مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أمل على وسادة – د. يسري ربيع داود

صورة لرجل مبتسم يرتدي بدلة بني وأربطة حمراء، مع خلفية تحمل ألوان العلم.

استيقظت قرب الفجر في غرفتي المظلمة إلا من بصيصٍ نورٍ، يسبح فيه الهباء العابر من الصالة نحو صورةٍ معلقةٍ وسط الجدار القديم، حيث تعمّ الغبرة ذلك الظلام، غبرة تعم الظلام كتلك الهموم التي في شغاف قلبي. جلست على سريري ممددةً. نفضت كل تلك الهموم وابتسمت، فركتُ عينيّ، جلست أتذكر تفاصيل ذلك الحلم الذي أعاد لي قدرًا من الراحة.

كانت فارعةً، بعينين عسليتين، ووجنتين ينبض فيهما الورد، تبسم عن أسنان كاللؤلؤ، ينسدل الشعر الأسود على كتفيها، بدا وجهها المدورُ كقمرٍ وسط ليلٍ حالك ، ترتدي تنورة سمراء، عليها بلوزة بيضاء، آتية من ساحة شاسعة خضراء. ربَّتت على كتفي، تمسح دمعات قد انسالت على خديّ. أحسست بحرارة تلك الدمعات أثناء نومي. تعجبت من ذلك الطيف الذي أبهرني بلمسته الحانية التي افتقدتها طول عمري ، نظرتُ إليها متسائلة :

– من أنت؟

لم تتكلم. أومأتْ باطمئنان. مدت يدها. أمسكت بكفي، فجعلته حذاءَ كفِّها. ابتسمتْ وقالت بصوت مطمئنٍ هاديء :

– تأملي الكفين جيدًا، فستعرفين من أكون.

بدا لي الكفان كأنهما كفٌّ واحدٌ في مرآة، فلا فرق بينهما. قلت لها بوجلٍ مصحوبٍ بشيءٍ من فرح :

– أنت أمي؟

قالت بطيبةٍ : وهل يشعر بحزنك أو فرحك سوى أمك؟

مسحتْ على رأسي، طبعتْ قبلةً على جبيني، ابتسمتْ وغادرتني.

قد فارقتني في الحياة، عند الخامسة، فلم يبق في ذاكرتي شيءٌ من ملامحها التي استعدتها شيئًا فشيئًا .

أحسست بعدها بغصّة تمرر حلقي، وقبضة في قلبي أعادت طيور الهمّ تعششُ في رأسي بعد أن اكتشفت أنه مجرد حلم، وأن تلك البسمة لم تكن سوى طيف.

رأيت في الظلام صورة أخي يكرر عليّ ما ردده طوال الأمس حينما عاتبته على القطيعة :

– لا تكوني سبب ضغطٍ علينا، ليس لدينا الفراغُ الذي يجعلنا نزوركِ أكثرَ من مرةٍ في السنة، وضيقُ العيش يمنعنا من أن نحملَ لكِ الزيارات!

ذهب وأغلق الباب دوني وتلك الصورة التي على الجدار وبعضًا من الأثاث. تركني وحيدة أعاني مرارتين، مرارة الوحدة، ومرارة اليتم.

قررت أن أعاود النوم، فلعلها تأتي فتخفف عني بعض ما أشعر به من ألم.

قبل أن أضع رأسي على وسادتي، نظرت إلى تلك الصورة القديمة المعلقة على الجدار، يسقط عليها شعاعٌ من نور باهت، وجدتها تنظر إليّ بابتسامة حانية، تفيض بالرحمة والحنان،احتضنت طيفها ورحت انتظر قدومها لتؤنسني حتى الصباح.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading