📰 آخر الأخبار
حين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجيFree as the winds /Djina Dundova-Pancheva/Bulgaria الحرباء/آمال الزهاوي-العراقفرسٌ دمشقيّة/نور الموصلي-سوريا الأخطل الصغير/القس جوزيف إيليا
حين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجيFree as the winds /Djina Dundova-Pancheva/Bulgaria الحرباء/آمال الزهاوي-العراقفرسٌ دمشقيّة/نور الموصلي-سوريا الأخطل الصغير/القس جوزيف إيليا

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

دستور … يا سيدة/يوسف إدريس

المربع الثاني

ليكن، فإن كان المقياس المعزَّة، فإن أحدًا على ظهر الأرض حتى أولادها أنفسهم ليسوا بأعزَّ عليها منه. أما هو فقد استكان إلى ملجأٍ غريب لم يُجرِّبه أبدًا، أحَسَّ معه بكل ما عاناه ويعانيه، بكل شظف العيش مع أبٍ حشَّاش عجوز، ونساءٍ يشتهينه حتى ليلتصقن به عامدات فوق السلَّم الضيق، بكل شيءٍ كأنه ما كان ولن يكون، كأنه يُولد هذه اللحظة ولادةً تحُفُّ بها كل أحلامه، كلُّ ما حرم منه، كل ما سوف يُحرَم منه.

ليكن الحب!

لتكن الجنة!

لتكُن أقصى سعادته الآن أن يستسلم للأحلام التي بدأَت تخلعه من الواقع، وتحمله بتؤدة إلى النوم. ولتكن إغفاءتها هي الأخرى علامة شبعٍ بعد مائدةٍ انتظرَتْها، جوعى تتلوَّى لسنوات.

ليكن! لولا أنه مع الدفء، وبعيدًا عنهما تمامًا وعن العقل والأحلام والمتعة المُتخيَّلة، بدا ثَمَّةَ جسدٌ يُحس بجسد، مباشرةً وبلا واسطة، تاركة العقول تسبح فيما تشاء، عاقدة هي وبلا أي قوة تستطيع إيقافها الصلة والاتفاق.

والأجساد لا تتخيل وتحلُم، إنها لا تعرف للتعبير عن نفسها إلا الالتحام والاحتواء، بينما الأحلام تلتقي ورديةً لقاء الخيال والعالم اللاملموس.

وبدأ الجذب.

رغم إرادتَيْهما معًا.

هو — بحركاتٍ لا يمكن رصدها — يُكوِّر ويُصغِّر نفسه أكثر وأكثر، وكأنما لو تُرِك لعِنانه لأحال نفسه إلى طفل يستكنُّ في بطنها كالجنين.

وهي — بإيجابية السلب المطلق، بالقدرة على الاحتواء — تضمُّه، بادئة بيده التي أنقذَتها من حادثٍ محقَّق تعتصرها بين أصابعها، إلى وجوده الجسدي الكبير الغريب المُتكوِّر، إلى حياته كلها وأبيه وحجرته وملابسه المعلَّقة تجف، تحتويها كلها، وتضمهُّ وكأنما لتُعيده إلى حيث يجب أن يكون، إلى بطنها وذاتها.

عاطفة الحب التي بدأَت لا جسدية بالمرة، وكأنها من صنع الخيال، ما إن بدأَت الأجساد تتقارب، حتى استحالت إلى قوةٍ تُلهب الجذب، وتشرك فيه الإحساس والمعنى والخيال.

ولو كان ملاكًا وكانت هي قديسة.

ولو كان الجزاء الموت حرقًا أو فوق خازوق.

ولو اجتمعَت الدنيا كلها لتُوقف قوة الجذب الخارقة لوقفَت عاجزة.

فما يحدث كان في الواقع سرُّه من سر الحياة، وقُوَّته من قُوَّتها.

الحياة حين يُصبِح هدفها الأوحد من البقاء والوجود والاستمرار أن تتحد.

الحياة حين تخلق العاطفةُ قوةً تجذب، فإذا تلامَس الحيَّان فلا شيء بإمكانه أن يُفرِّق بينهما. لقد استعانت بأولياء الله ومشايخه، وبالسيدة، وبصبرها الذي طال عشرين عامًا، بابتسامة أبيها الحنون، بأمها المرحومة ذات العشر حجَّات، بالفاتحة وآية الكرسي، وكلِّ ما يطرُد الشياطين، واستعان هو بشيخِ طريقته، وتعاليمها، وكلِّ ما تراكَم في ذاكرته من أوامرَ ومحرَّمات، ولكن جوع الجلد إلى الجلد، جوع الضلوع إلى الضلوع، وظمأ الفم إلى الفم، والسيقان لتلتفَّ حول السيقان كان هو الذي كل مرة ينتصر، ويقهر.

جذبٌ من جذب ذلك الكون الشاسع القادر على تعليق كوكبنا، بل شمسنا، وملايين غيرها، في فراغه المخيف بلا شيءٍ سوى جذب التجاذُب وجذب التنافُر، جذبٌ لا يدري للآن أحدٌ سِرَّه، ذلك الذي يجذب المرأة إلى رجل بالذات لتستعمله كوسيلةٍ تحصل بها على نسخةٍ من صنعها هي لهذا الرجل، على ابنٍ ما أروعَه لو جاء تمامًا كأبيه لتستميت في حبه، وحبَّذا لو أُبيح لها أن تختار هذا الابن نفسه ليُنتج لها ومن ذات نفسها أيضًا ابنًا آخر، أكثر قربًا لما تُريد وتهفو!

جسدان راقدان متجاوران متلاصقان هذا صحيح، من ساعاتٍ كانا مجرد كائنَين مثلهما مثل الملايين الأخرى من الكائنات، ملتصقان وكأنما بفعل مغناطيسٍ قانونه الأوحد أن يتجاذب قطباه، حتى لو كان أحدهما في الخمسين والآخر لم يبلغ العشرين، بل حبَّذا لو كان أحدهما في الخمسين والآخر دون العشرين!

جسدان خلَّفَتْهما قوانينُ حياة لا تقهر، قوانينُ أكثر تعقيدًا وهولًا من كل نزعات الإنسانية للتخلص منها، قوانينُ غريبةٌ سارية تُحيل الفراغ بينهما، إن كان قد بقي فراغ، إلى جحيمٍ من الانفعالات المكبوتة، والقاهرة المنطلقة، والمناطق المحرمة التي شيئًا فشيئًا تُستباح، وهي مستميتةٌ تتشبَّث بخط دفاعها الأخير كأمٍّ لأولادٍ مقرَّبين ناجحين متعلمين، تستحضرهم بكل ما لديها من يأسٍ لتمنع بهم المشهد القائم، أو تُوقف التحرَّك إلى المشهد الفاجع التالي؛ لينقذوها على الأقل من كهاربَ وتياراتٍ وأحاسيسَ تشُلُّ إرادتها شيئًا فشيئًا، وتُعمِّق لديها إحساس الأم؛ ليُوقفوا الحفر الدائب داخله وداخل قُدرتها على العطاء، حتى لا تبلُغ هذه القدرة على العطاء والمنح أقصى مداها، بحيث — أعوذ بالله، أعوذ بالله — تنقلب بفعل أي دفعةٍ أخرى بسيطةٍ إلى رغبة في الأخذ والاستقبال، وتمضي قُدمًا في خط الأمومة لتصل إلى أقصاها حيث الأُنثى، ومن رغبة الشاب إلى رغبةٍ مُلِحَّة في الحصول على صفاته وملامحه، وعليه كله مُصغَّرًا، وفي حجم بويضتها المُتربِّصة المنتظرة.

بينما تبلغ به رغبتُه فيها كأم إلى حدٍّ لم يعُد يحتمله إلى حدٍّ يصبح كل أمله ومناه أن تكون أمه وحده، بحيث تنغلق عليه دون سواه من البشر أو الإخوة أو الزواج والأبناء، تبلُغ به الرغبة حدًّا يجعله يحتاج إليها كأمٍّ إلى الدرجة التي لا يعود يكتفي فيها بمعالم الأمومة الظاهرة، إنما يبحث وإلى آخر رمق، حتى يصل ويستولي على كُنه الأمومة فيها، على الأنثى فيها؛ فالأم دائمًا أكبر من أي ابن، ولكن الأُنثى لا ينالها إلا رجلٌ واحد، وتكون له وحده.

ومهما كانت الردود وفعل الردود، والإقدام مرة والخجل مرة، بحضور تاريخٍ طويل من النواهي والأوامر مرة، واختفائه خلف قوانين الحياة العظمى مرةً أخرى، به حين يبدأ يتصرَّف كشاب فتنهره كأم، وبها حين تضُمُّه مُؤمِّلةً أن تُسْكِته بأمومتها فتتحول الأمومة بفعل النار الموقَدة إلى أنوثة، بالأربعة معًا الابن والأنثى والأم والشاب في صراعٍ لا رحمة فيه بين بعضهم البعض، وبينهم وبين أشباح الآخرين الحاضرة، وأشباحٍ غابت ومقدَّسات لها مفعول الأزل، بهذا كله ترتفع الحرارة حتى يتشعَّب اللهب، وعلى لهيبها تحترقُ أشياءُ كانت لا تقبلُ الاحتراق، وتذوبُ النواهي، ويذوب كلُّ ما كان، وكل ما سيكون، ولا يبقى سوى المرأة المحتمية بالأم فيها، والابن التائه يبحث عن أُنثاه المختفية داخل المرأة الأم.

ولو الأمر أمر الأجساد وتلقائيتها لانعكس التيار الصادر عنها يُعطيه الأنوثة أمومة، إلى تيارٍ يستقبل العطاء ويُحيل البنوة ذكورة.

ولكن الإنسان ليس جسدًا فقط، إنه ليمتلك في جسده عضوًا غريبًا ساحر المفعول اسمه العقل، ودون إشراكه وموافقته فلن يصدُر عن الجسد فعل أي فعل، أو يتحرك مستقلًّا قيد أُنملة.

وباستماتة، وكأنما استجابة لدعائها الحار بالأولاد وقد استجمعَتْهم كالجيش «العرموم» حولها يتواثب منه أحفادها، ويستنكرون مسلك الجدة، بينما آباؤهم يتطلَّعون بعيون زوجاتهم إليها، حيث استحضَرَت المرحوم هو الآخر وسنوات الكفاح والرفض المستميت للزواج من بعده، حين حشدَت التاريخ الماضي كله ليمنع لحظةً فاصلة، حدثَت المعجزة، واستعادت الأم والأرملة العذراءُ سيطرتها، وانتابتها من هولِ ما هي فيه رعدةٌ وأفلتَتْه.

ولكن ربما لقِصَرٍ في تاريخه، ربما بحكم السن، لم يستطع هو أن يعود للحاضر أو يُخفي عنها أو عن نفسه رجولته ولا رغبة الرجل في الأنثى، أي أنثى التي أصبحَت تُعميه. كان قد وصل بشعوره إلى نقطةٍ لا عودة فيها، بنفس استحالةِ أن تحدُث أصبح المستحيل تمامًا أن يعود.

المربع الثالث

المربَّعات التي تآكلَت سطوحُها، فبرزَت حوافها الملتصقة، مُربَّعات الدبش الأبيض الكبير التي تُكوِّن أرض الحجرة والشقة، المُربَّعات التي لا يُفلِح «الكليم» الرقيق الرخيص في تغطية حواف الدبش وعلاماته، المُربَّعات والكنبة الكبيرة العالية، والمنضدة المعدنية ذات الأرجل الثلاث، ونافذة الحجرة الحافلة بغسيله المنشور، كان الشهود ليسوا شهودًا على شاب في الثامنة عشرة قد جاءت معه بقدمها — ولو ملتوية — امرأةً إلى حيث يقطن، حتى وإن كانت قد بلغَت الخمسين، لا ولا بين طرفٍ رافض وطرفٍ يرغب، ربما الأدق أنها كانت معركةً بين كلٍّ منهما ونفسه، معركةً مبهمة غير واضحة، فثَمَّة سُحبٌ كثيرة من خجلٍ ذي درجاتٍ تلفُّها وتشمل المكان كله، درجاتٍ تبدأ بالخجل البسيط، خجل الأم أن يكتشف ابنها أنها أنثى، وخجل الابن أن تكتشف أمه أنه رجل، فجأةً يثور فيه الشاب فيحتوي الرقبة، ويُقبِّلها قبلاتٍ شابة محمومة.

وبحسمٍ تهمس: عيب أنا زي أمك، أنا، ولادي أكبر منك، أنا جدة والله.

فلتكوني جدةً أو جنِّية، فالمهم أنك الآن أمامي أنثى، وأنا الذكر حتى ولو كنتِ أمي نفسها وأوصَلْتِني إلى هذه الدرجة فلا تتوقَّعي أبدًا أن تجدي فيَّ الابن.

يُصبِح الكلام بلا فائدة فتَستعمل اليد، يدها، وتدفعه برفقٍ دفعة الأم لابنها المناكف، فيعود يُقبل عليها بإصرار الابن المناكف، تُريه الشعر الأبيض في رأسها ليُصدِّق، ليكتشف هو وتكتشف معه أن ناره لا تزيد إلا اشتعالًا، وأنها كلما قَرَّبَت نفسها من صورة أمه أو حاولَت أن تستثير فيه الابن، لا يفعل هذا كلُّه إلا أن يُؤجِّج الشاب، الذي بدا وكأن ما أصبح يُثيره فيها أنها أم، أمه، بل وصلَت إلى ما هو مرعبٌ أكثر، أنها هي كلما شعَرَت وأقنعَت نفسها أنه لا يعدو كَوْنه ابنًا، كلما أحسَّت ومنها له انطلقَت من أعماقها الأنثى، أنثى تُرعبها فهي أبدًا ليست تلك التي عاشت ابنةً مطيعة وربَّاها أب وأم وعلَّماها وزوَّجاها وأنجبَت أبناءً أنجبوا بدورهم أبناء، أنثى أكثر أنوثةً من كل ما تصوَّرَتْه في حياتها عن نفسها كأنثى، أنثى حبيسةٌ شيطانيةٌ تُدمدِم مُهدِّدةً بانفجار لا يعلم سوى الله مداه، أنثى كأنها الأذرع الطويلة القوية لأمومتها تختلجُ متحركةً في كل اتجاه، وتُريد إرادةً لا وسيلة لقهرها أن تُطبِق على الشاب الصغير إطباقةً تبتلعه فيها وتحتويه ليعود مرةً أخرى جزءًا منها. الشاب الذي — وأولادها حاضرون مُحدقون شاهدون — تراه هو الغريب أكثر قربًا وبنوةً منهم جميعًا. الشاب المضطرب بين خجله منها ورغبته فيها، الخجل حتى من ذكورته، بل خجل أكثر من أنوثتها. الشاب الذي وكأنما يريد اعتصار الأمومة فيها إلى حد الأنثى، أو يريدها كأنثى إلى درجة اعتصارِ كلِّ ما قد يكون فيها من أمومةٍ تخصُّه وحده دون سواه. ظمآن إلى المرأة من زمن، أمًّا أو أنثى، لم يعُد يكفيه أن يُطوِّقها أو يرقُد ساكنًا في حضنها، وإنما يقترب منها بكلِّ ما يستطيعه من اندفاعٍ كي ينتمي إليها كما يذوب فيها ويتلاشى، وكأنه الكوكب يعودُ بعد طولِ دورانٍ إلى أمه النجم.

ولكنها رغم هذا كله كان هناك في داخلها شيءٌ لم يكُفَّ عن الصراخ أبدًا، أو إشعارها بوجوده، شيءٌ يقول بأعلى صوتٍ ومُذ كانا على عتبة السيدة: لا، لا، لا. شيء قد يضعُف أو يخفق، ولكنه أبدًا لم يمنح ولم يكُفَّ ولم يتوقف للحظة، بل ظل يستجمع نفسه بكل قواه إلى أن انتفضَت مرعوبةً ملتاعةً دافعة إياه، وبكل ما تملك من قوة وعنف بعيدًا عنها. دفعةً كالصخرة ارتطمَت برأسه فأفاق، وأحسَّ أن كل ما راودَه أحلام، وأنه لا يزال ذلك اليتيم المنبوذ.

وحينذاك، وحينذاك فقط ورغمًا عنه بدأَت الدموع تتجمَّع في مأقيه وتطفَر، بينما عيناه تنظران إلى أمام، تلك النظرة الملتاعة المفجوعة المتأكدة أنها وبلا أمل، قد فقدَت حقيقة الأم.

نظرة اليتيم حين يرمُق طوابير الرجال والنساء مقبلةً تُعانق أطفالها ويتقافز حولها الأطفال، وهو الوحيد الذي ليس له بينهم أم، بل وأبٌ أيضًا.

تلك النظرة الغارقة في الدموع التي لمحَتْها بربع عينها، وأحسَّت بعدها أنها انتهت تمامًا، وأن على أي شيء أن يحدُث، ولكنها أبدًا لن تجعله يشعر بيتمه الثاني.

نظرة الأم لابنها في لحظة خطرٍ يُهدِّد أمومتها له أو بنوته.

وكان هذا الاندفاع والاحتضان والقبلات تغسل بها دُموعَه وتُهدهِد بها فوق ملامحه الكسيرة.

– أمال بتزقيني ليه؟

– مش ح ازقك.

لم يكن ردًّا، كان قرارًا وإلى جهنم مباشرةً فلتذهب.

– تعالَ، تعالالي.

وجاء ولم تَحتوِه أو يَحتوِها، إنما فقط ذابت المسافة التي استمرَّت طويلًا بينهما، وذاب الزمن.

وبين القطبَيْن الأعظمَيْن تمَّت شرارة الالتحام الصاعقة.

صاعقةٌ تَزلزلَ لها بلاطُ الحجرة المُربَّع، واصطكَّت نوافذُها ولو استمرَّت أكثر لتهدَّم البيت كله.

المربع الرابع

وحين عادت إلى شقَّتها الكبيرة وجدَتْها صغيرة، وفي المرآة طالعَها تعبيرٌ لم تَرَه في وجهها منذ ثلاثين عامًا.

وحين جاء يوم الجمعة فُوجئ أولادها جميعًا بالشيخة التي أرادوها، وقد تفجَّرت فيها دفقةُ حياةٍ جعلَتْها تبدو أكثرهم حركة ونشاطًا وطاقةً على خلق المرح، وكأنها عادت شابَّة.

– مش قلت لك؟ آدي بركات الست ظهرت!

والأعجبُ أنها كانت أول من استأذن، والحُجَّة جاهزة، فالسيدة لا تستطيع الانتظار.

وأشياءُ كثيرةٌ كانت تختل في الكون وفي الدنيا وفي نظام البشر، ولكن لم يحدث أبدًا أن اختلَّت مواعيد زيارتها للسيدة، بعد أن تُشبع بطونهم من الطعام وتُغذِّيهم بحنانٍ غريب وكأنه اندفاعة البترول في بئرٍ مهجورة وترعاهم، وتغمُرهم بأمومةٍ أصبحَت ربما أكثر من طاقتهم على الأخذ، تستأذن وتزور السيدة.

وفي كل مرة وبرهبة ترمُق الضريح مبتعدة وتُتمتِم: دستورك يا سيدة. وكأنما أيضًا توقَّف بها الزمن وفعل الزمن عند ذلك اليوم، ولم يتحرك إلا في يومٍ كانت على الدوام تحسب حسابه وتتوقَّع مجيئه، ولكن في الحق فاجأها حين جاء، وظلَّت في مكانها مشدوهةً لا تُريد أن تُصدِّق أن اليد لم تعُد هناك، وأنها لن تقودها هذه المرة إلى حجرة المربَّعات في الحنفي.

ثم حين تمضي الساعات ولا يجيء تبدأ تُقدِّم رجلًا وتُؤخِّر رجلًا إلى الدكَّان القائم غيرَ بعيدٍ عن الجامع والضريح.

ولكنها قبل أن تصله تتوقف.

كان هناك وقد أصبح صاحب الدكان بعدما مات الأب.

ولكنه لم يكن وحده.

أمام الدكان كانت فتاةٌ في الثامنة عشرة ربما، أو أقل؛ فقد كانت لا تزال محتارةً كيف تلفُّ الملاءة بإتقانٍ حول جسدها.

وكان يُساوِمُها على تصليح البوتاجاز.

مُساوَمَة ذات معانٍ، تبدأ من «الفونية» إلى المفتاح، والفرن ونار الفرن.

والفتاة تضحك، وهو يبتسم.

وفجأةً نظرَت إليه من جديد.

نظرة، وكأنها ثاني مرة تراه فيها بعد المرة الأولى، المرة الأولى.

كان إنسانًا آخر تمامًا، كانت قد أصبحَت له ذقنٌ غزيرة غير حليقة نابتة وسوداء كثَّة، وكان صوته قد غلُظ وضحكته قد أصبحَت رجاليةً خَشِنة، صوتٌ له إرادة، ونظراته لم تعُد تستقبل العالم وتُدهَش له، أصبحَت فقط تراه لتُحدِّد مسارها فيه لا غير.

لقد أصبح رجلًا كبيرًا، هذا واضح.

أصبح واحدًا من قافلة الرجال، والأمهات على الرجال عبء.

وقبل أن تئن أو تدور بها الدنيا.

أحسَّت أنها لا تريد الأنين، وأن باستطاعتها أن تُوقِف الدوار؛ فهي ليست عاتبة أو حزينة أو مندهشة، أو حتى حاقدة على الفتاة أو عليه. أدركَت — من خلال إحساسٍ غير واضح وبلا ضغينة — أنها هي الأخرى لم يعُد لديها ما تُعطيه أو تمنحه، لا فائض أمومة ولا فائض عواطف، والبركان الأخضر الريان لم تعُد به قطرةٌ واحدة.

وفي مرآة حقيبتها رأت البياض في شعرها واضحًا تمامًا رغم الصبغة، والتجاعيد كثيرة حول جفونها ورقبتها.

وتحرَّكَت.

مبتعدة.

ومقتربة من المسجد.

واستأذنت في سرها، وكأن جاءها الإذن؛ ففي خشوع وتسليم ورغبةٍ دخلَت، وإلى المقام اتجهَت.

ووقفت طويلًا لا تعرف ماذا تقول أو تفعل.

ثم، وكأنما بالوحي أو السليقة اقتربَت من السور النُّحاسي المُقام حول الضريح، وأمسكَت مع الممسكين والممسكات بحلقةٍ من حلقات النحاس الناعم الذي أثخنَتْه كثرة الاستعمار، أمسكَت بالحلقة، وضغطَت عليها، وتشبَّثَت تمامًا بها وكأنما الأرض تحتها، تنفتح لتبتلعها.

لا أحد يحتاج إليها الآن.

ولم تعُد هي بحاجةٍ إلى أحد.

إنها الوحدة الحقيقية كما لم تتصوَّر وقوعها يومًا.

ها هي مثل بوادر الشتاء وبلا ضجيج، قد جاءت.

وحدةٌ حقيقية لا مهرب منها، الوحدة الفاصلة بين الابن وبينه هو نفسه حين يصبح أبًا، وبينها وقد نفدَت أمومتها أو ما تبقَّى منها وبين عودتها من جديد لتُصبح هي نفسها ابنة، ابنةً لأمٍّ لا وجود لها، وربما لهذا سمَّوها أم العواجز؛ فالإنسان لا يستطيع البقاء إنسانًا إلا ابنًا كان أو أبًا، فإذا انتهت رجولته وأُبوَّته عاد ابنًا، وإذا انتهت أمومتها عادت ابنة، قاعدة ليس لها شواذُّ، ولكنها الآن في لحظةٍ واحدةٍ فاصلة، كوحدة السيدة زينب نفسها وقد تجمَّع حولها وأمسك بحلقات ضريحها أُناسٌ كثيرون، رجال ونساء، وكلهم وكلهن وحيدون ووحيداتٌ مثلها. كلهم وكلهن قد أصبح أملهم أن يعودوا أبناءً وبناتٍ، وحبَّذا لأم العواجز، الوحيدة في قبرها رغم ما حوله من ازدحام! يُحاوِل كل متزاحمٍ أن يتشبَّث إلى درجة البكاء والعويل بحلقةٍ من حلقات الضريح، وكأنما ليُلغي ما بينه وبين صاحبة الضريح من مسافة، وينجح في النهاية أن يخرج من وحدته ويُحس بها أُمَّه، ولو كانت أم الجميع، فهي أيضًا رغم كل شيء وحيدة.

وحيدة في قبرها.

وحولها يتشَبَّث الوحيدون والوحيدات.

والفاتحة لها ولهم.

(تمَّت)

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة