حكاية إيلا – مازن عبدالسلام
كنتُ في الثالثة عشرة من عمري حين فقدتُ أبي وأمي، وكأن العالم كله قد خذلني دفعة واحدة. رميتني الحياة في مكبّ للنفايات، وحيدًا، بلا سند، بلا أمل. في ذلك المكان القذر حيث يختبئ اليأس خلف كل زاوية، انطفأت الحياة في عيني، ولم أجد شيئًا في هذا العالم يستحق القتال من أجله.
كل يوم كان يبدأ وينتهي في رحلة بحث مريرة عن لقمة تكفيني لأستمر في الحياة، كأنني أقاتل في معركة لا تعرف النصر. في ذات يوم، وأثناء تقلبي بين القمامة، لفتت نظري فتاة ذات عيون لا أستطيع وصف جمالها، ولكنها كانت تنطق بحكايات ألم عميقة. اقتربت مني بهدوء، قدمت لي طعامها، وأمسكت بيدي كأنها تقول لي: “لن تكون وحدك”.
أخذتني بعيدًا عن المكبّ، وحكت لي قصة مأساتها. كانت إيلا، التي فقدت والديها أيضًا، وتركتها زوجة أبيها في هذا المكان القاسي لتتخلص من عبء طفولتها. كانت بعمر تسع سنوات حين رمتها في المكب، لا تعرف كيف تحمي نفسها ولا إلى أين تذهب.
حكت لي، وعيناها تفيضان بحزن الطفولة الضائعة:
“هذا عالم مريض، بلا ضمير، لا يمكنني أن أثق بأحد. كيف لي أن أؤسس حياة وأربي أطفالي وأنا محاطة بهذه الجراح؟”
نظرت إليها وقلت لها بقلب مملوء بالألم والأمل:
“إيلا، لا نحتاج لأحد لنكون أقوياء. عقولنا أكبر من أعمارنا، وقد تحملنا أعباء لا يطيقها الكثيرون. كل ما عانيناه سنصبر عليه، وسننتظر الفرج الذي سيأتي لا محالة”.
مر أسبوع، ثم جاءت امرأة مسنة مع زوجها. بداا عليهما الطيبة والحنان. اختارانا أن نعيش معهم، لكن إيلا رفضت الخروج من المكبّ. بكلمات طفولية، قالت:
“ميدو، لا أريد أن أغادر هذا المكان، أريد أن أبقى هنا وأكبر فيه” لأن اذا خرجت من هنا
كنت أصرخ بها والدموع تنهمر من عيني:
“كيف نعيش هكذا؟ يوم نأكل ويوم لا، كيف ستستمر الحياة في هذا العذاب؟ أخبريني، ماذا تجدين هنا؟”
انهارت بالبكاء، وأخذتها إلى كوخنا الصغير المتهالك. بعد يوم وافقت على الخروج. وعادت المرأة المسنة، كأنها كانت مرسلة من القدر لإنقاذنا. خرجنا معها، ومن تلك اللحظة، بدأت حياتنا تتغير.
كانت هذه المرأة هدية من الله، أخرجتنا من عتمة المكب إلى نور الحياة.
مرّت اثنتا عشرة سنة، وكبرنا وتزوجنا. واجهنا مرضًا ومعارك الحياة، ولكننا لم نرضخ. عملنا سويًا وأسّسنا فريقًا خيريًا لرعاية الأيتام والمشردين، جمعنا أكثر من أربعين طفلًا، استمعنا لقصصهم، وروينا لهم قصتنا.
علمناهم أن وراء كل إنسان حكاية، وخلف كل حكاية ظروف، وأن من يحمل الألم بصبر يخرج منتصرًا، وأن المال لا يقيّم قيمة الإنسان.
وهكذا هي الحياة، والناجح الحقيقي هو من يعرف كيف ينجو بقلبه، ولا يستسلم مهما عاندته الأقدار.





