مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

إِعْصَارُ كَالِيفُورِنْيَا الْخِضَمِّ، وَرِيحُ النَّارِ الأَعَمِّ – حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

178441850 735112787125845 6339600111951669009 n

“1”أوقنُ بعدلِ اللهِ التَّامِّ، وتَدْبِيرِهِ لِلْكَوْنِ، وَهَيْمَنَتِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْدُثُ فِيهِ أَمْرٌ إلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَقَعُ قَضَاءّ إلَّا بإرادتِهِ، فَالأَحْدَاثُ لَا تَسْرِي عَبَثًا، وإنَّما بتدبيرٍ مُحْكَمٍ، وَعَدْلٍ مُطْلَقٍ سَوَاءٌ بَدَتْ لنَا حِكْمَتُهُ – سُبْحَانَهُ- مِنْ فًعْلِهِ أمْ لَا ، وَلَقَدِ اسْتَوْقَفَنِي بِخَبَرِ احْتِرَاقِ لُوْسَ أنْجِلُوسَ ثَلَاثَةُ أَحْدَاثٍ :

أوَّلُهُمَا: عِندمَا أُقِيمَ حَفْلٌ لِنُجُومِ السِّينِمَا الثُّلَاثَاءَ المَاضِي بتاريخِ ٧ / ١ / ٢٠٢٥ م فِي بِيفِيرْلِي هِيلْزَ بِِلُوسَ أنْجِلُوسَ التِي تَشْتَعِلُ فيهَا النِّيرَانُ حَالِيًا فِي هَذَا الحَفْلِ ظَهَرَ عَلَىٰ الشَّاشَةِ: “لِمَنْ يُوَجِّهُ النُّجُومُ الشُّكْرَ؟ ” ، وَكَانَتْ فَنَّانَةٌ كُومِيدِيَّةٌ تَقْرَأُ النَّتَائِجَ، وَتُعَلِّقُ عَلَيْهَا، فَقَالتْ: ” يُوجدُ إحْدَىٰ عَشَرَ شُكْرًا (١١) لِمُمَثِّلِي أدْوَارُ العَمَلِ الفَنِّيِّ ، وَعَدَدُ ثلاثةٍ (٣) مِنْ فَرِيقِ العَمَلِ شَكَرُوا أمَّهَاتِهِمْ ، وَعَدَدُ وَاحِدِ (١) شُكْرٍ لِمَارْيُو لُوبِيزْ ، وَصِفْرُ شُكْرٍ لِلَّٰهِ ، وَعندمَا ذَكرَتْ الفَنَّانَةُ الكُومِيدِيَّةُ : ” أنَّ الذينَ شَكَرُوا اللَّٰهَ هُمْ صِفْرٌ ” ضَحِكَ الجُمْهُورُ، وَعَلَّقَتْ سَاخِرَةً : “لَا غَرَابَةَ فِي هَٰذهِ البلْدةِ التِي لَا تُؤمِنُ باللهِ “، وبعدَ أيَّامٍ قليلةٍ بِيفِيرْلِي هِيلْزَ اشْتَعَلَتْ فِيهَا النيرانُ ، وَقَدْ هَرَبَ مِنهَا الفنانونَ فَهَلْ كَانَ ذَٰلِكَ مُصَادَفَةً ؟

ثَانِيهُمَا: قَالَ دُونَالْدُ تِرَامْبُّ بِكَلِمَتِهِ قَبْلَ أيَّامٍ :” سَأُحَوِّلُ الشَّرْقَ الأوْسَطَ إلىٰ جَحِيمٍ”  فَحَوَّلَهُ اللَّٰهُ لَهُ فِي عُقْرِ دَارِهِ نَارًا  “لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ، لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ “2”، فَقَد تَنَاغَمَ الإعصَارُ بِقُوَّةِ رِيحٍ عَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ دَافِعَةٍ لِنَارِ السَّمُومِ بِشَكْلٍ عَجِيبٍ، وَتَصَاعُدٍ مُرِيبٍ، وَيْكَأنَّ القُرْآنَ الكريمَ حِينَ تَحَدَّثَ عَنْ رَجُلٍ غَرَسَ بُسْتَانًا لَهُ فِيهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ، فَأَصَابَهُ الْكِبَرُ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ؛ فَاحْتَرَقَتْ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ بُسْتَانِهِ مِنْ كِبَرِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ ذُرِّيَتُهُ أنْ يَدْفَعُوا عَنْ بُسْتَانِهِ، فَذَهَبَتْ مَعِيشَتُهُ، وَمَعِيشَةُ ذُرِّيَتِهِ هَبَاءَ الإعْصَارِ كَأنَّ الحَدِيثَ يُسَاقُ الآنَ لِأَهْلِ لُوسَ أنْجِلُوسَ“3” بِقَوْلِهِ تَعَالىٰ :”فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ  “4”

فَلَمْ يَسْتَطِعْ تِرَامْبُ إخْمَادَهَا بِسَطْوَتِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَعِلْمِهِ، وَتَقَدُّمِهِ، وَإمْكَانَاتِهِ الهَائِلَةِ، وَأمْوَالِهِ الطَّائِلَةِ،حَيْثُ شَغَلَهُ اللَّهُ ــ تَعالىَٰ ــ بِنَفْسِهِ، وَكَفَأَهُ عَلَىٰ هَمِّهِ، وَصَرَفَهُ نَحْوَ ذَاتِهِ.

ثَالِثُهُمَا: أذْهَلَنِي مَنْظَرٌ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ المُصَادَفَةِ؛حَيْثُ تَنَاقَلَتْ وِكَالَاتُ الأَنْبَاءِ العَالَمِيَّةَ صُورَةُ المَرْضَىٰ الأمْرِيكَانَ، وَهُمْ يُهَرْوِلُونَ مِنْ إحْدَىٰ مُسْتَشْفَيَاتِ لُوسَ أنْجِلُوسَ، وَهُمْ نَازِحُونَ مِنْهَا رُغْمًا عَنْهُمْ؛ حَيْثُ التَهَمَتِ الحَرَائِقُ كُلَّ شَيْءٍ ، فَقَد أظْهَرَتْ لَقَطَاتٌ طَاقَمَ المُسْتَشْفَىٰ، وَهُمْ يَقُومُونَ بإخْلَاءِ المَرْضَىٰ مِنْ مُسْتَشْفَىٰ مَحَلِّيٍّ بِسَبَبِ حَرِيقَ غَابَاتٍ فِي مِنْطَقَةِ باسِيفِيكَ بَالِيسِيدْزَ غَرْبِ لُوسَ أنْجِلُوسَ“5”

تَمَامًا كَمَا حَدَثَ مَعَ أهْلِ غَزَّةَ حِينَمَا أجْبَرَهُمُ الكيانَ الغاصبَ ــ تَحْتَ تَهْدِيدِ السِّلَاحِ ــ عَليٰ النُّزُوحِ مِنْ مَشَافِيهِمْ، وَإلَّا تَعَرَّضُوا لِلْقَتْلِ المُحَقَّقِ، فَلَا مُرَاعَاةَ ِللإنْسَانِيَّةَ ، وَلَا اعْتِبَارَ لِلْقِيَمِ ، وَلَا مَجَالَ لِلأَخْلَاقِ الٱدَمِيَّةَ المَرْعِيَّةَ “6”؛ فَقَدِ اقْتَحَمَتْ قُوَّاتُ الاحْتِلَالِ لِمُسْتَشْفَىٰ كَمَالِ عُدْوَانَ الحُكُومِيِّ الأكْبَرَ فِي شَمَالِ القِطَاعِ ، وإحْرَاقِهِ، واعْتِقَالِ مُدِيرِهِ حُسَامُ أبُو صَفِيَّةَ، وَعَدَدٍ مِنْ كَوَادِرِهِ، وَالمَرْضَىٰ، وَالنَّازِحِينَ مِنْهَا، وَبِالتَّالِي إخْرَاجِهِ عَنِ الخِدْمَةِ كُلِّيًّا، وَقَبْلَهَا المُسْتَشْفَىٰ الإنْدُونِيسِي الحُكُومِيِّ، وَحِصَارِ مُسْتَشْفَىٰ العَوْدَةِ (جَمْعِيَّةٌ أهْلِيَّةٌ) فِي مُخَيَّمِ جَبَالْيَا، رُغْمَ أنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الخِدْمَةِ عَمَلِّيًا،واسْتِهْدَافِ مَبْنَيَيْنِ فِي مُسْتَشْفَىٰ الأهْلِي العَرَبِيِّ (المَعْمَدَانِي) وَالوَفَاءِ لِلتَّأَهِيلِ فِي مَدِينَةِ غَزَّةَ، فِي حَادِثَيْنِ مُتَزَامِنَيْنِ، الأمْرُ الذِي صَارَ يَقِينًا للغَزِّيِّينَ خَاصَّةً فِي شَمَالِ القِطَاعِ، بِتَدْمِيرِ كُلِّ مُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ ــ بِمَا فِيهَا المَنْظُومَةُ الصِّحِّيَّةُ مِمَّا دَفَعَهُمْ لِلنِّزُوحِ جَنُوبًا.

فَسُبْحَانَ مَنَ كَالَ لَهُمْ بِذَاتِ مِكْيَالِهِمْ، وَقَضَّ مَضَاجِعَهُمْ، وَأَبْدَىٰ مَوَاجِعَهُمْ، وَأذَاقَهُمْ لِبَاسَ الخَوْفِ، وَالتَّشْرِيدِ كَمَا أعَانُوا الصَّهَايِنَةَ عَلَىٰ قَتْلِ المَرْضَىٰ الفِلِسْطِينِيِّينَ ، وَتَرْوِيعِهِمْ ، وَتَشْرِيدِهِمْ “7”.

لَقَدْ ظَنَّ الطُّغَاةُ الجَبَابِرَةُ أنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلىٰ الأرضِ بَعدَ تَزْيينِهَا ،وَزَخْرَفَتِهَا؛ فَأتَاهَا أمْرُ اللَّٰهِ لَيْلًا ،أوْ نَهَارًا؛ فَجَعَلَهَا حَصِيدًا كَأنَّ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ“8” :”إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ “9” .

سُبْحَانَ مَنْ خَضَعَتْ لهُ رِقَابُ الجَبَابِرَةِ ، وَذَلَّتْ لهُ أعْنَاقُ الأكَاسِرَةِ ، سُبْحَانَ مَنْ بيدهِ الحُكْمُ كُلُّهُ ،وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ، وَهُوَ أعْدَلُ الحَاكِمِينَ ،وَمِنْ عَدْلِ اللهِ ــ تَعَالَىٰ ــ بالدُّنْيَا أنْ تَتَجَرَّعَ كَأسَ ظُلْمِكَ ، وَتَذُوقَ طَعْمَ سُمِّكَ ، فَلَوْلَا الأمْرِيكَانُ مَا اسْتَشْرَىٰ الكَيَانُ الغَاصِبُ ، وَلَوْلَا دَعْمِهِمُ المُطْلَقِ لَهُمْ لَغُلَّتْ أيْدِيهِمْ بالمَصَائِبِ ،لَقَدْ أطْلَقُوا لَهُمُ العَنَانَ؛ فَأهْلَكُوا الحَرْثَ ،وشَرَّدُوا النَّسْلَ ،وَهَدَمُوا البُنْيَانَ، وَأفْسَدُوا البِلَادَ ،وَالعِبَادَ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ،لَقَدْ حَرَّقُوا غَزَّةَ ،وَشَرَّدُوا أهْلَهَا؛ فَحَرَّقَهُمُ اللهُ ــ تَعَالَى ــ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ ، وَكَمَا شَرّدُوا الٱمِنِينَ أفْزَعَهُمُ هَرَبًا مِنْ قُصُورِهِمْ ،وَأجْلَاهُمْ عُنْوَةً مِنْ  أَمْلَاكِهِمْ ، فَهَلْ مِنْ  مُدَّكِرْ؟ “10”

فَمَتَىٰ كانَ الجَبَابِرَةُ يَتَّعِظُونَ؟ بَلْ وَمِنْ زَهْوِهِمْ مَتَىٰ يَفِيقُونَ؟ لَقَدِ اسْتَطَالَ الأمْرِيكَانُ بِأمْوَالِهِمْ، وَعَتُوا بِغُرُورِهِمْ، وَتَجَبَّرُوا بِقُوَّتِهِمْ، وَبَغُوا بِفُجْرِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا بِظُلْمِهِمْ، وَغَرَّهُمْ مَاهُمْ فِيهِ، وَقَالُواْ: ” مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ  ؟ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ  ؟

إنَّ مَا حَدَثَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِنْ إعصارٍ فائقٍ بهِ نارٌ حَارِقٌ لَيْسَ من قبيلِ المُصَادَفَةِ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، وإنه سبحانه فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ؛ فَمَا مِنْ شَارِدَةٍ، وَلَا وَارِدَةٍ إلَّا ،وَتَحْدُثُ بِعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ ،وإرَادَتِهِ“11” ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ “12”.

فَمَا أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِامْبَارِحَةَ  ؟ !، وَمَا أقْوَاهُ مِنْ تَطَابُقٍ لِوَجْهَ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ ، وَالمُشَبَّهِ بِهِ ؟ ! ، وَيْكَأنِّي حِينَمَا أسْمَعُ أخْبَارَ الأمْرِيكَانَ يُسَاقُ لِذِهْنِي قِصَّةَ عَادٍ “13” : ” الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ “14” ، فَقَدْ تَطَابَقَ الأمْرِيكَانَ فِي بَغْيِهِمْ، وَتَعَالِيهِمْ، وَكِبْرِهِمْ ، وَظُلْمِهِمْ بِقَوْمِ عَادٍ الأُولَىٰ الَّذِينَ أصَابَهُمْ ضَلَالٌ بِالعَقْلِ ، وَعَمَىٰ بِالقَلْبِ ، وَغُرُورٌ بِالجِسْمِ “15”، فَقَالَ اللَّٰهُ تَعَالَىٰ عَنْهُمْ : ” فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ”16″ .

إنَّهُمْ بِالعِنَادِ مُتَمَيِّزُونَ ، وَفِي الغَطْرَسَةِ بَارِزُونَ ، وَفِي البَطْشِ جَبَّارُونَ ، وَقُلُوبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ ، هِيَ نَفْسُ صِفَاتِ الأمْرِيكَانَ التِي سَادَهَا الكِبْرَ، وَالتَّعَالِيَ ، والغُرُورَ ،وَيْكَأنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ لِسَابِقِ عَهْدِهِ ، وَتَوَقَّفَ بِنَا عِنْدَ قَوْمِ عَادٍ“17”؛ حَيْثُ كَانُوا ــ مَعَ كُفْرِهِمْ باللَّٰهِ،وَرُسُلِهِ، وَجَحْدِهِمْ بِآيَاتِهِ، ــ مُسْتَكْبِرِينَ فِي الأرْضِ، قَاهِرِينَ لِمَنَ حَوْلَهُمْ مِنَ العِبَادِ ، ظَالِمِينَ لَهُمْ، قَدْ أعْجَبَتْهُمْ قُوَّتُهُمْ { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }، فَقَالَ تَعَالَىٰ رَدًّا عَلَيْهِمْ ، بِمَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً }، فَلَوْلَا خَلْقِهِ إيَّاهُمْ، لَمْ يُوجَدُوا، فَلَوْ نَظَرُوا إلَىٰ هَٰذِهِ الحَالِ نَظَرًا صَحِيحًا لَمْ يَغْتَرُّوا بِقُوَّتِهِمْ؛ فَعَاقَبَهُمُ اللَّٰهُ عُقُوبَةً، تُنَاسِبُ قُوَّتُهُمْ الَّتِي اغْتَرُّوا بِهَا “18”.

لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وَاغْتَرُّوا بِمَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنْ نِعَمٍ ، وَقَالُوا عَلَىٰ سَبِيلِ التَّبَاهِى، وَالتَّفَاخُرِ ، وَالتَّكَبُّرِ : “مَنْ أشَدُّ مِنَّا قُوَّةً “، وَقُيِّدَ اسْتِكْبَارُهُمْ فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ؛ لِبَيَانِ وَاقِعِهِمْ ، حَيْثُ كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّٰهُ ــ تَعَالَىٰ ــ فِى آيَاتٍ أخْرَىٰ مُتَجَبِّرِينَ ، مُتَعَالِينَ عَلَىٰ غَيْرِهِمْ ، قَالَ تَعَالَىٰ : ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ )

فَقَدْ اُعْمُوا، وَصُمُّوا عَنِ الحَقِّ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّٰهَ ــ تَعَالَىٰ ــ الذِي أوْجَدَهُمْ مِنَ العَدَمِ ، هُوَ ــ سُبْحَانَهُ ــ أشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَبَأسًا ، إنَّهُمْ لِغُرُورِهِمْ ، وَجَهْلِهِمْ نَسُوا كُلَّ ذَٰلِكَ ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا الدَّالَةِ عَلَىٰ قُدْرَتِنَا يَجْحَدُونَ ، ويُعَانِدُونَ ، وَيُنْكِرُونَ الحَقَّ الذِى جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ “19” .

وَقَوْلِهِ تَعَالَىٰ : { بِغَيْرِ الحَقِّ } زِيَادَةُ تَشْنِيعٍ لاسْتِكْبَارِهِمْ ، فإنَّ الاسْتِكْبَارَ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ إذْ لَا مُبَرِّرَ لِلْكِبْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لأنَّ جَمِيعَ الأمُورِ المُغْرِيَاتُ بِالْكِبْرِ مِنَ العِلْمِ، وَالمَالِ، والسُّلْطَانِ ,والقُوَّةِ ,وَغَيرِ ذَٰلِكَ لا تُبَلِّغُ الإِنْسَانَ مَبْلغَ الخُلُوِّ عَنِ النَّقْصِ ، وَلَيْسَ للضعيفِ النَّاقِصِ حَقٌّ فِي الكِبْرِ، وَلِذَٰلكَ كَانَ الكِبْرُ مِنْ خَصَائِصِ اللَّٰهِ تَعَالىٰ، وَهُمْ قَدْ اغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أجْسَامِهِمْ ، وَعِزَّةِ أُمَّتِهِمْ ،وادَّعُوا أنَّهُمْ لَا يَغْلِبُهُمْ أحَدٌ ، وَهُوَ مَعْنَىٰ قَوْلُهُمْ : { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً } فَقَوْلِهِمْ ذَٰلِكَ سَبَبُ اسْتِكْبَارِهِمْ ؛ لأنَّهُ أوْرَثَهُمْ الاسْتِخْفَافُ بِمَنْ عَدَاهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ هُودٌ بإنْكَارِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ،وَالطُّغْيَانِ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَٰلِكَ ؛ لِأنَّهُمْ اعْتَادُوا العُجْبَ بِأَنْفُسِهِمْ ،وَأحْوَالِهِمْ ؛ فَكَذَّبُوا رَسُولَهُمْ “20” .

لَقَدْ عَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَىٰ بِأَنْْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِصَفِيرٍ شَدِيدٍ ذَاتَ صَوْتٍ عَالٍ ؛ فَارتَعَبَتْ الطُّيُورُ، وَفَرَّتْ مِمَّا هُوَ آتٍ ، إذْ تُوقِنُ بريحِ السَّمُومِ المُهْلِكَةِ، واهْتَزَّتْ الأشْجَارُ فَزَعًا مِنْ رِيحّ عَاتِيَةٍ فَاتِكَةٍ، ثُمَّ جَاءَتِ الرِّيحُ عَلَىٰ قَوْمِ عَادٍ ؛ فَارْتَعَشُوا مِنَ الجِلْدِ إلىٰ اللَّحَمِ،  ثُمَّ العِظَامِ، وَالنُّخَاعِ ، ثُمَّ فَرَّ الْقَوْمُ إلىٰ الخِيَامِ ؛ لِيَخْتَبِئُوا دَاخِلَهَا ،وَلَٰكِنْ تَطَايَرَتُ الخِيَامُ فِي الهَوَاءِ ، وَتَمَزّقَ جِلْدُ عَادٍ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ شَيْئٌ يُعَادُ ، إنَّهَا رِيحُ الدَّبُورِ التَي لَا تَمَسُّ شَيْئًا إلَّا امْتَصَّتْ قَلْبَهُ، وَجَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ “21” ، فَقَدِ اسْتَمَرَّتِ الرِّيحُ مُسَلَّطَةً عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ ، وَثَمَانِيَةَ أيَّامٍ لَمْ تَرَ الدُّنْيَا مِثْلَهَا : «سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ» “22”.

وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} [الحاقة:٦]، أي: بَارِدَةٍ {عَاتِيَةٍ} [الحاقة:٦] أي: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ ، {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة:٧]، أي: مُتَتَابِعَةً، {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} [الحاقة:٧]، قَالَ ابنُ كثيرٍ : “كَانَتِ الرِّيحُ تَرْفَعُ الرَّجُلَ إلىٰ أعْلَىٰ ،ثُمَّ تَقْلِبُهُ عَلىٰ رَأسِهِ ؛ فَيَصْطَدِمَ رَأْسْهُ بالأَرْضِ ؛ فَيُصْبِحَ جَسَدُهُ، كَجِذْعِ النَّخْلَةِ التِي لَيْسَ لهَا رَأْسٌ؛ لِذَٰلِكَ يَقُولُ تَعَالَىٰ : {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:٧]، أي: جِذْعُ نَخْلٍ خَالٍ نَتِنٍ “23” .

لَقَدْ هَلَكَ الجَبَابِرَةُ ؛بِرِيحِ الدَّبُورِ، وَأُنْزِلَ السِّتَارُ عَلىٰ عَادٍ الأُولىٰ، فَهَلْ سَكَنَتِ الرِّيحُ بَعْدَ هَٰذَا التَّاريخِ؟ أمْ اسْتَمَرَّتْ فِي عَمَلِهَا إلىٰ يَوْمِنَا هَٰذَا ؟

إنَّ الرَّيحَ تَنْتَظِرُ أمْرَ اللَّهِ تَعَالىٰ؛ لِتُحَطِّمَ كُلَّ مَنْ نَسِيَ اللَّهَ، وَنَسِيَ ذِكْرَ اللَّهِ، وَنَسِيَ أنَّ اللَّهَ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ, وأنَّهُ مُدَبِّرُ الأكْوَانِ، وَأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ، وَهَا هِيَ نَفْسُ صِفَاتٍ عَادٍ الأُوْلىٰ تَتَّضِحُ جَلَيًّا فِي الشَّعْبِ الأمْرِيكِيِّ الذِي يَكِيلُ بِأَلْفِ مِكْيَالٍ ، وَيَلْعَبُ عَلَىٰ جَمِيعِ الحِبَالِ ، فَحُقُوقُ الإنْسَانِ العَرَبِيِّ المُسْلِمِ مُهْدَرَةٌ، أمَّا حُقُوقُ الحَيَوَانِ لَدَيْهِمْ مُصَانَةٌ مُقَدَّرَةٌ ،يُطْلِقُونَ العَنَانَ لِلْكَيَانِ الغَاصِبِ فِي إبَادَةٍ عِرْقِيَّةٍ ، وَمَذَابِحَ عُنْصُرِيَّةٍ ،وَتَشْرِيدٍ لِشَعْبٍ آَمِنٍ مُسَالِمٍ لَا يَمْلِكُ مِنْ حُطَامِ دُنْيَاهُ سِوَىٰ يَقِينَهُ بِاللَّهِ ،وَأَرْضِهِ التِي يَحْيَا بِهَا،وَفِيهَا،وَعَلَيْهَا “24” .

إنَّ مِنَ العَجِيبِ أنْ يُسَلِّطَ اللَّٰهُ تَعَالَىٰ عَلَيْهِمْ إعْصَارًا فِيهِ نَارٌ ؛ حَيْثُ الرِّيحُ العَاتِيَةُ ، كَرِيحِ عَادٍ شَدِيدَةِ السُّرْعَةِ الحَامِلَةِ لِلنِّيرَانِ ، وَالمُحَرِّكَةِ لهَا بِكُلِّ صَوْبٍ ،وَالدَّافِعَةِ لهَا مِنْ كُلِّ حَدَبٍ ؛ حَتَّىٰ صَارَتْ قُصُورُهُمْ ، وَسَائِرُ مُمْتَلَكَاتِهِمْ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ، كَأَنَّهُ عَصْفٌ مَأكُولٌ لَا قِيمَةَ لَهُ .

لَقَدْ شَرَّدَهُمْ اللَّٰهُ تَعَالَىٰ كَمَا شَرَّدُوا الٱلَافَ فِي غَزَّةَ ، حَتَّىٰ قَالَ رُوبَرْتْ لُونا قَائِدُ شُرْطَةِ مُقَاطَعَةِ لِوسَ أَنْجِلُوسَ:” إنَّ نَحْوَ مَائَةٍ،  وَثَلَاثَةٍ، وَخَمْسِينَ ألْفَ شَخْصٍ (١٥٣٠٠٠)مَا زَالُوا تَحْتَ أوَامِرِ الإخْلَاءَ، بَيْنَمَا يُوَاجِهُ مَائَةٌ، وَسِتَّةٌ، وَسِتُّونَ أَلْفًا، وَثَمَانِمَائةَ  (١٦٦٨٠٠) شَخْصٍ آخَرِينَ تَحْذِيرَاتٍ بِالإخْلَاءَ ، معَ فَرْضِ حَظْرِ تَجَوُّلٍ فِي جَمِيعِ مَنَاطِقِ الإخْلَاءَ .

وَكَمَا تَسَبَّبَ الأمْرِيكَانُ فِي تَهْجِيرِ شَعْبٍ بِأَسْرِهِ، وإتْلَافِ مُمْتَلَكَاتِهِ هَا هِيَ التَّقْدِيرَاتُ تُشِيرُ إلىٰ أنَّ حرائقَ الغَابَاتِ فِي لُوسَ أنْجِلُوسَ الأمْرِيكِيَّةِ قَدْ تُصْبِحُ وَاحِدَةً مِنْ أكْثَرِ الكَوَارَثِ تَكْلُفَةً فِي تَارِيخِ الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ؛ حَيْثُ تُقَدَّرُ الخَسَائِرُ بِمَا يَتَجَاوَزُ مَائَةً، وَخَمْسَةً، وَثَلَاثِينَ (١٣٥) مِلْيَارَ دُولَارٍ.

وَقَالَ تُود هُوبِكنز، المَسْؤُولُ فِي إدَارَةِ الإطْفَاءَ بولايةِ كَالِيفُورِينْيَا، لِلصَّحَفِيِّينَ فِي مُؤْتَمَرٍ صَحَفِيٍّ : ” إنَّهُ عَلىٰ الرُّغْمِ مِنْ إخْمَادِ إحْدَىٰ عَشَر بِالمِئَةَ مِنَ الحَرَائِقِ فِي حَيِّ بَاسِيفِيكَ بَالِيسَادِيسَ، فإنَّ النِّيرَانَ أتَتْ عَلىٰ أكْثَرِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ألْفَ فَدَّانٍ ” (٨٩٠٠ هِكْتَارٍِ) .

“25”إنَّ أشَدَّ الظُّلْمِ هُوَ ظُلْمُ المَخْلُوقِ لِنَفْسِهِ الوَاهِنَةِ ، وَأشْنَعُ البَغْيِّ هُوَ اسْتِطَالَتُهُ بِذَاتِهِ الوَاهِيَةِ ،فَقَدْ ظَلَمَ إبْلِيسُ نَفْسَهُ باسْتِطَالَتِهِ بِذَاتِهِ المَخْلُوقَةِ؛ فَزَكَّىٰ نَفْسَهُ عَلَىٰ غَيْرِهِ بِطَبِيعَةِ خِلقَتِه بِمَا لَيْسَ لَهُ دَخْلٌ فِيهِ ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ“26” حِينَمَا سَألَهُ رَبُّهُ :”مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ” فاسْتَحَقَ اللَّعْنَةَ بِكِبْرِهِ ،وَعِصْيَانِهِ ،واسْتِطَالَتِهِ بِمَا لَيْسَ لَهُ ، وَالطَّرْدَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّٰهِ تَعَالَىٰ.

كَمَّا تَكَبَّرَ قَارُونُ بِمَالِهِ ، وَقُوَّتِهِ ، وَنُفُوذِهِ ،وَعِلْمِهِ قَائِلًا : ﴿  إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾”27″ ، زَاعِمًا أنَّه أُوتِيَ الكُنُوزُ عَلىٰ فَضْلِ عِلْمٍ عِنْدَهُ ، عَلِمَهُ اللَّٰهُ مِنْهُ، فَرَضِيَ بِذَٰلِكَ عَنْهُ، وَفَضَّلَهُ بِهَٰذَا المَالِ عَلىٰ الٱخَرِينَ، لِعِلْمِهِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ.

لَقَدِ اسْتَطَالَ قَارُونُ بِمَالِهِ ، وَخَرَجَ فِي سُلْطَانِهِ ، وَصَوْلَجَانِهِ؛ بِأبْهَىٰ حَالِهِ فِي ثِيَابٍ مِنَ الأرْجُوَانَ ،وَقِيلَ فِي القِرْمِزْ ، وَقِيلَ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ، وَقِيلَ علَىٰ بَراذِينَ بِيضٍ عَلَيْهَا سُرُوجُ الأرْجُوَانَ, عَلَيْهِمْ المُعَصْفَرَاتُ، وَقِيلَ عَلَيْهِ ثَوْبَانٌ مُعَصْفَرَانٌ، وَقِيلَ عَلىٰ بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهَا الأرْجُوَانَ، وَثَلَاثُ مَائَةِ جَارِيَةٍ عَلىٰ البِغَالِ الشُّهُبِ، عَلَيْهِنَّ ثِيَابٌ حُمْرٌ، وَقِيلَ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ وَصُفْرٍ ، وَقِيلَ خَرَجُوا عَلىٰ أرْبَعَةِ آلَافِ دَابَّةٍ، عَلَيْهِمْ، وعَلىٰ دَوَابِّهُمْ الأرْجُوَانَ ، وَقِيلَ خَرَجَ في سَبْعِينَ ألفًا, عَلَيْهِمْ المُعَصْفَرَاتُ “28” .

خَرَجَ بِأنْدَىٰ صُوَرَةٍ، وَأَجْمَلِ مَنْظَرٍ ، وَأبْدَعِ مَشْهَدٍ أمَامَ قَوْمِهِ ؛ فَظَنَّ ضِعَافُ الأنْفُسِ مِنْهُمْ أنَّهُ ذُو حَظٍّ فَائِقٍ بِالدُّنْيَا ، وَأنَّهَا سَتَدُومُ لَهُ رُغْمَ اسْتِعْلَائِهِ ، وَغُرُورِهِ، وَانْتِشَائِهِ بِمَا لَدَيْهِ : ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾  “29”

بَيْنَمَا فَهِمَ أهْلُ الإيمَانِ ، وَالعِلْمِ الرَّبَّانِي ، الغَايَةَ مِنْ خَلْقِهِمْ ، وَالتِي انْحَصَرَتْ فِي الإيمَانِ بِهِ ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ إذْ هُمَا خَيْرُ مَا يَحْظَىٰ بِهِ المُؤْمِنُ مِنْ نَعِيمٍ الدُّنْيَا؛ فَتَفْضِيلُ اللَّٰهِ تَعَالَىٰ عَلَىٰ لَذَّاتِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ , وَإيثَارِ مَا عِنْدَه مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ عَلَىٰ صَالِحَاتِ الأعْمَالِ عَلَىٰ لَذّاتِ الدُّنْيَا ، وَشَهَوَاتِهَا ؛ لِخَيْرِ مَا يَصْبُو لَهُ ، وَأحْسَنَ مَا يُسْتَهَمُّ عَلَيْهِ ؛فَجَدُّوا فِي طَاعَةِ اللَّٰهِ، وَرَفَضُوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ “30”

صَارَ عَاقِبَةُ قَارُونُ الخَسْفَ، فَبِمِقْدَارِ مَا عَلَا فِي الأَرْضِ هَبَطَ فِيهَا إلىٰ مَهَاوِي الهَالِكِينَ ، وَدَرَكَاتِ السَّاقِطِينَ ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ غُرُورُهُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ ،وَمَالٍ ،وَنُفُوذٍ ،وَسُلْطَانٍ ،وَكُنُوزٍ وَصَوْلَجَانٍ ، فَمَا أغْنَتْ عَنْهُ مَصِيرَهُ المَحْتُومِ ، وَمَا أنْقَذَتْهُ مِنْ سُوءِ عَمَلِهِ المَذْمُومِ ؛ فَحُقَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّٰهِ تَعَالىٰ “31”: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ﴾”32″

“33”إنَّ مَنْ يُبَارِزُ اللَّٰهَ تَعَالىٰ بِالمَعَاصِيَ هَالِكٌ، وَمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي نِزَالٍ مَصِيرُهُ أرْذَلُ المَهَالِكِ.

لَقَدْ تَسَبَّبَتِ الحَرَائِقُ فِي أمْرِيكَا؛ بِتَدْمِيرِ أحْيَاءً بِأَكْمَلِهَا، وَسَوَّتْهَا بِالأَرْضِ مِمَّا أدَّىٰ؛ لِوَفَاةِ ثَلَاثَةِ عَشَرَ شَخْصًا، وَهَا هُمْ الأمْرِيكَانُ فِي لُوسَ أَنْجِلُوسَ، وَفِي مَنْظَرٍ فَرِيدٍ يَحْمِلُونَ أمْتِعَتَهُمْ فَارِّينَ بأنْفُسِهِمْ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا فَمَا بَالُهُمْ بِسَعِيرِ الٱخِرَةِ؟

اللَّٰهُمَّ لَا تُمِتْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكَنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَٰلِكَ.

…………………………………………………………………………………

المَرَاجِعُ، وَالآيَاتُ:

1 ــ الكاتب.

2 ــ 28، 29 المدثر.

3 ــ الكاتب.

4 ــ البقرة ٢٦٦.

5 ــ سكاي نيوز عربية، أبو ظبي، إجلاء المرضى من أحد المستشفيات بسبب الحرائق في لوس أنجلوس، الخميس 9 يناير 2025 – 12:58 بتوقيت أبو ظبي.

6 ــ الكاتب.

7 ــ شبكة الجزيرة الإعلامية مراسلو الجزيرة نت، سياسة فلسطين، خبراء يكشفون للجزيرة نت سر استهداف الاحتلال مستشفيات غزة، رائد موسى، 30/12/2024-آخر تحديث: 30/12/202403:11 م .

8 ــ الكاتب.

9 ــ يونس٢٤.

10 ــ الكاتب.

11 ــ الكاتب.

12 ــ الأنعام٥٩.

13 ــ الكاتب.

14 ــ الفجر 11، 12، 13، 14.

15 ــ الكاتب.

16 ــ فصلت ١٥.

17 ــ الكاتب.

18 ــ تفسير السعدي.

19 ــ تفسير الوسيط لمحمد سيد الطنطاوي.

20 ــ تفسير ابن عاشور.

21 ــ الكاتب.

22 ــ الحاقة ٧.

23 ــ ص4، كتاب تفسير القرآن الكريم أسامة سليمان ، تفسير قوله تعالى وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ- المكتبة الشاملة .

24 ــ الكاتب.

25 ــ الكاتب.

26ــ الأعراف ١٢.

27 ـ القصص 78 .  

28 ــ تفسير الطبري.

29 ــ القصص 79.

30 ــ القصص ٨٠.

31 ــ الكاتب.

32 ــ القصص٨١.

33 ــ الكاتب.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading