذوكسية. يعود تاريخ هذا الخط إلى تقسيم الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع، وإلى إقامة الإمبراطورية الرومانية المقدسة في القرن العاشر، وقد ظل في مكانه الحالي تقريبًا خمسمائة عام على الأقل. وهو يبدأ في الشمال ويمتدُّ على طول ما يعرف الآن بالحدود بين فنلندة وروسيا ودول البلطيق (أستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) وروسيا عبر بيلاروسيا (روسيا البيضاء) الغربية، وأوكرانيا فاصلًا غربها الذي يتبع الكنيسة الشرقية عن شرقها الأرثوذوكسي، وعبر رومانيا بين ترانسيلفانيا بسكانها المجريين الكاثوليك وبقية البلاد، وعبر يوغوسلافيا السابقة على امتداد الحدِّ الذي يفصل بين سلوفينيا وكرواتيا عن الجمهوريات الأخرى.
في البلقان، يتوافق هذا الخط بالطبع مع التقسيم التاريخي بين الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. هذا الخط هو الحدُّ الثقافي لأوروبا، وفي عالم ما بعد الحرب الباردة كان هو الحد السياسي والاقتصادي لأوروبا والغرب.
وهكذا يقدم النموذج الحضاري إجابة واضحة وملحَّة عن السؤال الذي يواجه الأوروبيين الغربيين: أين تنتهي أوروبا؟ أوروبا تنتهي حيث تنتهي المسيحية الغربية ويبدأ الإسلام والأرثوذوكسية. هذه هي الإجابة التي يريد الأوروبيون الغربيون أن يسمعوها، والتي يؤيدونها جميعًا همسًا، والتي كرَّسها بوضوح مُثقفون وقادة سياسيون كثيرون. ومن الضروري كما يقول «مايكل هوارد» أن نعترف بالتمايز الذي كان مطموسًا خلال السنوات السوفيتية، بين أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية على نحوٍ صحيح. تضمُّ أوروبا الوسطى «تلك الأراضي التي كانت تُكَوِّنُ في وقتٍ من الأوقات جزءًا من العالم المسيحي الغربي، والأراضي القديمة لإمبراطورية الهابسبورج والنمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا مع بولندة والتخوم الشرقية في ألمانيا».
ومصطلح «أوروبا الشرقية» يجب الاحتفاظ به للإشارة إلى تلك المناطق التي تطورت تحت رعاية الكنيسة الأرثوذوكسية: مجتمعات البحر الأسود في بلغاريا ورومانيا والتي لم تخرج من تحت السيطرة العثمانية إلا في القرن التاسع عشر، والأجزاء «الأوروبية» من الاتحاد السوفيتي.
ويقول: إن المهمة الأولى لأوروبا الغربية يجب أن تكون «إعادة استيعاب شعوب أوروبا الوسطى في مجتمعنا الثقافي والاقتصادي حيث يُوجَد انتماؤهم الصحيح، وإعادة عقد الصِّلات بين لندن وروما وميونيخ وليبزج ووارسو وبراغ وبودابست». إن «خط تقسيم حضاري جديد يخرج إلى حيز الوجود»، كما علق «بييربيهار» بعد ذلك بعامين: «انقسام ثقافي في الأساس بين أوروبا ذات صبغة مسيحية غربية (رومان كاثوليك، أو بروتستانت) من ناحية، وأوروبا ذات صبغة مسيحية شرقية وتقاليد إسلامية من ناحية أخرى.» وكذلك يرى قيادي فنلندي أن الانقسام الأوروبي الحاد، الذي حلَّ محل الستار الحديدي مثل «خط التقسيم الثقافي القديم بين الشرق والغرب»، الذي يضع «أراضي الإمبراطورية النمساوية – المجرية بالإضافة إلى بولندة ودول البلطيق ضمن أوروبا الغربية»، ودول شرق أوروبا والبلقان الأخرى خارجها. ويتفق معه في الرأي إنجليزي بارز بأن «الفصل الديني بين الكنائس الشرقية والغربية: أو بشكل عام بين أولئك الذين تلقَّوا مسيحيتهم من روما مباشرة أو عبر وسائط سلتية جيرمانية، وأولئك في الشرق والجنوب الشرقي الذين جاءت إليهم عبر القسطنطينية (بيزنطة)».2
كما يؤكد الناس في أوروبا الوسطى أيضًا على أهمية خط التقسيم ذلك. الدول التي أحرزت تقدمًا ملحوظًا في خلع نفسها من تراث الشيوعية وتحركت صوب السياسة الديمقراطية واقتصاد السوق، منعزلة عن تلك التي لم تنخلع، بواسطة الخط الذي يفصل بين الكاثوليكية والبروتستانتية من جانب والأرثوذوكسية من جانب آخر.
ومنذ قرون، كان رئيس ليوتانيا يقول إن الليتوانيين لا بد أن يختاروا بين «حضارتين»، وقد اختاروا «العالم اللاتيني وتحولوا إلى الكاثوليكية الرومانية، كما اختاروا شكلًا من تنظيم الدولة مؤسسًا على القانون.»
وبنفس الأسلوب يقول البولنديون إنهم كانوا جزءًا من الغرب منذ اختيارهم للمسيحية اللاتينية ضد بيزنطة في القرن العاشر.3 على العكس من ذلك، تنظر شعوب الدول الأوروبية الشرقية الأرثوذوكسية بعدم ثقةٍ إلى الأهمية الجديدة لخط التقسيم الثقافي هذا. البلغاريون والرومانيون يرَون ميزة كبيرة في أن يكونوا جزءًا من الغرب وأن يندمجوا في مؤسساته، ولكنهم أيضًا يتوحَّدون مع تراثهم الأرثوذوكسي، كذلك يتوحَّد البلغاريون مع ارتباطاتهم التاريخية الوثيقة بروسيا وبيزنطة. إن توحُّد أوروبا بالمسيحية الغربية يقدم معيارًا واضحًا لقبول أعضاء جدد في المنظمات الدولية. الاتحاد الأوروبي هو الكيان الغربي الأساسي في أوروبا، وتم استئناف التوسع في عضويته في ١٩٩٤م بقبول مواطني النمسا وفنلندة والسويد ذوي الثقافة الغربية. وفي ربيع ١٩٩٤م قرر الاتحاد من باب الاحتياط، أن يستبعِد من العضوية جميع الجمهوريات السوفيتية السابقة عدا دول البلطيق. كما وقَّع «معاهدات صداقة» مع الدول الأوروبية الرئيسية الأربع (بولندة – المجر – جمهورية التشيك – سلوفاكيا) ودولتَين من شرق أوروبا (رومانيا وبلغاريا). ولا يُحتمَل أن يصبح أحد من هذه الدول عضوًا في الاتحاد الأوروبي حتى وقتٍ ما في القرن الواحد والعشرين، وسوف تُحقق دول وسط أوروبا تلك المكانة بلا شك قبل رومانيا وبلغاريا، هذا إذا حققتها الأخيرة في الواقع. في نفس الوقت تبدو احتمالات قبول عضوية دول البلطيق وسلوفينيا النهائية واعدة، بينما كانت طلبات تركيا المسلمة ومالطة الصغيرة جدًّا وقبرص الأرثوذوكسية ما تزال معلقةً في سنة ١٩٩٥م، وبالنسبة لتوسيع عضوية الاتحاد الأوروبي تُعطي الأفضلية لتلك الدول ذات الثقافة الغربية والمتجهة نحو نموٍّ اقتصادي أكبر. ولو تم تطبيق هذا المعيار فإن دول الفيزيجراد (بولندة، جمهورية التشيك، سلوفاكيا، المجر) وجمهوريات البلطيق وسلوفينيا وكرواتيا ومالطة ستُصبح في النهاية دولًا في الاتحاد وسيُصبح الاتحاد متساويًا في الامتداد مع الحضارة الغربية كما كان تاريخيًّا مع أوروبا.
ويُملي منطق الحضارات نتيجةً مماثِلة بخصوص توسُّع اﻟ «ناتو». بدأت الحرب الباردة باتساع السيطرة السياسية والعسكرية السوفيتية في أوروبا الوسطى. الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية كَوَّنُوا اﻟ «ناتو» لردع الاتحاد السوفيتي أو دحر عدوانه عند الضرورة. في عالم ما بعد الحرب الباردة، يُصبح اﻟ «ناتو» هو المؤسسة الأمنية للحضارة الغربية. بانتهاء الحرب الباردة يُصبح ﻟ «ناتو» هدف واحد رئيسيٌّ ومهمٌّ، وهو تأكيد أن السيادة ما تزال له، عن طريق منع إعادة فرض السيطرة السياسية والعسكرية الروسية في أوروبا الوسطى. وحيث إنها المؤسسة الأمنية للغرب، تبقى اﻟ «ناتو» مفتوحة لعضوية الدول الغربية التي تريد الانضمام إليها والتي تنطبق عليها الشروط من ناحية الكفاءة العسكرية والديمقراطية السياسية والسيطرة المدنية على العسكر.
تشكل السياسة الأمريكية تجاه الإجراءات الأمنية الأوروبية بعد الحرب الباردة، من حيث المبدأ توجهًا أكثر عالمية، وقد تجسد ذلك في «الشراكة من أجل السلام» والتي ستكون مفتوحةً بشكل عامٍّ أمام الدول الأوروبية والدول الأوروبية الآسيوية، كما أكد هذا الأسلوب أيضًا على دور «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، وقد ظهر ذلك في ملاحظات الرئيس «كلينتون» عندما زار أوروبا في يناير ١٩٩٤م: «حدود الحرية الآن يجب أن يميزها سلوك جديد وليس التاريخ القديم. أقول للجميع ممن يريدون رسم خط جديد في أوروبا: إننا لن نعوق إمكانية تحقيق أفضل مستقبل ممكن لأوروبا الديمقراطية في كل مكان، اقتصاد السوق في كل مكان، دول تتعاون من أجل الأمن المتبادل في كل مكان، يجب ألا ترضى بنتيجة أقل من ذلك.»
بعد عام تقريبًا، اعترفت الإدارة بأهمية الحدود التي حدَّدها التاريخ القديم واضطرت لقبول «نتيجة أقلَّ من ذلك»، مما يعكس واقع الفروق الثقافية. تحركت الإدارة بهمَّةٍ لتطوير معايير وجدول توسيع العضوية في اﻟ «ناتو»، لكي يشمل في البداية: بولندة والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، ثم يمتد إلى سلوفينيا … وربما إلى جمهوريات البلطيق فيما بعد. روسيا عارضت بشدة أي توسع ﻟ «ناتو». الروس الذين من المفترض أنهم أكثر ليبرالية وموالاةً للغرب، يقولون إن هذا التوسع من شأنه أن يدعم القوى القومية والقوى السياسية المعارضة للغرب في روسيا. توسع اﻟ «ناتو» تحدد بالدول التي كانت تاريخيًّا جزءًا من المسيحية الأوروبية، ومع ذلك يضمن لروسيا أيضًا أنه سوف يستبعد الصرب وبلغاريا ورومانيا ومالدافيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا، طالما ظلت الأخيرة مُتحدة.
توسع اﻟ «ناتو» المقصور على الدول الغربية يؤكد كذلك دور روسيا كدولةِ مركز لحضارة أرثوذوكسية منفصلة، وبالتالي كدولةٍ يجب أن تكون مسئولة عن النظام في داخل الأرثوذوكسية وعلى امتداد حدودها. فائدة التمييز على أساس الحضارة تتضح بالنسبة لجمهوريات البلطيق، فهي الجمهوريات السوفيتية السابقة الوحيدة الواضح أنها غريبة من ناحية التاريخ والثقافة والدين، ومصيرها كان دائمًا محلَّ اهتمام رئيسيًّا من قِبَل الغرب.
لم تعترف الولايات المتحدة رسميًّا أبدًا باندماجها في الاتحاد السوفيتي، وكانت باستمرار تؤيد تحركها نحو الاستقلال أثناء عملية انهيار الاتحاد السوفيتي، كما كانت تصرُّ على أن يلتزم الروس بالجدول المتفق عليه لسحب قواتهم من تلك الجمهوريات.
كانت الرسالة الموجهة إلى الروس هي أنهم لا بد أن يعترفوا بأن البلطيق خارج أي منطقة نفوذ يريدون إقامتها بالنسبة للجمهوريات السوفيتية السابقة. هذا الإنجاز الذي حقَّقتْه إدارة «كلينتون» كما قال رئيس وزراء السويد: «واحد من أهم إسهاماتها من أجل الأمن والاستقرار الأوروبِيَّين، كما ساعد أيضًا الديمقراطيين الروس بترسيخ فكرة أن أي خطط انتقامية من قِبَل القوميين الروس المتطرفين لاستعادة تلك الجمهوريات لن يكون وراءها طائل، أمام الالتزام الغربي حيال تلك الجمهوريات.»4 وبينما تم تكريس جهدٍ كبير لتوسيع الاتحاد الأوروبي واﻟ «ناتو»، إلا أن إعادة التشكيل الثقافي لتلك المنظمات أثار مسألة احتمال تقلُّصها. إحدى الدول غير الغربية «اليونان» عضو في المنظمتَين، ودولة أخرى «تركيا» عضو في اﻟ «ناتو» ومتقدمة بطلبٍ لعضوية الاتحاد، هذا النوع من العلاقات كان من إفرازات الحرب الباردة. فهل لتلك العلاقات مكان في عالم ما بعد الحرب الباردة الذي هو عالم حضارات؟
عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي مشكلة، وعضويتها في اﻟ «ناتو» كانت محل هجوم من حزب الرفاه، والمرجَّح أنها ستظلُّ عضوًا في اﻟ «ناتو». اللهم إلا إذا حقق «الرفاه» فوزًا ساحقًا في الانتخابات أو إذا رفضت تركيا — عن وعي — كل موروثها الأتاتوركي وأعادت إعلان نفسها زعيمةً للإسلام. يمكن تصوُّر ذلك، ويمكن أن يكون مرغوبًا فيه من قِبَل تركيا، ولكنه غير وارد في المستقبل القريب.
ومهما كان دور تركيا في اﻟ «ناتو» فإنها ستواصل الحفاظ على مصالحها الخاصة والمتميزة مع البلقان والعالم العربي وآسيا الوسطى. اليونان ليست جزءًا من الحضارة الغربية، ولكنها كانت مهدًا لحضارة كلاسيكية هي أحد المصادر المهمة للحضارة الغربية. وفي معارضتهم للأتراك، فإن اليونانيين كانوا تاريخيًّا، يعتبرون أنفسهم حَمَلَة رماح المسيحية. وعلى خلاف الصرب والبلغاريين والرومانيين فإن تاريخهم (تاريخ اليونانيين) كان دائمًا مضفورًا بتاريخ الغرب. إلا أن اليونان أيضًا حالة شاذة. إنها الخارج الأرثوذوكسي في المنظمات الغربية، ولم تكن عضويتها سهلة أبدًا في الاتحاد الأوروبي ولا في اﻟ «ناتو»، كما كانت تجد صعوبةً دائمًا في التكيف مع أهداف كل منهما.
من منتصف الستينيات إلى منتصف السبعينيات كانت تحكمها مجموعة عسكرية ولم تتمكن من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلا بعد أن تحولت إلى الديمقراطية. كان قادتها كثيرًا ما ينحرفون عن المبادئ الغربية ويُعادون الحكومات الغربية. كانت أفقر من دول الاتحاد واﻟ «ناتو» الآخرين، وغالبًا ما كانت تتبع سياسات اقتصادية تبدو إهانة للمستويات السائدة في بروكسل. تصرفاتها كرئيس لمجلس الاتحاد الأوروبي في سنة ١٩٩٤م أغضبت بقية الأعضاء، كما كان المسئولون الغربيون — في السر — يعتبرون عضويتها غلطة.





