جواهر البلاغة: في المعاني والبيان والبديع: المجاز-احمد الهاشمي
تنبيهات عشرة
- التنبيه الأول: كل تبعية قرينتها مكنية.
- التنبيه الثاني: إذا أجريت الاستعارة في واحدة من الاستعارة التصريحية أو من الاستعارة المكنية، امتنع إجراؤها في الأخرى.
- التنبيه الثالث: تقسيم الاستعارة إلى «أصلية وتبعية» عام في كل من الاستعارة التصريحية والمكنية.
- التنبيه الرابع: تبين أن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي،٢٧ أو هي: «مجاز لغوي» علاقته المشابهة، كقول زهير:لدَى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقَذَّفٍ له لِبَدٌ أظفاره لم تُقَلَّمِفقد استعار الأسد للرجل الشجاع؛ لتشابههما في الجراءة، والمستعار له هنا: لفظ «محقق حسًّا».وكقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فقد استعار الصراط المستقيم للدين الحق؛ لتشابهما في أن كلًّا يوصل إلى المطلوب.وكقوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؛ أي من الضلال إلى الهدى، فقد استعير لفظ الظلمات للضلال؛ لتشابههما في عدم اهتداء صاحبيهما، ثم استعير لفظ الظلمات للضلال، وكذلك استعير لفظ النور للإيمان؛ لتشابههما في الهداية، والمستعارات — وهو الضلال والإيمان — كل منها «محقق عقلًا» وتُسمى هذه الاستعارات «تصريحية» وتسمى «تحقيقية».وأما قول أبي ذؤيب الهذلي:وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفعفشبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس قهرًا من غير تفرقة بين نفاع وضرار، ولم يذكر لفظ المشبه، بل ذكر بعض لوازمه وهو أظفارها التي لا يكمل الاغتيال في السبع إلا بها؛ تنبيهًا على المشبه به المحذوف.فهو استعارة «مكنية». وكقوله:ولئن نطقت بشكر برِّك مفصحًا فلسان حالي بالشكاية أنطقفشبه الحال بإنسان ناطق في الدلالة على المقصود، ولم يصرح بلفظ المشبه به بل ذكر لازمه وهو «اللسان» الذي لا تقوم الدلالة الكلامية إلا به؛ تنبيهًا به عليه، فهو أيضًا استعارة «مكنية».وقد أثبت للمشبه لازم من لوازم المشبه به، لا يكون إلا به كماله أو قوامه في وجه الشبه «كالأظفار» التي لا يكمل الافتراس إلا بها كما في المثال الأول، و«اللسان» الذي لا تقوم الدلالة الكلامية في الإنسان إلا به، كما في المثال الثاني وليس «للمنية» شيء كالأظفار نقل إليه هذا اللفظ، ولا «للحال» شيء «كاللسان» نقل إليه لفظ اللسان.وما كان هذا حاله يعتبر طبعًا «تخييلًا، أو استعارة تخييلية».
- التنبيه الخامس: تقدم أن الاستعارة التصريحية أو المصرحة هي ما صُرح فيها بلفظ المشبه به، وأن المكنية هي ما حُذف فيها لفظ المشبه به؛ استغناء ببعض لوازمه التي بها كماله أو قوامه في وجه الشبه،٢٨ وأن إثبات ذلك اللازم تخييل أو استعارة تخييلية، غير أنهم اختلفوا في تعريف كل من المكنية والتخييلية.فمذهب السلف أن المكنية: اسم المشبه المستعار في النفس للمشبه، وأن إثبات لازم المشبه به للمشبه «استعارة تخييلية»٢٩ فكل من «الأظفار» في قوله: «وإذا المنية أنشبت أظفارها»، و«اللسان» في قوله: «فلسان حالي بالشكابة أنطق» حقيقة؛ لأنه مستعمل فيما وُضع له.ومذهب «الخطيب القزويني» أن المكنية هي التشبيه المضمر في النفس، المرموز إليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، وهذا الإثبات هو الاستعارة «التخييلية».٣٠ومذهب «السكاكي» أن المكنية لفظ المشبه، مرادًا به المشبه به،٣١ فالمراد ﺑ «المنية» في قوله: «وإذا المنية أنشبت أظفارها» هو السبع بادعاء السبعية لها، وإنكار أن تكون شيئًا غير السبع، بقرينة إضافة الأظفار التي هي من خواص السبع لها.و«التخييلية» عنده ما لا تحقق لمعناه «لا حسًّا ولا عقلًا» بل هو صورة وهمية محضة، كالأظفار في ذلك المثال، فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال — أخذ الوهم يصورها بصورته، ويخترع لها لوازمه، فاخترع لها صورة كصورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ الأظفار، فيكون لفظ الأظفار استعارة «تصريحية تخييلية».أما أنها تصريحية؛ فلأنه صرح فيها بلفظ المشبه به، وهو اللازم الذي أطلق على صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار المحققة.أما أنها «تخييلية» فلأن المستعار له غير محقق «لا حسًّا ولا عقلًا»، والقرينة على نقل الأظفار من معناها الحقيقي إلى المعنى المتخيل — إضافتها إلى المنية.٣٢هذا؛ ومذهب السكاكي في المكنية مردود عليه بأن لفظ المشبه فيها مستعمل فيما وضع له تحقيقًا، للقطع بأن المراد بالمنية «الموت» لا غير، فليس مستعارًا.
- التنبيه السادس: الاستعارة صفة للفظ على المشهور، والحق أن المعنى يعار أولًا، ثم يكون اللفظ دليلًا على الاستعارة؛ وذلك:
- (١)لأنه إذا لم يكن نقل الاسم تابعًا لنقل المعنى تقديرًا لم يكن ذلك استعارة مثل «الأعلام المنقولة» فأنت إذا سميت إنسانًا ﺑ «أسد، أو نمر، أو كلب» لا يقال: إن هذه الأسماء مستعارة؛ لأن نقلها لم يتبع نقل معانيها تقديرًا.
- (٢)ولأن البلغاء جزموا بأن «الاستعارة أبلغ من الحقيقة» فإن لم يكن نقل الاسم تابعًا لنقل المعنى لم يكن فيه مبالغة؛ إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرد عن معناه.
- التنبيه السابع: ظهر أن الاستعارة باعتبار اللفظ نوعًا «أصلية وتبعية».فالأصلية: ما كان فيها المستعار اسم جنس غير مشتق، سواء أكان اسم ذات كأسد للرجل الشجاع، أم اسم معنًى كقتل للإذلال، وسواء أكان اسم جنس «حقيقة» كأسد وقتل، أم «تأويلًا» كما في الأعلام المشهورة بنوع من الوصف؛ كحاتم في قولك: «رأيت اليوم حاتمًا» تريد رجلًا كامل الجود؛ فاعتبر لفظ «حاتم» في قوة الموضوع لمفهوم كلي، حتى كاد يغلب استعماله في كل من له وصف حاتم، فكما أن أسدًا يتناول الحيوان المفترس والرجل الشجاع، كذلك حاتم يتناول الطائي وغيره ادَّعاء، ويكون استعماله في «الطائي» حقيقة، وفي غيره مجازًا؛ لأن الاستعارة مبنية على ادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا بد أن يكون المشبه به كليًّا ذا أفراد.والمراد «باسم الجنس» غير المشتق «ما صلح لأن يصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة».وليس العلم الشخصي، واسم الإشارة، والضمير، والموصول — من الكليات، فلا تصح أن تجري فيها الاستعارة الأصلية، أما المشتق فالصفة جزء من مدلوله وضعًا؛ لأنه موضوع لذات متصفة بصفة، ﻓ «كريم» موضوع لذات متصفة بالكرم، و«قتل» موضوع لذات متصفة بوقوع القتل عليها.وقد اعتبرت «الأعلام» التي تتضمن معنى الوصف اسم جنس تأويلًا، ولم تعتبر من قبيل المشتق؛ لأن الوصف ليس جزءًا من معناها وضعًا، بل هو لازم له، غير داخل في مفهومه، فحاتم لم يوضع للدلالة على الجود، ولا على ذات متصفة به، ولكن الجود عرض له، ولزمه فيما بعد.
- التنبيه الثامن: التبعية٣٣ ما كان فيها المستعار مشتقًّا، ويدخل في هذا الفعل والاسم المشتق، والحرف.فاستعارة الفعل٣٤ نحو قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ، ونحو قوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، ونحو قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.(١) يقال: شبه زيادة الماء زيادة مفسدة بالطغيان، بجامع مجاوزة الحد في كلٍّ، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم استعير المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق من الطغيان بمعنى الزيادة «طغى بمعنى زاد وعلا» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.هذا؛ وقد يستعمل لفظ الماضي موضوع المضارع؛ بناءً على تشبيه المستقبل المحقق بالماضي الواقع، بجامع تحقق الوقوع في كلٍّ، ونحو قوله تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا.وقد يعبر بالمضارع عن الماضي بناء على تشبيه غير الحاضر بالحاضر في استحضار صورته الماضية؛ لنوع غرابة فيها نحو قوله تعالى: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.
- التنبيه التاسع: استعارة المشتق إما صفة،٣٥ وإما اسم زمان أو مكان أو آلة، فالصفة نحو: «حُكم على قاتلك بالسجن» من القتل بمعنى الضرب الشديد مجازًا، ونحو: «إنما أصادق الأصم عن الخنى، وأجاور الأعمى عن العورات» ونحو: «فلسان حالي بالشكاية أنطق»؛ أي أدل.ونحو قوله تعالى: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ونحو: «جئت بمقتالك»؛٣٦ أي: بالآلة التي أضربك بها ضربًا شديدًا.
- التنبيه العاشر: مدار قرينة التبعية في الفعل والمشتق على ما يأتي:
- (١)على الفاعل، نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ و«نطقت الحال بكذا».٣٧
- (٢)أو على نائبه، نحو: ضربت عليهم الذلة والمسكنة.٣٨
- (٣)أو على المفعول به، نحو:جمع الحق لنا في إمام قتل البخل وأحيا السماحا٣٩
- (٤)أو على المفعول به الثاني، نحو:صبحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها٤٠
- (٥)أو على الفاعل والمفعولين، كقول الشاعر:تَقْرِي الرياحُ رياضَ الحزن مزهرةً إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا٤١
- (٦)أو على المفعولين كقوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا.
- (٧)أو على المجرور، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ٤٢ ونحو: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ونحو: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ.هذا؛ وقد تكون قرينة التبعية غير ذلك، نحو: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا٤٣ إذ القرينة في هذه الآية كونه من كلام الموتى، مع قوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
- التنبيه الحادي عشر: استعارة الحرف،٤٤ نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا فقد شبه مطلق ترتب علة واقعية على فعل٤٥ بمطلق ترتب علة غائية على فعل،٤٦ بجامع مطلق الترتب في كلٍّ،٤٧ فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعمل في جزئي المشبه٤٨ «اللام» الموضوعة لجزئي المشبه به٤٩ على سبيل الاستعارة التبعية.ونحو قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ٥٠ ونحو قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ٥١ ونحو: «زيد في نعمة».٥٢ومن هذه الأمثلة السابقة تتبين أنه لا يُشترط أن يكون للمشبه حرف موضوع له يدل عليه.واختار «السكاكي» تقليلًا لأقسام الاستعارة أن يستغني عن التبعية في «الفعل، والمشتق، والحرف» بأن يجعل قرينة التبعية استعارة مكنية، وأن يجعل التبعية قرينة للمكنية.ففي قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ يجعل القوم الطغيان مستعارًا للكثرة المفسدة.ويقول «السكاكي»: في لفظ «الماء» استعارة مكنية، ونسبة الطغيان إليه قرينة.
(٨) المبحث الثامن: في تقسيم الاستعارة المصرحة باعتبار الطرفين إلى عنادية ووفاقية
- فالعنادية: وهي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لتنافيهما كاجتماع النور والظلام.
- والوفاقية: هي التي يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لعدم التنافي كاجتماع النور والهدى.
ومثالهما قوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ؛ أي ضالًّا فهديناه.
ففي هذه الآية استعارتان:
- الأولى: في قوله: «ميتًا» شبه الضلال بالموت، بجامع ترتب نفي الانتفاع في كلٍّ، واستعير الموت للضلال، واشتق من الموت بمعنى الضلال ميتًا بمعنى ضالًّا، وهي عنادية؛ لأنه لا يمكن اجتماع الموت والضلال في شيء واحد.
- والثانية: استعارة الإحياء للهداية، وهي «وفاقية» لإمكان اجتماع الإحياء والهداية في الله تعالى، فهو محيي وهادٍ.
ثم العنادية قد تكون تمليحية؛ أي المقصود منها التمليح والظرافة. وقد تكون تهكمية؛ أي المقصود منها التهكم والاستهزاء، بأن يستعمل اللفظ الموضوع لمعنًى شريف على ضدِّه أو نقيضه، نحو «رأيت أسدًا» تريد جبانًا، قاصدًا التمليح والظرافة، أو التهكم والسخرية، وهما اللتان نُزِّل فيهما التضاد منزلة التناسب، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ؛ أي «أنذرهم» فاستعيرت البشارة التي هي الخبر السار للإنذار الذي هو ضده بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء.
وكقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ.
(٩) المبحث التاسع: في تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع
الاستعارة المصرحة باعتبار «الجامع» نوعان:٥٣
- (١)عامية: وهي القريبة المبتذلة التي لاكتها الألسن، فلا تحتاج إلى بحث، ويكون الجامع فيها ظاهرًا، نحو: رأيت أسدًا يرمى.وكقوله:وأدهم يستمد الليل منه وتطلع بين عينيه الثريَّافقد استعار الثريا لغرَّة المهر، والجامع بين الطرفين ظاهر، وهو البياض، وقد يتصرَّف في العامية بما يخرجها إلى الغرابة.
- (٢)وخاصية: وهي الغريبة التي يكون الجامع فيها غامضًا، لا يُدركه أصحاب المدارك «من الخواص» كقول كثيِّر يمدح عبد العزيز بن مروان:غمرُ الرِّداء إذا تبسم ضاحكًا غلقت لضحكته رقاب المالغمرُ الرِّداء «كثير العطايا والمعروف» استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون ويستر عرض صاحبه، كستر الرداء ما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر وهو القرينة على عدم إرادة معنى الثوب؛ لأن الغمر من صفات المال، لا من صفات الثوب.وهذه الاستعارة لا يظفر باقتطاف ثمارها إلا ذوو الفطر السليمة والخبرة التامة.
(١٠) المبحث العاشر: في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يتصل بها من الملائمات وعدم اتصالها
تنقسم الاستعارة باعتبار ذكر «ملائم المستعار منه»، أو باعتبار ذكر «ملائم المستعار له»، أو باعتبار عدم اقترانها بما يلائم أحدهما؛ إلى ثلاثة أقسام: مطلقة، ومرشحة، ومجردة.
- (أ)فالمطلقة: هي التي لم تقترن بما يلائم المشبه والمشبه به، نحو: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ أو ذُكر فيها ملائمها معًا، كقول زهير:لَدَى أسدٍ شاكي السلاح مقذَّف له لبد أظفاره لم تُقَلَّمِاستعار الأسد للرجل الشجاع، وقد ذكر ما يناسب المستعار في قوله: «شاكي السلام مقذف» وهو التجريد، ثم ذكر ما يناسب المستعار منه في قوله: «له لبد أظفاره لم تقلم» وهو الترشيح، واجتماع التجريد والترشيح يؤدي إلى تعارضهما وسقوطهما، فكأن الاستعارة لم تقترن بشيء، وتكون في رتبة «المطلقة».
- (ب)والمرَشحة: هي التي قُرنت بملائم المستعار منه «أي المشبه به» نحو: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ استعير الشراء للاستبدال والاختيار، ثم فُرع عليها ما يلائم المستعار منه «من الربح والتجارة»، ونحو: «من باع دينه بدنياه لم تربح تجارته».وسُميت مرشحة؛ لترشيحها وتقويتها بذكرى الملائم، وترشيح الاستعارة التصريحية متفق عليه.
- (جـ)والمجرَّدة: هي التي قُرنت بملائم المستعار له «أي المشبه» نحو: اشترِ بالمعروف عرضك من الأذى.وسُمِّيت بذلك؛ لتجريدها عن بعض المبالغة، لبعد المشبه حينئذ عن المشبه به بعض بُعد؛ وذلك يبعد دعوى الاتحاد الذي هو مبنى الاستعارة.ثم اعتبار الترشيح والتجريد إنما يكون بعد تمام الاستعارة بقرينتها، سواء أكانت القرينة مقالية أم حالية، فلا تعد قرينة المصرحة تجريدًا ولا قرينة المكنية ترشيحًا، بل الزائد على ما ذكر.واعلم أن الترشيح أبلغ من غيره؛ لاشتماله على تحقيق المبالغة بتناسي التشبيه، وادعاء أن المستعار له هو نفس المستعار منه «لا شيء شبيه به» وكأن الاستعارة غير موجودة أصلًا، والإطلاق أبلغ من التجريد، فالتجريد أضعف الجميع؛ لأن به تضعف دعوى الاتحاد.وإذا اجتمع ترشيح وتجريد فتكون الاستعارة في رتبة المطلقة؛ إذ بتعارضهما يتساقطان، كما سبق تفصيله.وكما يجري هذا التقسيم في «التصريحية» يجري أيضًا في «المكنية».
(١١) المبحث الحادي عشر: في المجاز المرسل المرَكب
المجاز المرسل المركب: هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وُضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي.
ويقع أولًا في المركبات الخبرية المستعملة في الإنشاء وعكسه، لأغراض:
- (١)منها: التحسُّر وإظهار التأسف، كما في قول الشاعر:ذهب الصبا وتولت الأيام فعلى الصبا وعلى الزمان سلامفإنه وإن كان خبرًا في أصل وضعه، إلا أنه في هذا المقام مستعمل في إنشاء التحسر والتحزن على ما فات من الشباب.وكما في قول جعفر بن عُلبة الحارثي:هواي مع الركب اليمانين مصْعَدٌ جنيب وجثماني بمكة موثقفهو يشير إلى الأسف والحزن الذي ألمَّ به من فراق الأحبة، ويتحسَّرُ على ما آل إليه أمره، والقرينة على ذلك حال المتكلم، كما يُفهم من الشطر الثاني في قوله «هواي … إلخ».
- (٢)ومنها: إظهار الضعف، كما في قوله:ربِّ: إني لا أستطيع اصطبارا فاعف عني يا من يقيل العثارا
- (٣)ومنها: إظهار السرور، نحو: كُتِبَ اسمي بين الناجحين.
- (٤)ومنها: الدعاء، نحو: نجَّح الله مقاصدنا … أيها الوطن لك البقاء.
وثانيًا: في المركبات الإنشائية ﮐ «الأمر، والنهي، والاستفهام» التي خرجت عن معانيها الأصلية، واستُعملت في معانٍ أُخَر، كما في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»؛ إذ المراد «يتبوأ مقعده» والعلاقة في هذا «السببية والمسببية»؛ لأن إنشاء المتكلم للعبارة سبب لإخباره بما تتضمَّنه، فظاهره أمر، ومعناه خبر.
(١٢) المبحث الثاني عشر: في المجاز المرَكب٥٤ بالاستعارة التمثيلية
المجاز المركب بالاستعارة التمثيلية: هو تركيب استعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي، بحيث يكون كل من المشبه والمشبه به هيئة منتزعة من متعدد؛ وذلك بأن تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور «بأخرى» ثم تدخل المشبه في الصورة المشبهة بها؛ مبالغة في التشبيه، ويسمَّى بالاستعارة التمثيلية،٥٥ وهي كثيرة الورود في الأمثال السائرة، نحو: «الصيف ضيَّعت اللبن» يضرب لمن فرَّط في تحصيل أمر في زمن يمكنه الحصول عليه فيه، ثم طلبه في زمن لا يمكنه الحصول عليه٥٦ فيه.
ونحو: «إني أراك تقدم رِجْلًا وتؤخرُ أخرى» يضرب لمن يتردد في أمر، فتارة يقدم وتارة يحجم. ونحو: «أحشفًا وسوء كيلة» يُضرب لمن يظلم من وجهين، وأصله أن رجلًا اشترى تمرًا من آخر، فإذا هو رديء، وناقص الكيل، فقال المشتري ذلك. ومثل ما تقدم جميع الأمثال السائرة «نثرًا ونظمًا».
فمن النثر قولهم لمن يحتال على حصول أمر خفي، وهو مستتر تحت أمر ظاهر: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وقولهم: «تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها»، وقولهم لمن يريد أن يعمل عملًا وحده وهو عاجز عنه: «اليد لا تُصفق وحدها»، وقولهم لمجاهد عاد إلى وطنه بعد سفر: «عاد السيف إلى قرابه، وحل الليث منيع غابه»، وقولهم لمن يأتي بالقول الفصل: «قطعت جهيزة قول كل خطيب».٥٧
ومن الشعر قول الشاعر:
إذا جاء موسى وألقى العصا
فقد بطل السحر والساحر
وقول آخر:
إذا قالت حَذامِ فصِّدقوها
فإن القول ما قالت حَذامِ
وقول آخر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدِمُ٥٨
وإذا فشت وشاعت الاستعارة التمثيلية،٥٩ وكثر استعمالها — تكون مثلًا٦٠ لا يُغير مطلقًا، بحيث يخاطب به المفرد، والمذكر، وفروعهما بلفظ واحد من غير تغيير ولا تبديل عن مورده الأول، وإنْ لم يطابق المضروب له.
ولذا كانت هذه الاستعارة محط أنظار البلغاء، لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفردًا أو مركبًا؛ إذ مبناها تشبيه التمثيل الذي قد عرفت أن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من أشياء متعددة.
ومن ثم كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون إليه، ويتفاوتون في إصابته، وقد كثر ذلك في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحجج على إعجازه.
والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة، وهي أبلغ من التشبيه؛ لأنها تضع أمام المخاطب بدلًا من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره، وتذهله عما ينطوي تحتها من التشبيه، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الروعة، وسمو الخيال — تكون البلاغة في الاستعارة.
وأبلغ أنواع الاستعارة «المرشحة» لذكر ما يناسب المستعار منه فيها، بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المستعار منه.
ثم تليها «المطلقة» لترك ما يناسب الطرفين فيها؛ بناء على دعوى التساوي بينهما.
ثم تليها «المجردة» لذكر ما يناسب المستعار له فيها؛ بناء على تشبيهه بالمستعار منه.
ولا بد في الاستعارة، وفي التمثيل على سبيل الاستعارة — من مراعاة جهات حسن التشبيه: كشمول وجه الشبه للطرفين، ومن كون التشبيه وافيًا بإفادة الغرض، ومن عدم شم رائحة التشبيه لفظًا، ويجب أن يكون وجه الشبه بين الطرفين جليًّا؛ لئلا تصير الاستعارة والتمثيل تعمية.





