📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

إعادة اكتشاف مصر القديمة :دونالد مالكولم ريد – ترجمة رءوف عباس

الطهطاوي يكتشف الفراعنة

عند صدور طبعة رابعة من موسوعة «من كان هو في علم المصريات»، يجب أن يدرج الطهطاوي ضمن الشخصيات التي رصدتها الموسوعة. فرغم أنه لم يقم بالتنقيب عن الآثار، ولم يقرأ الهيروغليفية، إلا أنه لعب دورًا مهمًّا في جذب اهتمام مواطنيه المصريين بمصر القديمة على نحو ما فعل الرحالة وجامعو الآثار والمؤلفون الغربيون — الذين ورد ذكرهم في الطبعات الثلاث من الموسوعة — مع أبناء بلادهم.٧١ والطهطاوي شيخ أزهري، ختم تعليمه في باريس، وتولى مناصب رسمية في ميادين الترجمة، والتعليم، والصحافة، وأصبح أشهر مفكر مصري في جيله (انظر الشكل ١٤).

وقد حرصنا أن نقرن الطهطاوي وشامبليون في عنوان هذا الفصل لتأكيد الدور الذي لعبه هذان العالمان في تقديم معلومات جديدة — كل إلى قرائه — مستمدة من النصوص الهيروغليفية، كما أن الحياة العملية للطهطاوي قريبة الشبه بتلك التي كانت للمستشرق البريطاني إدوارد وليم لين؛ فقد وُلد كل منهما عام ١٨٠١م، وفي منتصف العشرينيات، اتجه الأول إلى الغرب، بينما اتجه الآخر إلى الشرق، عبر البحر المتوسط، بحثًا عن المعرفة التي غيرت مسار حياة كل منهما. وعاش كل منهما في العاصمة الكبرى للثقافة التي ينشد دراستها، وتعلم كل منهم لغة الثقافة التي تعنيه، وعاد كل منهما إلى بلاده، لينشر — في منتصف الثلاثينيات — كتابًا رصينًا قدم فيه لمواطنيه عادات وتقاليد أهل الثقافة الأخرى. (عاش الطهطاوي في باريس ولم يعش في لندن بلد لين، وتعلم الفرنسية وليس الإنجليزية).

وركز كل من الكتابين على عاصمة واحدة — باريس، والقاهرة — ويكاد كل منهما يستبعد الأقاليم الأخرى في البلاد التي كتب عنها. وضم كتاب لين عن «المصريين المحدثين» صورًا رُسمت بعناية، ولكن تعليم الطهطاوي الأزهري لم يؤهله لتزويد كتابه بالرسوم المصورة.

وقد أتبع كل من الرجلين كتابه الأول بنشر ترجمات لإطلاع قراءه على ثقافة الآخر، ورغم أن وجودهما بالقاهرة قد تزامن، وأن لين اشترى نسخة من كتاب الطهطاوي «تخليص الإبريز» عند ظهوره، إلا أننا لا نجد دليلًا على أنهما قد تقابلا. وكان كل منهما شديد الاهتمام بمصر القديمة والحديثة، وبعد أن قضيا حياتهما يلعبان دور قناة الاتصال بين الثقافتين، مات الطهطاوي في ١٨٧٣م، ولحق به لين في ١٨٧٦م.

ولا شك أن الطهطاوي ولين اختلفا من حيث الشخصية، والأفكار، والعلاقات على الصعيدين الوطني والعالمي. فخلال حياتهما تحول ميزان القوى بصورة حاسمة ضد مصر لمصلحة الغرب. لقد أبدى لين أسفه للتغيرات التي شهدتها مصر باستلهام الغرب، ولعل ذلك يرجع إلى عدم ارتياحه للتغير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السريع الذي كان يجري في بريطانيا، ورغم أنه اعتمد تمامًا على ما يلقاه من رعاية مادية أرستقراطية، كان لين إنطوائيًّا، عزوفًا عن الارتباط بالنظام البريطاني. وكان الطهطاوي نقيضًا له، يعمل في خدمة الحكام الذين يتطلعون إلى دعم سلطتهم من خلال اقتباس التكنولوجيا ونظم الإدارة الغربية.

وُلد رفاعة الطهطاوي بمدينة طهطا — جنوب أسيوط — في العام ١٨٠١م، الذي شهد جلاء الفرنسيين عن مصر، لأسرة من العلماء، ولكن إقدام محمد علي باشا على إلغاء نظام الالتزام أضر بوالد رفاعة، وقد تلقَّى الصبي تعليمه الديني الأولي ببلده ثم انتقل إلى القاهرة للالتحاق بالأزهر عام ١٨١٧م. وكان أستاذه — عندئذٍ — الشيخ حسن العطار عالمًا واسع الأفق، اتصل بعلماء الحملة الفرنسية، وقدر له أن يصبح — فيما بعد — شيخًا للأزهر. وقد رشح العطار تلميذه الطهطاوي ليعمل إمامًا للبعثة التي ضمت ٤٤ طالبًا أوفدهم محمد علي إلى باريس عام ١٨٢٦م. وكان يقيم بفرنسا — عندئذٍ — عدد من المصريين الذين تعاونوا مع الحملة الفرنسية، وفروا من مصر بصحبة الفرنسيين عند جلائهم عن البلاد في ١٨٠١م. ولكن ظهر الآن نوع آخر من المصريين هم الطلاب الذين أوفدوا إلى فرنسا لدراسة العلوم الحديثة، والعودة إلى مصر لتطبيقها.٧٢ وبرَّر الطهطاوي طلب العلم في بلاد «الكفار» بالحديث النبوي «اطلبوا العلم ولو في الصين».

وفي باريس، تحول «الإمام» ليصبح أكثر طلاب البعثة نجابة وشغفًا للمعرفة. وقام جومار — باعتباره «ناظر» البعثة المصرية — بتقديم رفاعة الطهطاوي إلى سيلفستر دي ساسي — عميد المستشرقين الفرنسيين-٧٣ ولعدد كبير من علماء فرنسا.

وفي عام ١٨٣٠م، كان الطهطاوي شاهد عيان لثورة يوليو التي أدت إلى نفي الملك شارل العاشر، واعتلاء لوي فيليب العرش الفرنسي، وفي العام نفسه عرض الطهطاوي على دي ساسي مسودة كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»،٧٤ الذي وصف فيه رحلته وملاحظاته على الحياة الباريسية، وفي ١٨٣١م عاد إلى مصر ليتولى وظائف في مجالات التدريس والترجمة والصحافة، جعلت منه نجم النهضة العربية في القرن التاسع عشر.

نشرت المطبعة الأميرية ببولاق كتاب «تخليص الإبريز» عام ١٨٣٤م ليكون الأول من ثلاثة كتب ظهرت خلال ذلك العقد من الزمان الذي أخذت فيه مصر والغرب بمعايير بعضهما البعض. فقد ظهر كتاب لين «عادات وتقاليد المصريين المحدثين» عام ١٨٣٦م، ونشر كتاب ويلكنسون «عادات وتقاليد قدماء المصريين» عام ١٨٣٧م. وقد جاء كتابا الطهطاوي ولين متناظرين، وكان من الممكن أن يحمل كتاب الطهطاوي عنوان «عادات وتقاليد الفرنسيين المحدثين». وكان من الطبيعي أن يترافق كتابا لين وويلكنسون في حقيبة كل مسافر غربي إلى مصر؛ وذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر. وإذا كان كتاب ويلكنسون قد فقد قيمته، فإن كتاب لين ظل يحمل طابع التراث.

لقد تناولت دراسات أخرى ملاحظات الطهطاوي عن باريس، وما يعنينا هنا هو اهتمامه الواعي بمصر القديمة، ورغم أن أهل الصعيد يفترض فيهم الانتماء إلى مصر القديمة، يصعب إثبات هذا الافتراض، كما أن الطهطاوي لم ينشأ في رحاب الكرنك أو إدفو، وإن كانت بعض الأعمدة المتداعية من معبد قاد الكبير تقع على بعد سبعة أميال إلى الجنوب من بلدته طهطا.

والدليل الأول على اهتمام الطهطاوي بمصر القديمة يعود إلى باريس عام ١٨٢٧م، عندما نشر ترجمة عربية لعمل جوزيف أجوب «قصيدة ملحمية عن مصر». وكانت عائلة أجوب قد ربطت نفسها بالفرنسيين أثناء وجود الحملة بمصر، وفروا معها عند خروجها من البلاد، ومعهم جوزيف الذي كان طفلًا في السادسة من عمره، وقد ترعرع الطفل في مارسيليا ثم انتقل إلى باريس، ودرس اللغات، وقام بتدريس العربية، وتردد على الصالونات الأدبية، وعمل معاونًا لجومار في إعداد «وصف مصر»، كما علم الطهطاوي وتلاميذ البعثة المصرية اللغة الفرنسية أثناء وجودهم في باريس، وكانت قصيدة أجوب الملحمية تعبيرًا عن حنين ولوعة رومانسية على الوطن المفقود «مصر أم الآلهة والأبطال الحكماء» فبين خرائبها «تجتمع أربعون قرنًا».٧٥

وقدم شامبليون — شخصيًّا — تقريرًا لمحمد علي عام ١٨٢٨م عن دراسة رفاعة الطهطاوي في باريس،٧٦ ولكن ربما لم تتح لشامبليون والشيخ فرصة اللقاء. ورغم علاقة الطهطاوي بجومار، يخلو «تخليص الإبريز» من أي إشارة إلى «وصف مصر» الذي كان له بالغ الأثر في الوعي الأوروبي، وإن كان يشير في «تخليص الإبريز» إلى وجود موقع لحفظ الآثار — لعله اللوفر — يضم العجائب التاريخية للقدماء كالمباني والمومياوات والملابس، ومن بينها آثار من مصر مثل دائرة البروج المجلوبة من دندرة، التي وقف منها علماء فرنسا على معرفة المصريين القدماء بالفلك والنجوم.٧٧

ويرد ذكر قدماء المصريين في «تخليص الإبريز» قرب نهاية الكتاب، انتقل فيها من الحديث عن القديم حيث الآثار والذكريات. فقد توقف الطهطاوي في فونتانبلو — في طريقه إلى مصر عام ١٨٣١م — وشاهد المسلة التي أقيمت تذكارًا لعودة البوريون إلى الحكم. ويشرح لقرائه أن الأوروبيين شأنهم شأن المصريين وسائر القدماء يخلدون أنفسهم بإقامة النصب التي تحمل كتابات. وعلى كلٍّ، في تلك الحالة قام ثوار ١٨٣٠م بمحو أسماء الملوك.٧٨

هذا النصب جعله يفكر في الأهرام فيقدم مزيجًا من التخرصات القديمة وما اكتشفه الأوروبيون حديثًا، فيقول إن بعض الفرنج يذكرون أن ملكًا يدعى قوف (خوفو) بنى أهرام الجيزة منذ ثلاثة آلاف عام. ويرجعه آخرون إلى خامس أوخيوب (يقصد Cheops وهو النطق اليوناني لخوفو على أي حال)، ويذكر البعض أن إقامتها استغرقت ٢٣ عامًا وأن الهرم الأكبر احتاج إلى ٣٥٠ ألف عامل لبنائه، وأن طعام العمال تكلف ٢٢ مليونًا من القروش المصرية. وأن فتحة الهرم الثاني والثالث المغلقين يحتوي أحدهما على جثمان زوجة الملك والآخر على جثمان ابنته (وهي معلومات خاطئة نقلها الطهطاوي إلى قرائه).

ويورد الطهطاوي ما أبداه السيوطي (المتوفى ١٥٠٥م) من الاهتمام بالأهرام، رغم أن المسلات الموجودة بالصعيد تبدو أكثر قيمة. ويضيف الطهطاوي أن الفرنج أخذوا مسلة إلى روما، كما نقلت أخرى «في أيامه» إلى باريس، ويعلق على إهداء محمد علي مسلة لفرنسا بقوله إنه ما دامت مصر قد اختارت الأخذ بالحضارة والعلم على نحو ما تفعل الدول الأوروبية، فإنه من الواجب الاحتفاظ بالتحف والأعمال التي تركها الأجداد للمصريين.

ولما كان «تخليص الإبريز» قد طُبع في المطبعة الأميرية ببولاق فقد وُزع مجانًا على طلاب المدارس والموظفين، وطبعت الترجمة التركية للكتاب عام ١٨٣٩م، ولعلها أثرت في الشباب العثماني الذي اتجه إلى المطالبة بالحكم الدستوري. وفي عام ١٨٣٥م، تولَّى الطهطاوي تأسيس ونظارة مدرسة الألسن، وتولى بعد ذلك إدارة قلم الترجمة، وتحرير «الوقائع المصرية».

وقد تضمنت المقدمة التي كتبها شيخ الأزهر حسن العطار لكتاب «تخليص الإبريز» بعض النقد، ولكن لين سمع أن الكتاب وصف بأنه يحكي قصة إفساد فضائل الغرب للمؤلف في بلاد الكفار.٧٩ ولعل الطبعة الثانية من الكتاب (١٨٤٩م) قد سبقت ما تعرَّض له الطهطاوي من إهمال في عهد عباس حلمي الأول الذي كان معاديًا للنفوذ الأوروبي — وخاصة الفرنسي — واستبدل برجال محمد علي بعض رجاله. فأغلق عباس مدرسة الألسن، وقلم الترجمة، والوقائع المصرية، وباع المطبعة الأميرية، ونفى الطهطاوي إلى الخرطوم. وقد خشي الطهطاوي أن تدركه الوفاة هناك، وخاصة أن نحو النصف من زملائه الذين نفوا معه قد ماتوا.٨٠ ولكن ما لبث أن أنقذه تولي سعيد الحكم خلفًا لعباس الذي مات مقتولًا، فعاد إلى مصر مرة أخرى، وأعيد إلى الخدمة.

دبلوماسية محمد علي في مجال الآثار

كانت الآثار — عند محمد علي باشا — مجرد أداة مساومة تُستبدل بها الدبلوماسية والعون التقني الأوروبي. غير أن هناك إشارات إلى مواقف للباشا كانت أقل نفعية منها: فزعه عندما شاهد استخراج مومياء بقرية القرنة، واختياره الهرم كرمز يتوج الصفحة الأولى من جريدته الرسمية (الوقائع المصرية) عام ١٨٢٩م، (انظر الشكل ١٥).٨١ ويشاع أن الأوروبيين وحدهم رأوا في الأهرام رمزًا لمصر في أوائل القرن التاسع عشر، وأن اللوتس الفرعونية الجديدة التي تتوج جامع محمد علي بالقلعة ربما تعكس التأثير الأوروبي وليس الإلهام المحلي المباشر.٨٢ لعل امتداح محمد علي لرسوم شامبليون للآثار كان مجرد تصرف دبلوماسي، غير أن طلب الباشا إلى العلماء الفرنسيين أن يقوموا بترجمة نقوش مسلة الإسكندرية وكتابه تاريخ مختصر للعصر الفرعوني يشير إلى وجود فضول ثقافي حقيقي عند محمد علي.٨٣

وفي العام ١٨٣٠م، قدم شامبليون التماسًا إلى محمد علي لحماية الآثار المعرضة للخطر، مشيرًا إلى اختفاء ثلاثة عشر معبدًا من الوجود خلال الثلاثين عامًا التي انقضت على الحملة الفرنسية. وأنحى شامبليون باللائمة على الفلاحين، وتجار الآثار، وجامعي الآثار. وأكد للباشا أن «كل أوروبا سوف تعْلم بالإجراءات التي قد يتخذها سموه للحفاظ على المعابد والقصور والمقابر وجميع الآثار التي تشهد بمتانة معطيات مصر القديمة، والتي تعد — في الوقت نفسه — أجمل ما تتحلى به مصر الحديثة.»٨٤

وعلى كلٍّ استمر تعرُّض الآثار للدمار، ونبه مينو — القنصل الفرنسي العام — محمد علي باشا إلى أن معبد دندرة تقتلع حجارته لتستخدم في بناء مصنع للنسيج بقنا، وتمنى مينو على الباشا أن يوقع بالفاعلين عقوبة صارمة ليتأكد أن «أحدًا من أولئك المتوحشين» لن يجرؤ على استخدام حجارة المعابد في بناء «مصانع حقيرة».٨٥ وعندما علم محمد علي باستمرار تعرُّض الآثار للدمار مرة أخرى، علَّق الاتهام في رقبة الأوروبيين الذين لا سلطان عليهم.

ففي ١٥ أغسطس ١٨٣٥م، أصدر محمد علي أمرًا وجَّه فيه أصبع الاتهام إلى سوابق تصرفات الأوروبيين في هذا المجال، ليبرر خطر تصدير الآثار، ويأمر بجمعها لتعرض في القاهرة: «ومن المعلوم أن الأوروبيين لديهم مبان لحفظ الآثار، والأحجار المنقوشة، والنقوش، وغيرها من الأشياء الأخرى، التي يتم حفظها بعناية وعرضها على أهل البلاد وزوارها من الأجانب … ومثل هذه الأبنية تجلب الشهرة للبلاد التي تقيمها.»٨٦

ونصَّ الأمر على إرسال الآثار التي يتم جمعها إلى الطهطاوي ناظر مدرسة الألسن بالأزبكية، وأن على الطهطاوي وحككيان اختيار الموقع المقترح لإقامة المتحف في مقابل المدرسة، وأسند تصميم المبنى إلى حككيان، حكم كونه مهندسًا، كما أسندت نظارة المتحف إلى يوسف ضياء أفندي، الذي كان عليه — أيضًا — القيام بدورات تفتيشية سنوية إلى المواقع الأثرية بالصعيد، فقام ضياء أفندي بجولة تفتيشية، وعيَّن ممثلين له بالصعيد لتجميع ما يتم العثور عليه من آثار وإرساله إلى القاهرة، ورغم إشارة أمر محمد علي إلى أن أهل البلاد وزوارها يشاهدون الآثار بالمتحف، اقتصر دخول المتحف على «السياح من زوار البلاد».

ولو قُدِّر لهذه الخطة أن تنفذ، لسارت مصر مع اليونان جنبًا إلى جنب في تحقيق السيطرة والحماية الوطنية للآثار. فقد أسس متحفها الوطني عام ١٨٢٩م، والإدارة المختصة بالآثار فيها في ١٨٣٣م، وصدر أول قانون خاص بالآثار فيها عام ١٨٣٤م، وأسست الجمعية الآثارية اليونانية عام ١٨٣٧م. وفي فرنسا أدى الاستيلاء على التحف والأيقونات الدينية الملكية أيام الثورة إلى إقامة متحف لها بدير الجراند أوجستان في تسعينيات القرن الثامن عشر. وأدت عودة البوريون إلى الحكم في فرنسا إلى إشاعة نوع من الحنين إلى العصور الوسطى. وفي عام ١٨٣٠م قام فرانسوا جيزو — المؤرخ والوزير الدائم للوي فيليب — بتعيين مفتش للآثار التاريخية، وبعد ذلك بأربع سنوات، أسست الحكومة الفرنسية «لجنة الآثار التاريخية». أما في بريطانيا، فقد أدى الاهتمام بحقوق الملكية الفردية إلى تأخير تعيين مفتش مسئول عن الآثار القديمة، حتى تم ذلك عام ١٨٨٢م.٨٧

ويعتبر المصريون — أحيانًا — الأمر الصادر في ١٨٣٥م حجر الأساس لإقامة مصلحة الآثار المصرية والمتحف المصري.٨٨ ولكن المصادر الفرنسية تشير إلى أن الهدف من صدوره هو عرقلة جهود القنصل الفرنسي العام مينو لجمع الآثار المصرية وتصديرها خارج البلاد. وعلى كلٍّ، كان من سوء الطالع أن الأمر الذي أصدره محمد علي لإنشاء ١٨ مصنعًا للملح الصخري (نترات البوتاسيوم أو الصوديوم) أدى إلى تدمير الإيوان التاسع بمعبد الكرنك وتحويله إلى أحجار استخدمت في بناء أحد تلك المصانع.٨٩ وأبدى القنصل الأمريكي جورج جليدون سعادته بهزيمة محمد علي في «المسألة الشرقية» ١٨٤٠-١٨٤١م؛ لأن ذلك يؤدي إلى توقف بناء المصانع مما يقلل من نهب الآثار وتحويلها إلى مواد بناء.٩٠

وشجع نهم الغرب إلى الآثار الأوروبيين — من القناصل إلى أقل الناس شأنًا — على السخرية من حظر تصدير الآثار، فقد قام شامبليون نفسه بقطع لوحة من مقبرة سيتي الأول المكتشفة، كما انتزع مينو لوحة الملوك من معبد أبيدوس، واستطاع بريس دافين أن يرشي رجال الجمارك بالإسكندرية لتصدير لوحة الملوك دون الحاجة إلى مساعدات القنصل.

وكانت المسلات أعظم الآثار شأنًا وأكثرها اجتذابًا، وقد حملها الرومان معهم غنيمة إلى روما والقسطنطينية. وقد اقترح الجنرال ديزيه على نابليون أن يأخذ إحداها معه إلى باريس.٩١ وبعد إجلاء الفرنسيين عن مصر عام ١٨٠١م، تحدث الضباط الإنجليز عن أخذ إحدى مسلات الإسكندرية معهم احتفالًا بالنصر على الفرنسيين. وتغيرت الأذواق عند أوائل القرن الثامن عشر، عندما اقترح بوادي ماييه نقل عمود بومبي — وليس إحدى المسلات — إلى باريس. واقترح دروفتي على محمد علي باشا أن يكسب ود الملك لوي الثامن عشر بإهداء فرنسا إحدى مسلات الإسكندرية. واستطاع شامبليون أن يساومه على المسلة الأحسن حالًا بمعبد الأقصر، وأخيرًا وصلت المسلة إلى باريس لتقف شامخة في ميدان الكونكورد عام ١٨٣٦م. ورفض الإنجليز أن يتحملوا نفقات نقل المسلة التي وعدهم بها محمد علي، ولكن إرازمس ويلسون — الخيّر — تحمل نفقات نقلها وإقامتها على ضفاف التيمس.٩٢

وفي عام ١٨٤١م، نشر القنصل الأمريكي جليدون — عضو الجمعية المصرية — كتابه «التماس إلى آثاريي أوروبا بشأن تخريب آثار مصر»، وتساءل ساخرًا: «لماذا لا نقيم حائطًا من الحجر الجيري في كل موقع أثري، حتى يحفر عليه — كل سائح إنجليزي متجه إلى الهند أو قادم منها — اسمه؟» ولعل السياح الذين يضيقون ذرعًا بالآثار التي زاروها يمضون الوقت في كتابة أسمائهم على النحو الذي كان يفعله الوندال في زخرفة حوائطهم.٩٣

واتهم جليدون مينو باستحواذه على لوحة الملوك الخاصة بمعبد أبيدوس من قبيل المنفعة المادية وليس اهتمامًا بالآثار. ووجه اللوم إلى دروفتي وسولت لصراعهما حول «تمثال جرانيتي لأبي الهول، وليس صراعهما حول الفرعون الذي أمر بنحته، ولكن حول السعر الذي يجلبه عندما يباع في أوروبا»،٩٤ ولكن جليدون أعاد النظر في موقفه هذا، فامتدح شامبليون «لإنقاذه الآثار من جحورها، لتنعم بالأمان في المتاحف الأوروبية». ووصف سولت بأنه «رجل نبيل وعالم»، واستنكر جليدون صدور الأمر الخاص بالآثار عام ١٨٣٥م واعتبره خادعًا، يمثل «عملًا جديدًا من أعمال الإحتكار» الذي يعرقل التجارة الحرة برعاية الحضارة، ويقيم متحفًا بمصر! وطالب بإصدار فرمان عثماني يجعل من القناصل «أمناء على الآثار»، ويأمر المصريين بإطاعة أمرهم فيما يتصل بحماية الآثار.٩٥ ولعب جليدون دورًا مهمًّا في نشر الاهتمام بمصر القديمة في الولايات المتحدة في الأربعينيات من القرن التاسع عشر، ونشر — أيضًا — الفكرة القائلة بأن قدماء المصريين كانوا مبدعين.٩٦

وفي العام ١٨٤٢م، ذكر محمد علي لليبسيوس أن مشروع إقامة المتحف المصري قد فشل، وبرر ذلك بالقول بأن مصر الحديثة ما زالت في «بدايات الحضارة». ولكن تقييم ويلكنسون لذلك الموقف كان فجًا، فقد قال:

«إقامة متحف بمصر فكرة خيالية محضة، فبينما يؤدي حظر تصدير الآثار من مصر إلى الإضرار بالعالم، لا تحقق مصر مغنمًا. فالحفائر تتم دون حاجة إلى معرفة أو جهد، ومن يعملون فيها يخدعون الباشا ولا يهتمون بإقامة المتحف … وبعد وضع الحظر كعقبة في طريق الأوروبيين، لن يقيم الباشا متحفًا.»٩٧

وبعد ذلك ببضع سنوات، تلقَّى لينان دي بليفون أمرًا من الحكومة المصرية عام ١٢٦٥ﻫ/١٨٤٨-١٨٤٩م ليقوم بالتفتيش على مواقع الآثار المصرية، وأن يشحن إلى القاهرة ما يراه عرضة للنهب من جانب السياح والتجار. ولكن جهوده في هذا الصدد لم تكلل بالنجاح.

واستخدم إبراهيم باشا نجل محمد علي، رجلًا تركيًّا للتنقيب عن الآثار بالأقصر، وقام بطرد المنقبين الآخرين. وقلل ويلكنسون من قيمة المجموعة التي نتجت عن هذا العمل، وتجمعت في قصر إبراهيم، فقد احتوت على «خليط من المومياوات المحطمة والتوابيت وبعض اللوحات غير الكاملة، ومجموعة متنوعة من حطام الآثار».

وبعد عصر محمد علي، اهتم عباس الأول بالآثار، فأمر اثنين من المهندسين بالقيام بالتفتيش على المواقع الأثرية بالصعيد، وأمر ناظر ديوان المدارس بإعداد تقرير عن المواقع الأثرية القريبة من القاهرة.٩٨ ويذكر جاستون ماسبيرو أن عباسًا نقل مجموعة الآثار التي كانت بالأزبكية إلى القلعة عام ١٨٥١م،٩٩ ولكن مصدرًا آخر يؤكد أن عباسًا أصدر أمرًا في أكتوبر ١٨٤٩م بنقل مدرسة الألسن إلى الناصرية (السيدة زينب)، ولما كانت الحاجة ماسة إلى مكان أرحب بسبب ضيق المكان هناك، فقد تم نقل مجموعة الآثار إلى مدرسة المهندسخانة ببولاق، وعلى كلٍّ، قام عباس الأول بإهداء المجموعة إلى السلطان عبد العزيز، وأهدى خلفه سعيد ما بقي منها إلى ماكسمليان — أرشيدوق النمسا — عام ١٨٥٥م. وكان اتجاه الوالي العثماني في مصر إلى اعتبار الآثار المصرية هدية مناسبة للسلطان، جديدًا في بابه. وفي إستانبول أيضًا، بدأت الحكومة الاهتمام بالآثار والمتاحف وما تمثله من تراث. ويقبع نصيب ماكسمليان من الآثار بمتحف الآثار التاريخية بفيينا الآن.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة