سيمياءُ الحنينِ في مرايا التصوف:قراءةٌ في بؤرةِ التبئيرِ عندَ الشاعر العراقي عدنان مهدي الطائي – ا.د حمام محمد…الجزائر

ينَ يَدَيَّ قَصيدَةٌ لِلشّاعِرِ عدنان الطائي، أَرَدْتُ إِخْضاعَها إِلى رُؤيَةٍ نَقْدِيَّةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ رُؤًى ثَلاثٍ، نَظَرَ مِنْ خِلالِها حنة مينا إِلى العالَمِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْتَشِفَ عالَمًا خَفِيًّا رَآهُ الشّاعِرُ بِعَيْنٍ مُحَدِّقَةٍ إِلى دَرَجَةٍ أَنَّها كانَتْ لا تُريدُ أَنْ تَرْمِشَ، وَعَدَمُ فِعْلِ الرَّمْشِ أَغاظَ قَريحَتي، وَبَحَثْتُ في عُمْقِ العُمْقِ لَعَلِّي أَظْفَرُ بِعَتَبَةٍ أَوْ ما نُسَمِّيهِ بُؤْرَةَ التَّبْئيرِ، الَّتي مِنْ خِلالِها يَتَمَسَّكُ الهُلامِيُّ أَوِ السِّيتوبلازما في خَلِيَّةِ التَّنْعِيمِ البَشَرِيِّ.
يَنْظُرُ الشّاعِرُ في حِوارٍ نَراهُ خافِتًا، وَلَكِنَّهُ أَعْمَقُ سِمَةً، مُحاكاةً دَفِينَةً كَأَنَّهُ يُسائِلُ النَّدَى قَطَراتِهِ الغائِرَةَ وَالمُنْسَابَةَ انْسِيابَ الحَنِينِ مِنْ خُضْرَوِيَّةٍ جَذَّابَةٍ، وَيَجْعَلُ لَهُ نِدًّا ذلِكَ الصَّوْتَ المُرْتَبِطَ بِوَقْعِ قَطَراتِ النَّدَى، يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْتَ أَرَقُّ.
إِلى هُنا نَسْتَنْتِجُ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ:
الأَوَّلُ: هُوَ مُحاوَلَةُ التَّمَعُّنِ وَالتَّفَحُّصِ، ثُمَّ التَّكْبِيرُ مِنْ قُدْرَةِ الوَقْعِ عَلَى الأَرْضِ أَوْ عَلَى الماءِ، فَالماءُ إِذا وَقَعَ عَلَى الماءِ التَحَمَتِ الأَصْداءُ مَرَّةً واحِدَةً، فَإِنَّ الصَّوْتَ يُريدُ أَنْ يَحْتَلَّ عُمْقَ التَّفْكِيرِ، فَهُوَ قَدِ اسْتَخْرَجَ مُوارَبَةً جَمالِيَّةً، لَكِنَّها مِلْكٌ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّنا نَقْرَأُ ذلِكَ في كَثِيرٍ مِنْ أَدَبِ الهايكو، وَحَتّى شِعْرِ نزار قباني، وَلَكِنَّ الكَلِمَةَ الجَماهيريَّةَ يَلْزَمُها التَّنْظِيمُ، لَكِنَّ المُحاكاةَ تَبْقى أَبَدِيَّةً قابِلَةً لِلتَّصَرُّفِ.
أَمّا الشَّيْءُ الثّانِي: فَهُوَ اخْتِلاؤُهُ بِالوَصْفِ الدَّقيقِ وَالتَّمَيُّزِ الفَرْدانِيِّ لِذلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي يَسْكُنُ مَشاعِرَهُ الدّاخِلِيَّةَ؛ لِأَنَّ العَلاقَةَ عَلاقَةُ طَيْفٍ وَحَنِينٍ… قالَ:
لا تَسْأَليني عَنِ النَّدَى
فَصَوْتُكِ أَرَقُّ مِنْهُ وَأَكْثَرُ سَنًا
يَرْمِيهِ السُّؤالُ مَرَّةً أُخْرَى إِلى مَسْأَلَةِ القَلْبِ، وَهُنا تَجْتَمِعُ الثَّقافَةُ الصُّوفِيَّةُ أَوِ التَّأْوِيلِيَّةُ؛ لِأَنَّ القَلْبَ هُوَ غُرْفَةُ الانْبِلاجِ في الفُيُوضاتِ، وَلَكِنَّهُ أَكَّدَ مُخالِفًا لِمَنْ شَرَعُوا السِّياحَةَ الصُّوفِيَّةَ انْطِلاقًا مِنَ القَلْبِ، فَالقَلْبُ لِلْحَنِينِ، وَلَكِنَّهُ وَطَنٌ يَسْكُنُهُ. يَبْرُزُ التَّشابُهُ في الكَيْفِيَّةِ وَالمَعْنَى وَالرِّفْعَةِ، إِنِّي أَغْبِطُهُ لَمّا يَتَحَوَّلُ الوَطَنُ إِلى ذلِكَ الشُّعُورِ الحَنِينِيِّ الغَرائِبِيِّ الَّذِي يَعْتَرِينا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلى عُمْقِ الفَنِّ وَجَمالِيّاتِهِ.
يُحَدِّدُ السُّؤالُ أَنَّ قَلْبَكِ الصَّغِيرَ قَدْ دَنا، وَالدُّنُوُّ صِفَةٌ كَبِيرَةٌ لَها تارِيخٌ في العُلْيا. أُصَدِّقُكَ القَوْلَ إِنَّ المَنْظَرَ صُوفِيٌّ اتِّباعِيٌّ إِلى عالَمِ الفُيُوضاتِ، مَنْ يَقْرَأِ البِدايَةَ يَظُنُّكَ مُرَحَّلًا إِلى ذاكَ مِنْ ذاكَ، وَلَوْلا ذاكَ لَما تَبَيَّنَ أَنَّكَ حَسّاسٌ إِلى دَرَجَةٍ لا تُوصَفُ. أَخالُكَ تُريدُ أَنْ تَبُوحَ، وَلَكِنَّ هُناكَ عَتَبَةً، سَمِّها إِنْ شِئْتَ عَثْرَةً، تُعَرْقِلُ النَّفاذَ في أَمْرِ الاخْتِراقِ المُنْصِفِ إِلى قَلْبِكَ وَقَلْبِها وَالدُّنُوِّ.
لا تَسْأَليني عَنْ قَلْبِكِ
فَهُوَ وَطَنِي، وَقَلْبِي مِنْهُ دَنا
الآنَ يَظْهَرُ الاعْتِرافُ بِالعِشْقِ، لا التَّوَلُّهِ وَلا الهُيامِ، وَكانَ الشّاعِرُ يَعِيشُ الهُوَيْنَى، وَأَنَّ مَلِكَ العِشْقِ قَدْ تَغَشّاهُ إِلى غايَةِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ أَوِ الضَّبابِيَّةِ العَيْنِيَّةِ. إِنْ سُئِلْتَ عَنِ العِشْقِ، فَقَدِ انْبَرى العِشْقُ في مِلْيارِ مُحاكاةٍ مُنْذُ فَجْرِ التّارِيخِ، بَلْ لَقَدْ أَصْبَغَ جَمِيعَ الأَمْكِنَةِ في القُلُوبِ الحَسّاسَةِ، وَما أَنْتَ إِلّا عاشِقٌ يُريدُ أَنْ يَتَثَبَّتَ بِالسَّطْحِ طَلَبًا لِلتَّمَيُّزِ، لِأَنَّ مَنْ تَعِقَ مُمَيَّزًا، وَإِلّا لَما سارَ الأَمْرُ إِلى حَدِّ اللّاسُؤالِ. في رَأْيِي أَنَّ كُلَّ الأَسْئِلَةِ قَدْ يُجابُ عَلَيْها بِنَوْعٍ مِنَ المَنْطِقِ، إِلّا سُؤالَ العِشْقِ، فَهُوَ سُؤالٌ مُرَكَّبٌ عَلَى الكَذِبِ، فَكُلَّما تَرَى الإِجابَةَ تَحِسُّ كَأَنَّها هِيَ وَما بَلَغَتْ حَدَّ التَّصْديقِ، حَتّى نَكادُ نَقُولُ إِنَّ العِشْقَ مَجَرَّةٌ هارِبَةٌ في سَديمٍ لا نِهايَةَ لَهُ…
أنظر قَوْلَهُ:
لا تَسْأَليني عَنْ عِشْقِي
فَفي دَهالِيزِ حُبِّكِ انْتَشَى
يَأْتي الانْبِعاثُ الوِجْدانِيُّ وَالعاطِفِيُّ كَأَنَّهُ يَهْرُبُ إِلى حَتْفِهِ مِنْ سَماءٍ إِلى سَماءٍ، تَعْبِيرٌ جَيِّدٌ، حَتّى لا أَقُولَ تَشْبِيهًا خُرافِيًّا، فَالجَوْلَةُ لَيْسَتْ في السَّماءِ بَلْ في الأَرْضِ، وَإِلّا لِماذا سَأَلَ النَّدَى؟ كُنْ هادِئًا وَأَخْبِرْ قَلْبَكَ مَنْ يَسْبِقُ الآخَرَ: طَيْفُكَ أَمْ طَيْفُها؟ إِنَّ في الأَمْرِ خُطْبَةً يَجِبُ أَنْ تُحَلَّ بِمُتَلازِمَةِ اللُّغَةِ القَوِيَّةِ الَّتي تَسْتَعْمِلُها كَأَنَّها فانوسٌ مُضِيءٌ، لِكَوْنِ الصُّورَةِ لَمْ تَتَشَكَّلْ قَبْلَها، كانَ الطَّيْفُ هُوَ الَّذِي يُطارِفُ خَيْطَ دُخانٍ، عَلى حَدِّ قَوْلِ عبد الحليم حافظ.
طَيْفُكِ يُلاحِقُني كَالنَّسيمِ
مِنْ سَماءٍ إِلى سَماءٍ
الصُّورَةُ الآنَ تُوَضِّحُها كَأَنَّ لا شَيْءَ حَدَثَ، وَلا هُروبَ وَلا مُلاحَقَةَ؛ لِأَنَّها كَحَفْرَةٍ بِالعَيْنِ، واقِعَةٍ عَلى شَبَكِيَّةِ العَيْنِ، تَأْوِيها، أَزالَتْ فَراغًا لِلْمَشاهِدِ الأُخْرَى، هِيَ التَّكْمِلَةُ وَالتَّجَمُّلُ وَالتَّكَوُّنُ، ما دامَتْ تَسْكُنُ في حَدَقَةِ العَيْنِ تارَةً، وَلَيْسَ لَها آخِرَةٌ؛ لِأَنَّ الشّاعِرَ رَبَطَها بِالحَفْرِ، فَأَصْبَحَتْ جاثِمَةً كَتِمْثالِ بُجْماليونَ في مَسْرَحِ توفيق الحكيم. وَمَعَ ذلِكَ أُقِرُّ أَنَّكَ مُسْتَلْهَمٌ لِرُؤًى وَحِكاياتٍ مِنْ واقِعِ الهُيامِ، ها أَنْتَ تَقُولُ:
وَصُورَتُكِ مَحْفُورَةٌ بِعَيْنِي
تَتَوارى بَيْنَ أَسْطُرِي وَلا تَأْبَى
يَذْهَبُ الأُسْلُوبُ الوَصْفِيُّ، وَتَكْثُرُ الإِثارَةُ الوَصْفِيَّةُ عَلى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، عِنْدَما تَتَحَوَّلُ تَفاصِيلُ الصُّورَةِ إِلى مُجَرَّدِ حُروفٍ وَقَنادِيلَ وَاشْتِهاءٍ. خُذْ في طَرْحِكَ أَنَّكَ الآنَ تُعانِي مِنْ بُهْتِ قَيْلُولَةٍ، تَرى الصُّوَرَ وَتَتَرَجّى، وَكَأَنَّ اعْتِرافاتِكَ كُلَّها مِثالِيَّةٌ، الأَجْدَرُ أَلّا تَتَرَجّى هُنا؛ لِأَنَّ النِّهايَةَ اتَّضَحَتْ مِنْ خِلالِ الدُّنُوِّ مِنَ الصُّورَةِ الَّتي بَحَثْتَ عَنْها وَفَكَّكْتَها عَلى طَرِيقَةِ رولان بارت في التَّضْمِينِ.
أَنْتِ أَحْرُفُ حُبِّي الأُولى
وَقَنادِيلُ عِشْقِي المُرْتَجى
وَتَسْتَمِرُّ حِكايَةُ البَحْثِ عَنِ البُؤْرَةِ القاضِمَةِ، حِينَ رَبَطَ بِيَأْسِ كُلِّ حِكاياتِ الدُّنْيا بِقَصِّهِ وَفَصْدِهِ، طالِبًا عَدَمَ السُّؤالِ: مَنْ هُوَ؟ تَتَرَدَّدُ الهُوِيَّةُ في الإِفْصاحِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَفْصَحَ عَنْها في السّابِقِ، وَهذَا الظَّنُّ تَمَّ لَمْسُهُ مِنْ خِلالِ أَسْئِلَتِكَ وَأَجْوِبَتِكَ الباطِنِيَّةِ الَّتي حَوْصَلْتَها في أَجْوِبَةٍ راقِيَةٍ ذاتِ ثَناءٍ شِعْرِيٍّ، قُلْتَ، وَهذَا واضِحٌ:
وَكُلُّ أَبْجَدِيّاتِ الدُّنْيا
لا تَسْأَليني مَنْ أَكُونُ أَنا؟
وَصَلْتَ بِنا، وَيا لَيْتَكَ ما أَوْصَلْتَنا، لِتَقُولَ في الأَخِيرِ إِنَّ غُرْبَةَ الأَسْئِلَةِ الَّتي مَنَعْتَها عَنْها وَعَنّا، ما هِيَ إِلّا انْكِساراتٌ ضَوْئِيَّةٌ مَرَضِيَّةٌ، كَالَّتي تُصِيبُ سُكَّرِيَّ الشَّبَكِيَّةِ، فَتَزِيغُ بِهِمُ الأَبْصارُ، كَما تَتَباعدُ عَنْ هَنْدَسَةِ النُّجُومِ، فَنَراها مُجَرَّدَ حَبّاتٍ تُشْبِهُ الجُدَرَةَ أَوِ النِّقاطَ السَّوْداءَ الَّتي تُخالُ العَيْنُ حِينَ تَتَحَرَّكُ شَبَكِيَّتُها. أَنا قُلْتُ: بِدُونِ صَدى، وَهذَا فَأْلٌ جَيِّدٌ، نَرْتَقِبُ لَهُ صَدى في الطَّرْحِ الآخَرِ حِينَ تَقُولُ:
أَنا انْكِساراتُ أَضْواءِ النُّجُومِ
مِنْ غَيْرِ صَدى
أَنا الزَّمَنُ جاءَ مِنَ السُّكونِ
أَنا كَالْقِطارِ يَمْلَؤُهُ شَجى
تَهْبِطُ مِنَ الفَضاءِ بِاسْتِعْمالِكَ لَفْظَ الزَّمَنِ القادِمِ مِنَ السُّكونِ، وَكَأَنَّكَ تَجْلِسُ أَمامَ صُورَةٍ أَحْبَبْتَها وَلَمْ تَنْطِقْ لَها بِبِنْتِ شَفَةٍ؛ لِأَنَّكَ لا تَكْرَهُها، وَإِنَّما رَفَعْتَها فَوْقَ المُرادِ، وَبَحَثْتَ في لُغاتِ الفَنِّ، فَلَمْ تَجِدْ مَقاساتٍ وَلا قِياساتٍ، لِتَتَصاغَرَ في أَخْيِلَةِ عِشْقٍ مِنْ زَمَنٍ إِلى قِطارٍ إِلى عُصْفُورٍ لَمْ يَجِدْ حَتّى شَجَرَةً أَوْ حَتّى أَوْراقًا يَنْفُضُ عَلَيْها تَعَبَهُ، وَحَرَكَةُ البَطُوطِيَّةِ في عالَمِ التِّيهِ وَالسِّياحَةِ التَّأَمُّلِيَّةِ. دَوْرَةُ خَيالِكَ أَعْجَبَتْنِي كَما أَغْبَطَتْنِي، لَكِنَّ طَرِيقَ الوُصُولِ لَمْ تَكُنْ مَنْطِقِيَّةً في الجَدَلِ، وَإِنَّما كانَتْ فَلْسَفِيَّةً، نَسْتَطيعُ أَنْ نَجِدَ لَها أَلْفَ مُحاكاةٍ، وَأَنْتَ تَعْتَرِفُ أَمامَها، يا عُصْفُورَنا السّائِحَ، بِالصَّداقَةِ، وَأَيُّ صَداقَةٍ! فَهِيَ صَدْحُ حُبٍّ في صُورَةِ صَديقَةٍ، ها أَنْتَ تَصِفُ:
أَنا كَالْعُصْفُورِ يَعِيشُ بِلا غُصُونٍ..أَنا صَديقٌ بِلا صَديقٍ..مُعَفَّرٌ بِتُرابِ النَّوَى.فَلا تَسْتَغْرِبي مَنْ أَكُونُ أَنا.





