القصة القصيرة

سطور في سراديب أهل السّماء – روضة بوسليمي (ج3)

صورة قريبة لامرأة ترتدي حجابًا أسود وملابس داكنة، تعبير وجهها هادئ وجاد، وتظهر عينيها بوضوح.

 ويعلن لها متلهّفا :” أحبّك إلى ما بعد حدود الكون ..بل إلى ما أبعد من أطرافه يا من تنبت الأزهار من كفّيها ..”

اااااه …!!! لو تعلم كم يشتاقها !! وكم يشتاق الحديث معها  كمن آمن بشرعيّة الحبّ قبل أن يُخلَق الكلام

يغازلها كمفتون كان في خنادق الأرض  وحلّق إلى  جنائن أهل السّماء …فدبّت الحياة في جسده …

يقول لها أنّها منارته وأنّه بحّار مبتدئ فتسرّ إليه بعشقها للبحر وإن لم تسعفها

بوصلتها ولم ترشدها إلى حيث مرفئ آمن  تؤمّه النّوارس …يحدّثها عن  قلب كجزيرة فاتنة  علّقها بين الأرض والسّماء في انتظار أميرته …تحدّثه عمّا فعلته رياح عاصفة بخيمتها وتركتها في العراء..وكيف يحاصرها وجع وبرد من جهات سبع ..ولكنّها روحا تناديه

كما ينادي عبد بارّ مولاه القريب و كما يناجي من صَلُح أمره ربّه الودود …يعبّر لها عن فرحه الكبير وعن سعادته الأكبر مع أنّ الفرح عنده مؤقّت محدود وإن كثر… أمّا السّعادة  فهي أبديّة لا تتقيّد بمكان وزمان وحدث …يقول ذلك كأيّ مغرم يفتعل الحديث مع محبوبته

ليهمس لها كأيّ بطل بألف ألف كلمة جديدة

.يسرّ إليها بكلّ صغيرة وكبيرة، لا يخاف من مصارحتها …يشكو لها… ويشكو منها

:”  أيّ حبّ هذا ؟ أيّ سحر يربط بين عينيك وعمري يا حبيبة قلبي .. !! أيّ عشق هذا الذي يجعلني لا أستكثر على روحك أن أفتّت جسدي ذرّات كي أرمّم قلبك المكسور ..!!”…

  يقول لها ذلك وهو مازال يخشى أن يكون ما يعيشه حلما…

يعيد سؤاله للمرّة الألف بعد الألف :” هل  أحببتني بقدر ما أحببتك يا قبلة أقدامي ..؟ “

تجيبه ملء صدرها الضّاجّ بالعشق :” نعم يا ناصر قلبي وابن فؤادي وأنيس روحي … ،عاشقة هائمة أنا  وبي لوعة …

أحبّك

حبّا منزّها عن كلّ ضعف ونقص

… أعيشك في ليلي ونهاري يا حبيبا تدور المجرّات حوله …لا رجل قبلك ، ولا رجل بعدك ، ولا ندّ لك ، ولا شريك لك في قلبي سل نبضك ينبئك بالنّبإ الجليل …”

تقول له ذلك وتلك الهالة الإيمانية تملؤها  كأيّ متعبّد يهيم في ملكوت ربّه …كيف لا وهي التي  قرأت تلك النّظرة الثّاقبة من عينيه وأدركت أنّه ممن رفعت عنهم الحجب …في حين ينصت قلبه المبهور المنبهر إليها بكل ما أوتي من إجلال شديد لها  ممزوج بالحبّ لروحها الهادئة…ينشد فيها لحنا سماويّا تنبت على وقعه أزاهير الرّبى …

تنصت إلى عزفه حتّى يمسي ماحولها كاشفا…يودّ لو أغرقها في حبّه …يودّ لو جثا على أعتابها وهمس إليها بكلمات لم تخلق بعد ..!!

شافيات لعلل عشّشت في صدره وأخرى

سكنت قلبها حتّى أمسى معطوبا

يقول لها بصوت أدركت من خلال نبراته أنّه كمن يرثي عمرا مرّ ويربّت على كتفي فؤاد لم يجدِ معه الرّواء :” عجبت لأمري مرارا ، إذ كيف كنت مع نساء قبلكٍ؟ كيف عايشت

الخبث والبرد ؟ الخسّة وضيق الأفق ؟…و التّذمّر والرّتابة…!!!”

مازال لا يجد تبريرا  لبكاء يلمّ به كلّما أراد أن يعبّر لها عمّا يدور في خاطره …مع أنّه لا يستغرب أن يكونا في العشق  أسطورة تفوق أساطير ولّى زمانها…

مازال حبّه يتكاثر في قلبها كالفرح  بلا حدّ

ومازالت تنزّهه عن كلّ مقارنة أو تشبيه ففي ذلك أذيّة لأنيس دربها…

تفتقده … يفتقدها…تسابق الزّمن… تسامره بنهم تعويضا

وجبرا عمّا سرق منهما …يريدها في ركنهما

يتبرّك بوجودها …،تشاركه تفاصيل ما بقي من عمرٍ  كم تمنّى أن يتوقّف في ذاك اليوم المشهود  حين غمرهما طوفان المشاعر  فانجرفا طوعا وغرقا حبّا يتطهّران من حزنهما ،معلنين اكتفائهما ببعضهما …ليكتبا حكاية ما كتبها الأوّلون من قبل…فهما توأم لم يسبقهما في العشق أحد …لا شبيه لهما بين القصص كخلق المسيح ، كقصّة  يوسف مع البئر و خزائن الأرض…

تمضي حكايتهما تتقلّب بين  وجد وسكينة …وقد صار حبيبها نزيل قلبها وأصبح أنيس نبضها كلّ الأهل بعد أن خلع وحدة لطالما تلبّسته

يتبع …

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading