جواهر البلاغة: في المعاني والبيان والبديع: المجاز-احمد الهاشمي
هوامش
(١) أقول: إن المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يُستدل بها عليها؛ ليُعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بد منها، فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نُقل إلى غيره صار مجازًا.
واعلم أنه ليس لكل مجاز «حقيقة» يتفرع عنها، فلفظ «الرحمن» استعمل مجازًا في المنعم، ولم يُستعمل في معناه الوضعي، وهو: الرقيق القلب، ولكن الغالب أن يتفرع المجاز عن الحقيقة.
(٢) القرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير ما وُضع له، فهي تصرف الذهن عن المعنى الوضعي إلى المعنى المجازي، وبتقييد القرينة بمانعة … إلخ خرجت «الكناية» فإن قرينتها لا تمنع من إرادة المعنى الأصلي. والقرينة: إما لفظية أو حالية، فاللفظية: هي التي يُلفظ بها في التركيب، والحالية: هي التي تُفهم من حال المتكلم أو من الواقع.
وأما القرينة التي تعين المراد من المجاز فليست شرطًا.
واعلم أن كلًّا من المجاز والكناية في حاجة إلى قرينة، ولكنها في المجاز مانعة، وفي الكناية غير مانعة.
(٣) العلاقة هي المناسبة بين المعنى المنقول عنه والمنقول إليه، وسميت بذلك؛ لأن بها يتعلق ويرتبط المعنى الثاني بالأول، فينتقل الذهن من الأول للثاني، وباشتراط ملاحظة العلاقة يخرج الغلط، كقولك: «خذ هذا الكتاب» مشيرًا إلى فرس مثلًا؛ إذ لا علاقة هنا ملحوظة.
(٤) سمي «مرسلًا» لإطلاقه عن التقييد بعلاقة واحدة مخصوصة، بل له علاقات كثيرة، واسم العلاقة يستفاد من وصف الكلمة التي تُذكر في الجملة، وليس المقصد من العلاقة إلا بيان الارتباط والمناسبة، فالفطن يرى ما يناسب كل مقام. وقيل: سمي «مرسلًا»؛ لأنه أُرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة.
(٥) وكقول الشاعر:
له أيادٍ إليَّ سابغة
أعد منها ولا أعددها
وكقوله:
قامت تظللني من الشمس
نفس أحب إليَّ من نفسي
قامت تظللني ومن عجب
شمس تظللني من الشمس
فائدة: القصد من العلاقة إنما هو تحقق الارتباط، والذكي يعرف مقال كل مقام. ثم إن «العلاقة» قيل: تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه، الذي هو الحقيقي، وقيل: تعتبر من جهة المعنى المنقول إليه؛ لأنه المدار، وقيل: تعتبر من جهتهما؛ رعاية لحقيهما.
واعلم أن اللفظ الواحد قد يكون صالحًا بالنسبة إلى معنًى واحد لأنْ يكون مجازًا مرسلًا واستعارة باعتبارين.
(٦) سُمي عقليًّا؛ لأن التجوز فهم من «العقل» لا من «اللغة» كما في المجاز اللغوي.
(٧) أبا المسك: كنية كافور الإخشيدي، والبيض: السيوف، يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، وأن توليني عزًّا أتمكن به منهم، وأخضب سيوفي بدمائهم.
(٨) يقول: وأرجو أن أبلغ بك يومًا يغتاظ فيه حسادي؛ لما يرون من إعظامك لقدري، وكذلك أرجو أن أبلغ بك حالة تساعدني على الانتقام منهم، فأتنعم بشقائي في حربهم.
(٩) يعوذها: يحصنها، ورقية: ما يُرقى بها الإنسان من عين حاسد.
(١٠) يجوز أن تكون «عاصم» مستعملة في حقيقتها، ويكون المعنى لا شيء يعصم الناس من قضاء الله إلا من رحمه الله منهم، فإنه تعالى هو الذي يعصمه.
(١١) المجاز المرسل: يوسع اللغة، ويعين على الافتتان في التعبير، ويساعد الكاتب والخطيب على إيراد المعنى الواحد بصور مختلفة، وقد تدعو إليه كما في «الطراز» حلية لفظية: من تقفية، أو ضرورة شعرية، أو مشاكلة، أو اختصار، أو خفة في لفظه، وكثيرًا ما يكون الداعي إليه راجعًا إلى المعنى.
(١٢) الأنافي: عظيم الأنف، عن البلاغة الواضحة.
(١٣) تمطى: تمدد، والصلب: عظم في الظهر من لدن الكاهل إلى العجب، والعجز: مؤخر الجسم، والكلكل: الصدر أو ما بين الترقوتين.
(١٤) الأرزاء: المصائب. والغشاء: الغِلاف. والنبال: السهام.
(١٥) النصال: حدائد السهام.
(١٦) فأصل الاستعارة: تشبيه حذف أحد طرفيه ووجه شبهه وأداته، ولكنها أبلغ منه؛ لأن التشبيه مهما تناهى في المبالغة فلا بد فيه من ذكر المشبه والمشبه به، وهذا اعتراف بتباينهما، وأن العلاقة ليست إلا التشابه والتداني، فلا تصل إلى حد الاتحاد، بخلاف الاستعارة ففيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وأن المشبه والمشبه به صارا معنًى واحدًا، يصدق عليهما لفظ واحد، فالاستعارة «مجاز لغوي» لا عقلي، علاقته المشابهة.
واعلم أن حسن الاستعارة «غير التخييلية» لا يكون إلا برعاية جهات التشبيه؛ وذلك بأن يكون وافيًا بإفادة الغرض منه؛ لأنها مبنية عليه، فهي تابعة له حسنًا وقبحًا.
(١٧) يعني أن الاستعارة تقتضي إدخال المشبه في جنس المشبه به؛ ولذلك لا تكون علمًا؛ لأن الجنس يقتضي العموم، والعلم ينافي ذلك بما فيه من التشخص، إلا إذا كان العلم يتضمن وصفية قد اشتهر بها «كسحبان» المشهور بالفصاحة، فيجوز فيه ذلك؛ لأنه يستفيد الجنسية من الصفة، نحو: «سمعت اليوم سحبان»؛ أي: خطيبًا فصيحًا، وهلم جرًّا.
(١٨) «معنى تصريحية»؛ أي: مصرح فيها باللفظ الدال على المشبه به المراد به المشبه، وتُسمى أيضًا تحقيقية، و«معنى مكنية»؛ أي: مخفي فيه لفظ المشبه به؛ استغناء بذكر شيء من لوازمه، فلم يذكر فيها من أركان التشبيه سوى المشبه.
(١٩) أي: وهذا مذهب السلف، وكذا «الزمخشري» صاحب الكشاف، وأما مذهب «السكاكي» فظاهر كلامه يُشعر بأن الاستعارة بالكناية لفظ المشبه.
أي: كلفظ المنية في نحو: «أظفار المنية نشبت بفلان» المستعمل في المشبه به بادعاء أنه عينه عين المشبه به، وحينئذ يصير للمشبه به «فردان» أحدهما حقيقي، والآخر ادعائي، فالمنية مراد بها السبع، بادعاء السبعية لها، وإنكار أن تكون شيئًا آخر غير السبع بقرينة إضافة الأظفار التي هي من خواصر المشبه به وهو السبع.
وأنكر «السكاكي» «التبعية» بمعنى أنها مرجوحة عنده، واختار ردها إلى قرينة المكنية، ورد قرينتها إلى نفس المكنية، ففي: «نطقت الحال» مثلًا: يقدر القوم أن «نطقت» استعارة تبعية، والحال قرينة لها، وهو يقول: إن الحال استعارة بالكناية، ونطقت قرينتها، وفي كلامه نظر من وجهين:
- الأول: أن لفظ المشبه لم يُستعمل إلا في معناه الحقيقي، فلا يكون استعارة.
- الثاني: أنه صرح بأن «نطقت» مستعارة للأمر الوهمي؛ أي: المتوهم إثباته للحال؛ تشبيهًا بالنطق الحقيقي، فيكون استعارة، والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية، فيلزمه القول بالتبعية، وأجيب عنه بأجوبة تطلب من المطولات.
وأما مذهب «الخطيب» فإنه يقول: إن الاستعارة بالكناية هي التشبيه المضمر أركانه سوى المشبه المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، ويلزم على مذهبه أنه لا وجه لتسميتها استعارة؛ لأن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، أو استعمال اللفظ المذكور، والتشبيه غير ذلك، بل هو فعل من أفعال النفس.
«تنبيه»: المشبه في مواد الاستعارة بالكناية لا يجب أن يكون مذكورًا بلفظ المشبه به، فيجوز ذكره بغير لفظه، كأن يشَبَّه شيء كالنحافة واصفرار اللون بأمرين كاللباس والطعم المر البشع، ويستعمل لفظ أحد الأمرين فيه، ويثبت له شيء من لوازم الآخر، كما في قوله تعالى: فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فإنه شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من النحافة واصفرار اللون باللباس؛ لاشتماله على اللابس، واشتمال أثر الضرر على من به ذلك، فاستعير له اسمه، وشبه ما غشي الإنسان عند الجوع «أي ما يدرك من أثر الضرر والألم باعتبار أنه مدرك من حيث الكراهية» بما يدرك من الطعم المر البشع، حتى أوقع عليه الإذاقة، فتكون الآية مشتملة على الاستعارة المصرحة نظرًا إلى الأول، والمكنية نظرًا إلى الثاني، وتكون الإذاقة تخييلًا بالنسبة للمكنية، وتكون تجريدًا بالنسبة إلى المصرحة؛ لأنها تلائم المشبه، وهو النحافة والاصفرار؛ لأنها مستعارة للإصابة، وكثرت فيها حتى جرت مجرى الحقيقة.
ويقال: شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر باللباس بجامع الاشتمال في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية، وطريق إجراء الاستعارة الثانية أن يقال: شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر بالطعم المر البشع، بجامع الكراهة في كل، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف، وأثبت له شيء من لوازمه، وهو «الإذاقة» على سبيل الاستعارة المكنية، وإثبات الإذاقة تخييل.
وطريق إجراء الاستعارة الثالثة أن يقال: شبهت الإذاقة المتخيلة بالإذاقة المتحققة، واستعيرت المتحققة، للمتخيلة على سبيل التخييلية على مذهب «السكاكي».
(٢٠) اعلم أن المذاهب في التخييلية أربعة:
- الأول: مذهب السلف والخطيب: هو أن جميع أفراد قرينة المكنية مستعملة في حقيقتها، والتجوز إنما هو في «الإثبات لغير ما هو له» المسمى استعارة تخييلية، فهما متلازمان، وهي من المجاز العقلي.
- الثاني: مذهب السكاكي: وهو أن قرينة المكنية، تارة تكون تخييلية؛ أي مستعارة لأمر وهمي، كأظفار المنية، وتارة تكون تحقيقية؛ أي مستعارة لأمر محقق «كابلعي ماءك»، وتارة تكون حقيقية «كأنبت الربيع البقل» فلا تلازم بين التخييلية والمكنية، بل يوجد كل منهما بدون الآخر. وقد استدل السكاكي على انفراد التخييلية عن المكنية بقوله:لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائيفإنه قد توهم أن للملام شيئًا شبيهًا بالماء، واستعارة اسمه له استعارة تخييلية غير تابعة للمكنية، ورده العلامة «الخطيب» بأنه لا دليل له فيه؛ لجواز أن يكون فيه استعارة بالكناية، فيكون قد شبه الملام بشيء مكروه له ماء، وطوى لفظ المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الماء على طريق التخيل.وأن يكون من باب إضافة المشبه به إلى المشبه، والأصل: «لا تسقني الملام» التشبيه بالماء، وأيضًا لا يخفى ما في مذهب السكاكي من التعسف؛ أي الخروج عن طريق الجادة؛ لما فيه من كثرة الاعتبارات؛ وذلك أن المستعير يحتاج إلى اعتبار أمر وهمي، واعتبار علاقة بينه وبين الأمر الحقيقي، واعتبار قرينة دالة على أن المراد من اللفظ الأمر الوهمي، فهذه اعتبارات ثلاثة لا يدل لها دليل، ولا تمس إليها حاجة.
- الثالث: مذهب صاحب الكشاف: وهو أنها تكون تارة مصرحة تحقيقية، وتارة تكون تخييلية؛ أي مجازًا في الإثبات.
- الرابع: مذهب صاحب السمرقندية: وهو مثل مذهب صاحب الكشاف، غير أن الفرق بينهما أن مدار الأقسام عند صاحب الكشاف على الشيوع وعدمه، وعند صاحب «السمرقندية» على الإمكان وعدمه.
«تنبيه»: الفرق بين ما يُجعل قرينة للمكنية وبين ما يُجعل نفسه تخييلًا على مذهب السكاكي، أو استعارة تحقيقية على مذهب صاحب الكشاف في بعض المواد، وعلى مختار صاحب السمرقندية كذلك أو إثباته تخييلًا على مذهب «السلف وصاحب الكشاف» في بعض المواد، وعلى مختار «صاحب السمرقندية» كذلك، وبين ما يجعل زائدًا عليها «قوة الاختصاص»؛ أي: الارتباط بالمشبه به، فأيهما أقوى ارتباطًا به فهو «القرينة» وما سواه «ترشيح» وذلك كالنشب في قولك: «مخالب المنية نشبت بفلان» فإن «المخالب» أقوى اختصاصًا وتعلقًا بالسبع من «النشب»؛ لأنها ملازمة له دائمًا، بخلاف النشب.
(٢١) يقال في إجراء الاستعارة في الآية الأولى: شبهت الضلالة بالظلمة بجامع عدم الاهتداء في كلٍّ، واستعير اللفظ الدال على المشبه به — وهو الظلمة — للمشبه وهو الضلالة على الاستعارة التصريحية الأصلية.
(٢٢) ويقال في إجراء الاستعارة في الآية الثانية: شبه الذل بطائر، واستعير لفظ المشبه به وهو الطائر للمشبه وهو الذل على طريق الاستعارة المكنية الأصلية، ثم حذف الطائر، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الجناح.
(٢٣) مثال الاستعارة التصريحية في الفعل: «نطقت الحال بكذا» وتقريرها أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق بجامع إيضاح المعنى في كل، واستعير النطق للدلالة الواضحة، واشتق من النطق بمعنى الدلالة الواضحة «نطقت» بمعنى «دلت» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ونحو: «يحيي الأرض بعد موتها» يقدر تشبيه تزيينها بالنبات ذي الخضرة والنضرة بالإحياء، بجامع الحسن أو النفع في كلٍّ، ويستعار الإحياء للتزيين، ويشتق من الإحياء بمعنى التزيين يحيي بمعنى يزين، استعارة تبعية لجريانها في الفعل تبعًا لجريانها في المصدر. هذا إذا كانت استعارة في الفعل باعتبار مدلول صيغته؛ أي «مادته وهو الحدث» وأما إذا كانت باعتبار مدلول «هيئته وهو الزمن» كما في قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللهِ فتقريرها أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي، بجامع تحقق الوقوع في كلٍّ، واستعير الإتيان في الماضي للإتيان في المستقبل، واشتق منه أتى بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ونحو وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ؛ أي ينادي، شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي بجامع تحقق الوقوع في كل، واستعير لفظ النداء في الماضي للنداء في المستقبل، ثم اشتق منه نادى بمعنى ينادي، ونحو قوله تعالى: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا إن قُدر المرقد مستعارًا للموت فالاستعارة أصلية، وإن قُدر لمكان الرقاد مستعارًا للقبر فالاستعارة تبعية؛ لأنها في اسم المكان، فلا يُستعار المرقد للقبر إلا بعد استعارة الرقاد للموت.
ومثال الاستعارة في اسم الفاعل: «لزيد قاتل عمرًا» إذا كان عمرو مضروبًا ضربًا شديدًا.
ومثالها في اسم المفعول: «عمرو مقتول لزيد» إذا كان زيد ضاربًا لعمرو ضربًا شديدًا، وإجراء الاستعارة فيهما أن يقال: شبه الضرب الشديد بالقتل بجامع شدة الإيذاء في كلٍّ، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد قاتل أو مقتول، بمعنى ضارب أو مضروب على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثالها في الصفة المشبهة: «هذا حسن الوجه» مشيرًا إلى قبيحه، وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه القبح بالحسن بجامع تأثر النفس في كل، واستعير الحسن للقبح تقديرًا، واشتق من أحسن بمعنى القبح حسن بمعنى قبيح، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية التهكمية.
ومثال الاستعارة في أفعل التفضيل: «وهذا أقتل لعبيده من زيد»؛ أي: أشد ضربًا لهم منه.
ومثال اسم الزمان والمكان: «هذا مقتل زيد» مشيرًا إلى مكان ضربه أو زمانه.
ومثال اسم الآلة: «هذا مفتاح الملك» مشيرًا إلى وزيره، وإجراؤها أن يقال: شبهت الوزارة بالفتح للأبواب المغلقة، بجامع التوسل إلى المقصود في كلٍّ، واستعير الفتح للوزارة، واشتُق منه مفتاح بمعنى وزير.
ومثال اسم الفعل المشتق: «نَزالِ» بمعنى انزل، تريد به ابعد، فتقول: شبهه معنى البعد بمعنى النزول بجامع مطلق المفارقة في كلٍّ، واستعير لفظ النزول لمعنى البعد، واشتق منه نزال بمعنى ابعد.
ومثال اسم الفعل غير المشتق: «صه» بمعنى اسكت عن الكلام، تريد به اترك فعل كذا، فتقول: شبه ترك الفعل بمعنى السكوت، واستعير لفظ السكوت لمعنى ترك الفعل، واشتق منه اسكت بمعنى اترك الفعل، وعبر بدل اسكت بصه.
ومثال المصغر: «رُجَيل» لمتعاطي ما لا يليق.
ومثال المنسوب: «قرشِي» للمتخلق بأخلاق قريش، وليس منهم.
ومثال الاستعارة في الحرف قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وإجراؤها أن يقال: شُبهت المحبة والتبني بالعداوة والحزن اللذين هما العلة الغائبة للالتقاط بجامع مطلق الترتيب، واستعيرت اللام من المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. واعلم أن اللام لم تستعمل في معناها الأصلي وهو العلة؛ لأن علة التقاطهم له أن يكون لهم ابنًا، وإنما استعملت مجازًا «لعاقبة الالتقاط» وهي كونه لهم عدوًّا، فاستعيرت العلة للعاقبة بجامع أن كلًّا منهما مترتب على الالتقاط، ثم استعيرت اللام تبعًا لاستعارتها، فالمستعار منه العلة والمستعار له العاقبة، والترتب على الالتقاط هو الجامع، والقرينة على المجاز استحالة التقاط الطفل ليكون عدوًّا.
وكقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وإجراؤها أن يقال: شبه مطلق استعلاء بمطلق ظرفية بجامع التمكن في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعير لفظ «في» الموضوع لكل جزئي من جزئيات الظرفية لمعنى «على» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثال المكنية التبعية في الاسم المشتق: «يعجبني إراقة الضارب دم الباغي» وإجراء الاستعارة أن يقال: شبه الضرب الشديد بالقتل بجامع الإيذاء في كلٍّ، واستعير القتل للضرب الشديد، واشتق من القتل القاتل بمعنى ضارب ضربًا شديدًا، ثم حُذف وأُثبت له شيء من لوازمه وهو الإراقة على سبيل الاستعارة المكنية التبعية.
ومثالها في الاسم المبهم قولك لجليسك المشغول عنك: «أنت مطلوب منك أن تسير إلينا الآن» شبه مطلقًا مخاطبًا بمطلق غائب فسرى التشبيه للجزئيات، واستعير الثاني للأول، ثم استعير بناء على ذلك ضمير الغائب للمخاطب، وحذف وذكر المخاطب، ورمز إلى المحذوف بذكر لازمه، وهو طلب السير منه إليك، وإثباته له تخييل.
واعلم أن استعارة الأسماء المبهمة — أعني الضمائر وأسماء الإشارة والموصولات — تبعية؛ لأنها ليست باسم جنس لا تحقيقًا ولا تأويلًا، ولأنها لا تستقل بالمفهومية؛ لأن معانيها لا تتم ولا تصلح لأن يُحكم عليها بشيء ما لم تصحب تلك الألفاظ في الدلالة عليها ضمنية تتم بها، كالإشارة الحسية والصلة والمرجع، فلا بد أن تعتبر التشبيه أولًا في كليات تلك المعاني الجزئية، ثم سريانه فيها؛ لتبني عليه الاستعارة.
مثلًا في استعارة لفظ «هذا» لأمر معقول: يشبه المعقول المطلق في قول التمييز بالمحسوس المطلق، فيسري التشبيه إلى الجزئيات، فيستعار لفظ هذا المحسوس الجزئي للمعقول الجزئي الذي سرى إليه التشبيه، فهي استعارة تبعية، والاستعارة في الضمير والموصول المؤنث أو بموصولها عنه لشبهه بها أو عكسه، فتشبه المذكر المطلق بالمؤنث، كالتعبير عن المذكر بضمير المطلق، فيسري التشبيه، فتستعير الضمير أو الموصول للجزء الخاص.
(٢٤) يقال في إجرائها: شبه اللزوم الشديد بالركوب، بجامع السلطة والقهر، واستعير لفظ المشبه به وهو الركوب للمشبه وهو اللزوم، ثم اشتق من الركوب بمعنى اللزوم ركب بمعنى لزم، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
(٢٥) يقال في إجرائها: شبه مطلق ارتباط بين مهدي وهدًى بمطلق ارتباط بين مستعلي ومستعلًى عليه بجامع التمكن في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
(٢٦) يقال في إجرائها: شُبهت الإذاقة بالإلباس، واستعير الإلباس للإذاقة بجامع الاشتمال في كلٍّ، واشتق منه ألبس بمعنى أذاق، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، ثم حذف لفظ المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اللباس، على طريق الاستعارة المكنية.
(٢٧) قد يراد بالاستعارة المعنى المصدري؛ أي: استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فيكون اللفظ مستعارًا، والمشبه به مستعارًا منه، والمشبه مستعارًا له.
(٢٨) إذا لم يكن اللازم كذلك اعتُبر ترشيحًا، فالفرق بين الترشيح والتخييل:
- (أ)أن الترشيح يكون في المصرحة والمكنية، والتخييل إنما يكون في المكنية.
- (ب)أن التخييل به كمال المشبه به، أو قوامه في وجه الشبه، ولا يكون إلا كذلك.
(٢٩) وعلى مذهبهم لا تكون التخييلية «مجازًا لغويًّا»؛ لأنها فعل من أفعال النفس وهو الإثبات، والمجاز اللغوي من عوارض الألفاظ، وعلى مذهبهم أيضًا تتلازم المكنية والتخييلية، إلا أن أحدهم وهو «الزمخشري» انفرد من بينهم بأن قال: إن قرينة المكنية قد تكون تحقيقية إذا كان للمشبه لازم يشبه لازم المشبه به، نحو: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ فقد شبه العهد بالحبل، بجامع أن كلًّا يصل بين شيئين ويربطهما، فالعهد يربط المتعاهدين كما يُربط الشيئان بالحبل، ثم حذف لفظ المشبه به وهو الحبل، واستعير النقض وهو فك طاقات الحبل لإبطال العهد، بجامع الإفساد في كل «استعارة أصلية تحقيقية» ثم اشتق من النقض ينقضون بمعنى يبطلون، على سبيل الاستعارة «التحقيقية التبعية».
فالزمخشري يجمع بين المكنية والتحقيقية أحيانًا، على أن التحقيقية ليست مقصودة لذاتها، وإنما جاءت تبعًا للمكنية؛ للدلالة عليها، فلا تلازم عنده بين المكنية والتخييلية، إلا أن يدعي أن القرينة «تصريحية» باعتبار المعنى المقصود في الحالة الراهنة «تخييلية» باعتبار الإشعار بالأصل. أما غيره من السلف فتقول: شبه العهد بالحبل، وحذف لفظ الحبل، ورمز إليه بلازمه، وهو النقض وإثبات النقض للعهد تخييل.
(٣٠) من هذا التعريف نفهم أولًا أن «القزويني» يخالف السلف في تعريف المكنية، ويتفق معهم في قرينتها، ونفهم ثانيًا أن المكنية والتخييلية عند القزويني فعلان من أفعال النفس هما التشبيه والإثبات، فليسا من المجازي اللغوي؛ لأنه من عوارض الألفاظ، وتكون التخييلية عند القزويني والقوم «مجازًا عقليًّا»، لما فيها من إثبات الشيء لغير ما هو له. وإنما سموها «استعارة» لما فيها من نقل اللام من ملائمه الأصلي، وهو المشبه به إلى المشبه. وسموها تخييلية؛ لأن اللازم لما نقل من المشبه به إلى المشبه صار السامع يخيل إليه أن المشبه من جنس المشبه به. ونفهم ثالثًا أن لفظ اللازم في المكنية حقيقة عند «القزويني».
(٣١) تقرير الاستعارة على مذهب «السكاكي» أن يقال: شبهنا المنية التي هي الموت المجرد عن ادعاء السبعية بالسبع الحقيقي، وادعينا أنها فرد من أفراده، وأن للسبع فردين: فردًا متعارفًا وهو الحيوان المفترس، وفردًا غير متعارف وهو الموت الذي ادعيت له السبعية. واستعير اسم المشبه وهو المنية بمعنى ذلك الفرد غير المتعارف؛ أعني الموت الذي ادعيت له السبعية، فصح بهذا أنه قد أطلق اسم المشبه وهو المنية، وأريد به المشبه به وهو السبع.
(٣٢) يرى «السكاكي» أن التخييلية قد توجد من غير المكنية كقولهم: «أظفار المنية التي كالسبع نشبت بفلان»، ففي أظفار «استعارة تخييلية» وجدت مع تشبيه صريح، ولكن هذا بعيد؛ إذ لم يوجد له نظير في الكلام العربي، فالفرق بين السكاكي وغيره أن السكاكي يرى أن كل مكنية معها تخييلية ولا عكس، وغيره «إلا الزمخشري» يقول: إنهما متلازمان.
(٣٣) كذلك يدخل فيه الاسم المبهم، فقد جعل بعضهم استعارة الإشارة والضمير والموصول من التبعية؛ لأن كلًّا من هذه المبهمات ليس من اسم الجنس لا تحقيقًا ولا تأويلًا؛ إذ إن معانيها جزئية، والأصلية مختصة باسم الجنس، فإذا قلت: «هذا رأي حسن» فقد استعرت اسم الإشارة من المحسوس للمعقول، ويقال: شبه المعقول مطلقًا بالمحسوس مطلقًا في قبول التميز والتعبير، فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «هذا» من جزئي المشبه به لجزئي المشبه استعارة تبعية؛ لقصد المبالغة في بيان تعيين المعقول، وإذا قلت لنسوة: «إني منتظركم» فقد شبهت مطلق مخاطبة فيها عظمة بمطلق مخاطب فيه عظمة، بجامع العظمة في كل، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير ضمير جماعة الذكور من جزئي المشبه به لجزئي المشبه استعارة تبعية، وكذا إذا استعملت في المؤنث ما وضع من أسماء الموصول في المذكر.
وإذا عاد الضمير أو اسم الإشارة على مجاز نحو: «زارني هذا الأسد فأكرمته» فليس فيهما تجوز بناء على أن وضعهما أن يعودا على ما يراد بهما من حقيقة أو مجاز، وقيل: فيهما تجوز تبعًا لما يرجعان إليه، ويكونان مستعارين بناء على التشبيه والاستعارة في مرجعهما، فيدخلان في التبعية.
(٣٤) لو دخلت أن المصدرية على فعل مستعار نحو: «يسوءني أن يطغى الماء على قريتي» فالحق أنها تبعية، وأن المستعار هو الفعل وحده، وهو الذي حل محل يكثر أو يعلو، والعبرة باللفظ، والمصدر غير ملفوظ به، و«أن» إنما هي آلة في السبك أُتي بها لغرض هو تأويل مدخولها بمصدر، فإذا أدى بها هذا الغرض طُرحت كما تُطرح الآلة إثر إتمام العمل الذي يُؤدى بها. وقال بعضهم: إنها أصلية نظرًا للمصدر المؤول.
(٣٥) يراد بالصفة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، ويلحق بها المصغر والمنسوب: «كرُجَيل» إذا أريد به رجل كبير يتعاطى ما لا يليق به، وكقرشي لمصري يتخلق بأخلاق القرشيين؛ فإن استعارتهما تابعة لاستعارة مصدرين لمشتقين، يؤدي هذان اللفظان معناهما «وهما صغير ومنتسب إلى قريش» شبه فعل ما لا يليق بالصغر، بجامع أن كلًّا يسقط الهيبة، واستعير لفظ الصغر لفعل ما لا يليق، ثم اشتق منه صغير بمعنى فاعل ما لا يليق، ثم عبر عن فاعل ما لا يليق بلفظ رجيل، أو شبه رجيل أو شبه مطلق فعل ما لا يليق بمطلق الصغر، فسرى التشبيه إلى فردي المشبه والمشبه به، وهما فاعل ما لا يليق ورجيل، ثم استعير بناء على التشبيه الحاصل بالسريان رجيل للكبير الذي يفعل فعل الصغير، وشبه التخلق بأخلاق قريش بالانتساب إليهم، واستعير الانتساب للتخلق، واشتق منه المنتسب بمعنى المتخلق بأخلاقهم، ثم عبر عن هذا بلفظ يؤديه وهو «قرشي» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(٣٦) شبه الضرب بالقتل بجامع شدة الإيذاء في كلٍّ، ثم استعير للضرب الشديد على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق منه «مقتال» بمعنى آلة الضرب على سبيل الاستعارة التبعية، وشبه الإعراض عن سوء القول وعدم سمعه بالصمم بجامع عدم تأثر النفس بالقول في كلٍّ، وكذلك شبه الإغضاء عن العورات بالعمى، بجامع عدم تأثر النفس بالمرئي في كلٍّ.
(٣٧) لأن كلًّا من الطغيان والنطق من شأن الإنسان.
(٣٨) لأن الضرب من شأن الخيام، لا من شأن الذلة التي هي أمر معنوي.
(٣٩) لأن القتل والإحياء لا يقعان إلا على ذي روح، والبخل والسماح معنويان لا روح فيهما؛ فدل هذا على أن المراد بالقتل الإزالة، وبالإحياء الإكثار، شبه الإزالة بالقتل بجامع ما يترتب على كل من العدم، والإكثار بالإحياء بجامع إظهار المتعلق في كلٍّ.
(٤٠) القرينة تعلق الفعل «صبح» بمرهفات وهي مفعول به ثانٍ، يقال: صبحه كقطع سقاه الصبوح، وهو شراب الغداة. ومرهفات؛ أي: سيوفًا مرهفات، يقال: أرهف السيف إذا حدده ورققه. وأباده: أهلكه. والأرومة الأصل. والضمير في أرومتها للخزرجية، وفي «ذووها» للمرهفات. يقول: أبدنا أصول هذه القبيلة بسيوفنا المرهفات. ونزل التضاد منزلة التناسب، فشبه الإساءة إلى الخزرجية صباحًا بالإحسان إليهم، وتقديم الصبوح لهم بجامع إدخال السرور على النفس في كلٍّ، وإن كان ادعائيًّا في المشبه، ثم استعار لفظ المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية العنادية التهكمية، ثم اشتُق من الصبوح بمعنى الضرب بالمرهفات «صبح» بمعنى ضرب بها على سبيل الاستعارة التبعية.
(٤١) الجفن غطاء العين وغلاف السيف، استعير لأكمام الزهر بجامع التغطية في كلٍّ، وكنى بسريان النوم فيها عن ذبولها، وإيقاظ مصدر أيقظ، مصدر مستعار لتفتيح الزهر، وإيجاد النضرة والبهجة فيه. وقد حسن التعبير بالإيقاظ مجيئه بعد النوم والأجفان. والمعنى: تهب الرياح على بساتين الحزن فتكسوها تفتيحًا وحسنًا ونضارة.
(٤٢) قوله: «بعذاب» قرينة على أن «بشر» مستعار؛ لأن التبشير بما يسر فلا يناسب تعلقه بالعذاب. وقوله: بِمَا تُؤْمَرُ كذلك؛ لأنه معنوي والصدع للمحسوس، كما أن الحق معنوي أيضًا، فكل منها كان صارفًا عن المعنى الأصلي للفعل إلى المعنى المجازي.
(٤٣) هذا على أن مرقد اسم مكان، وإلا فالاستعارة أصلية كما تقدم.
(٤٤) إيضاح: مثل الابتداء والظرفية والاستعارة معانٍ كلية، يصح أن تكون مستقلة بالفهم، يُحكم بها وعليها، وتكون مقصودة لذاتها، ولكن الابتداء المفهوم من لفظ «من» ابتداء مخصوص لم يقصد لذاته، بل الغرض منه الربط بين معنيين مستقلين بالفهم، هما السير والبصرة في قولك: «سرت من البصرة»؛ ولذا كان جزئيًّا بالنسبة للابتداء الأول، وما قيل في الابتداء يقال نظيره في الظرفية، والعلة الغائية والاستعلاء، وغيرها من المعاني التي تستفاد من الحروف نحو: «في، واللام، وعلى».
فأي معنًى يستفاد من الحرف في جملة ما يعتبر جزئيًّا من كلية، غير مقصود لذاته، بل للربط بين معنيين مستقلين، وتعتبر الحروف حينئذ روابط بين المعاني المقصودة.
(٤٥) العداوة والحزن علة واقعية للالتقاط.
(٤٦) العلة الغائية لفعل هي التي تحمل على تحصيله لتحصل بعد حصوله، كتبني فرعون لموسى، ومحبة موسى إياه؛ لأن فرعون وآله إنما كفلوه بعد التقاطه لذلك.
(٤٧) إلا أن الترتب في الغائية «رجائي أو تقديري»، وفي العداوة والحزن «واقعي».
(٤٨) جزءا المشبه هنا هو ترتب العداوة والحزن الخاصين المتعلقين ﺑ «موسى».
(٤٩) جزءا المشبه به هنا هو ترتب علة الالتقاط الخاصة، وهي تبني موسى والمحبة؛ لأنهما متقدمان على كفالته بعد الالتقاط، ومرتبان عليه في الخارج.
(٥٠) شبه مطلق ارتباط بين مستعلٍ ومستعلًى عليه بمطلق ارتباط بين ظرف ومظروف بجامع التمكن، أو مطلق الارتباط في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «في» من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه استعارة تبعية.
(٥١) شبه مطلق ارتباط بين مهدي وهدًى بمطلق ارتباط بين مستعلٍ ومستعلًى عليه، بجامع مطلق الارتباط في كل، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «على» من جزئيات المشبه به لجزئي المشبه استعارة تبعية.
(٥٢) شبه مطلق ملابسة الإنسان للنعمة بمطلق ملابسة بين ظرف ومظروف بجامع مطلق الملابسة في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعير لفظ «في» من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه استعارة تبعية.
(٥٣) الجامع في الاستعارة بمثابة «وجه الشبه» في التشبيه، وهو ما قُصد اشتراك الطرفين فيه، وسُمي جامعًا؛ لأنه جمع المشبه في أفراد المشبه به تحت مفهومه، وأدخله في جنسه ادعاء. ولا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب إبلاغ المشبه لما هو أكمل.
وينقسم الجامع إلى داخل وخارج:
- فالأول: ما كان داخلًا في مفهوم الطرفين، نحو قوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا فاستعير التقطيع الموضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام الملتصق بعضها ببعض لتفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض، والجامع إزالة الاجتماع، وهي داخلة في مفهومها، وهي في القطع أشد.
- والثاني: وهو ما كان خارجًا عن مفهوم الطرفين، نحو: «رأيت أسدًا»؛ أي: رجلًا شجاعًا، فالجامع وهي الشجاعة أمر عارض للأسد، لا داخل في مفهومه.
وينقسم الجامع أيضًا باعتباره وباعتبار الطرفين إلى ستة أقسام؛ لأن الطرفين إما حسيان، وإما عقليان «أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي أو بالعكس» والجامع في الأول من الصور الأربع تارة يكون حسيًّا وتارة يكون عقليًّا وأخرى مختلفًا، وفي الثلاث الأخيرة لا يكون إلا عقليًّا.
مثال ما إذا كان الطرفان حسيين والجامع كذلك قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان المصوغ من «حلي القبط» بعد سبكها بنار السامري، وإلقاء التراب المأخوذ من أثر فرس جبريل عليه السلام، والجامع لهما الشكل والخوار، فإنه كان على شكل ولد البقر، مما يدرك بحاسة البصر «وبحث بعضهم بأن إبدال جسدًا من عجلًا يمنع الاستعارة».
ومثال ما إذا كان الطرفان حسيين والجامع عقلي قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ؛ أي: نكشف ونزيل الضوء من مكان الليل، وموضع ظلمته، فإن المستعار منه — أعني السلخ — وهو كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار إزالة الضوء عن مكان الليل وموضع ظلمته، وهما حسيان.
والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر بحصوله عقبه، كترتب ظهور اللحم على السلخ والكشط، وترتب حصول الظلمة على إزالة ضوء النهار عن مكان ظلمة الليل، والترتب عقلي، وإجراء الاستعارة شبه كشف الضوء عن الليل بكشط الجلد عن نحو الشاة، بجامع ترتب ظهور شيء على شيء في كلٍّ، واستعير لفظ المشبه به وهو «السلخ» للمشبه، وهو كشف الضوء، واشتق منه «نسلخ» بمعنى نكشف، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثال ما إذا كان الطرفان حسيين، والجامع بعضه حسي وبعضه عقلي قولك: «رأيت بدرًا يضحك» تريد شخصًا مثل «البدر» في حسن الطلعة وعلو القدر، فحسن الطلعة حسي، وعلو القدر عقلي.
ومثال ما إذا كان الطرفان عقليين — ولا يكون الجامع فيهما إلا عقليًّا كباقي الأقسام — قوله تعالى: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا، فإن المستعار منه «الرقاد»؛ أي النوم، والمستعار له الموت، والجامع بينهما عدم ظهور الأفعال الاختيارية «والجميع عقلي» وإجراء الاستعارة: شبه الموت بالنوم بجامع عدم ظهور الفعل في كلٍّ، واستعير لفظ المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية.
وقال بعضهم: عدم ظهور الفعل في الموت أقوى، وشرط الجامع أن يكون في المستعار منه أقوى، فليجعل الجامع هو «البعث» الذي هو في النوم أظهر، وقرينة الاستعارة أن هذا الكلام كلام الموتى مع قوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، وعلى هذا يقال: شبه الموت بالرقاد، بجامع عدم ظهور الفعل في كلٍّ، واستعير الرقاد للموت، واشتق منه «مرقد» اسم مكان الرقاد، بمعنى قبر؛ اسم مكان الموت، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثال ما إذا كان المستعار منه حسيًّا والمستعار له عقليًّا قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ، فإن المستعار منه كسر الزجاجة، وهو أمر حسي، باعتبار متعلقه، والمستعار له التبليغ جهرًا، والجامع التأثير الذي لا يمكن معه رد كل منهما إلى ما كان عليه؛ أي: أُظهر الأمر إظهارًا لا ينمحي، كما أن صدع الزجاجة لا يلتئم.
وإجراء الاستعارة: شبه التبليغ جهرًا بكسر الزجاجة، بجامع التأثير الشديد في كلٍّ، واستعير المشبه به وهو «الصدع» للمشبه وهو التبليغ جهرًا، واشتق منه «اصدع» بمعنى «بلغ جهرًا» على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثال ما إذ كان المستعار منه عقليًّا والمستعار له حسيًّا قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ فإن المستعار له كثرة الماء كثرة مفسدة وهي حسية، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان.
وإجراء الاستعارة: شبهت كثرة الماء المفرطة بمعنى الطغيان وهو مجاوزة الحد، بجامع الاستعلاء المفرط في كلٍّ، واستعير لفظ المشبه به وهو الطغيان للمشبه وهو الكثرة المفرطة، واشتق منه «طغى» بمعنى «كثر كثرة مفرطة» على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
«تنبيه»: الاستعارة المكنية تنقسم أيضًا «إلى أصلية … وإلى تبعية» و«إلى مرشحة … وإلى مجردة … وإلى مطلقة» كما انقسمت التصريحية إلى مثل ذلك.
فالمكنية الأصلية: هي ما كان المستعار فيهما اسمًا غير مشتق، كالسبع المتقدم، والتبعية هي ما كان المستعار فيها اسمًا مشتقًّا، فلا تكون في الفعل ولا في الحرف، ومثالها في الاسم المشتق: «يعجبني إراقة الضارب دم الظالم» فقد شبه الضرب الشديد بالقتل بجامع الإيذاء في كلٍّ، واستعير القتل للضرب الشديد، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإراقة، على طريق الاستعارة المكنية التبعية.
فالاستعارة التخييلية عند الجمهور: هي نفس إثبات اللازم المستعمل في حقيقته، وهي من المجاز العقلي، وإنما سميت استعارة؛ لأنه استعير ذلك الإثبات من المشبه به للمشبه، وسميت تخييلية؛ لأن إثباته للمشبه خيل اتحاده مع المشبه به، فقولنا: «أظفار المنية نشبت بفلان» فلفظ «أظفار» في هذا التركيب مستعمل في حقيقته «وإنما التجوز في إثباته للمنية»؛ أي أن ذلك الإثبات إثبات للشيء إلى غير ما هو له، فعند الجمهور: التخييلية لا تفارق المكنية؛ لأنها قرينتها.
والاستعارة المكنية المرشحة: هي ما قُرنت بما يلائم المشبه فقط، نحو: «نطق لسان الحال بكذا» شبهت «الحال» بمعنى الإنسان، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «لسان» وإثبات اللسان للحال تخييل، وهو القرينة، والنطق ترشيح؛ لأنه يلائم المشبه به فقط، وترشيح المكنية فيه خلاف مبسوط في المطولات.
والمكنية المجردة: هي ما قُرنت بما يلائم المشبه فقط، نحو: «نطقت الحال الواضحة بكذا» فالوضوح تجريد؛ لأنه يلائم المشبه لا المشبه به، أو قُرنت بما يلائهما معًا، نحو: «نطقت الحال بكذا» ونطق لسان الحال الواضحة بكذا، ففي الأول شبهت الحال بإنسان واستعير لها اسمه، وحُذف ورُمز إليه بشيء من لوازمه وهو النطق، وإثبات النطق للحال تخييل، وهي مجردة؛ لأنها لم تقترن بشيء يلائمها.
وفي الثاني شبهت الحال بإنسان واستعير له اسمه، وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «لسان» وإثباته للحال تخييل، وهو القرينة، والنطق ترشيح؛ لأنه يلائم المشبه به، والوضوح تجريد؛ لأنه يلائم المشبه، ولما تعارضا سقطا.
وتنقسم المكنية أيضًا إلى: عنادية، نحو: «أنشبت المنية أظفارها بفلان»؛ لأنه لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد «يكون منية وسبعًا».
ووفاقية، نحو: «نطقت الحال بكذا»؛ لأنه يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد كالحال مع الإنسان.
(٥٤) المجاز المركب: هو تركيب استُعمل في ما يشبه بمعناه الأصلي «تشبيه التمثيل».
(٥٥) سميت تمثيلية مع أن التمثيل عام في كل استعارة؛ للإشارة إلى عظم شأنها، كأن غيرها ليس فيه تمثيل أصلًا؛ إذ الاستعارة التمثيلية مبينة على تشبيه التمثيل، ووجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، لهذا كان أدق أنواع التشبيه، وكانت الاستعارة المبنية عليه أبلغ أنواع الاستعارات،؛ ولذلك كان كل من تشبيه التمثيل والاستعارة التمثيلية غرض البلغاء.
(٥٦) أصل المثل: أن امرأة كانت متزوجة بشيخ غني، فطلبت طلاقها منه في زمن الصيف لضعفه، فطلقها وتزوجت بشاب فقير، ثم طلبت من مطلقها لبنًا وقت الشتاء، فقال لها ذلك المثل.
وإجراء الاستعارة في المثل الأول أن يقال: شُبهت هيئة من فرط في أمر زمن إمكان تحصيله بهيئة المرأة التي طلقت من الشيخ للابن، ثم رجعت إليه تطلب منه اللبن شتاء، بجامع التفريط في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل الثاني أن يقال: شبهت هيئة من يتردد في أمر بين أن يفعله وألا يفعله بهيئة من يتردد في الدخول، فتارة يقدم رجله، وتارة يؤخرها بجامع الحيرة في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل الثالث: شبهت هيئة من يظلم من وجهين بهيئة رجل باع آخر تمرًا رديئًا وناقص الكيل، بجامع الظلم من وجهين في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل الرابع: شبهت هيئة الرجل المتستر تحت أمر ليحصل على أمر خفي يريده بهيئة الرجل المسمى «قصيرًا» حين جدع أنفه ليأخذ بثأر «جذيمة» من «الزباء» بجامع الاحتيال في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل الخامس أن يقال: شبهت هيئة الرجل الكريم الأصل العزيز النفس — الذي لا يفضل الدنايا على الرزايا عندما تزل به القدم — بهيئة المرأة التي تفضل جوعها على إجارتها للإرضاع عند فقرها، بجامع ترجيح الضرر على النفع في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل السادس: شبهت هيئة من يريد أن يعمل عملًا وحده وهو عاجز عنه بهيئة من يريد أن يصفق بيد واحدة، بجامع العجز في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به وللمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل السابع: شبهت هيئة الرجل الذي يحصل بوجوه فصل المشكلات بهيئة نبي الله موسى عليه السلام مع سحرة فرعون، بجامع حسم النزاع في كلٍّ، واستمر الكلام الموضوع للمشبه على طريق الاستعارة التمثيلية.
وإجراء الاستعارة في المثل الثامن: شبهت هيئة الرجل الذي لا يقول إلا الحق ولا يخبر إلا بالصدق بهيئة المرأة المسماة «حذامِ» بجامع الصدق في كلٍّ، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
(٥٧) أصل هذا المثل أن قومًا اجتمعوا للتشاور في الصلح بين حيين من العرب، قتل رجل من أحدهما رجلًا من الآخر، وبينما خطباؤهم يتكلمون إذا بجارية تُدعى «جهيزة» أقبلت فأخبرتهم أن أولياء المقتول ظفروا بالقاتل، فقتلوه، فقال أحدهم: «قطعت جهيزة قول كل خطيب» فذهب قوله مثلًا.
(٥٨) وإجراء الاستعارة في المثل التاسع: شبهت حال المصلح يبدأ الإصلاح ثم يأتي غيره فيبطل عمله بحال البنيان ينهض به حتى إذا أوشك أن يتم جاء من يهدمه، والجامع هو الحالة الحاصلة من عدم الوصول إلى الغاية؛ لوجود ما يفسد على المصلح إصلاحه، ثم حذف المشبه، واستعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه.
(٥٩) الأمثال:⋆ هي عبارات موجزة مأثورة، تشبه الناس بها جديد أحوالهم بقديمها، وهي نوعان: حقيقة، وفرضية.
- فالحقيقية: هي ما حدث موردها في الوجود.
- والفرضية: ما لم يحدث موردها في الوجود، وإنما اخترعت على لسان حيوان أو غيره.
ولكل مثل «مورد» وهو الحالة القديمة التي قيل فيها لأول مرة.
ولكل مثل «مضرب» وهو الحالة الجديدة التي استعير لها.
وكما تكون الأمثال نثرًا تكون شعرًا، وتضرب كما وردت دون تغيير في لفظها.
•••⋆ «للأمثال الحقيقية أسباب ونتائج تفيد المجتمع الإنساني:
منها: كونها مرآة صقيلة للمواعظ والعبر.
ومنها: كونها مقياسًا لرقي الأمة ولسان أخلاقها.
ومنها: كونها مجموعة نفيسة من السلف إلى الخلف.
أما الأمثال الفرضية فهي عظة للعاقل ومسلاة للجاهل.
وأشهر الكتب الجامعة للأمثال:
- «كتاب مجمع الأمثال» للميداني.
- «جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري.
- «العقد الفريد» لابن عبد ربه.
- «كتاب كليلة ودمنة» لابن المقفع؛ وغيرهم.
ولا يُسمى القول مثلًا إلا إذا سار وذاع بين الناس جميعًا.
ومما تقدم شرحه في تشبيه التمثيل، والاستعارة التمثيلية — يُعلم الفرق بين كل منهما في الجدول الآتي للموازنة بينهما.»
| تشبيه التمثيل | الاستعارة التمثيلية |
|---|---|
| (١) تشبيه التمثيل: يذكر فيه المشبه والأداة. | (١) الاستعارة التمثيلية: لا تكون إلا في التراكيب. |
| (٢) تشبيه التمثيل: يجوز أن يكون بين مفردين، مثل: المنافق كالحرباء. | (٢) الاستعارة التمثيلية: نوع من المجاز فهي لذلك أبلغ منه. |
| (٣) تشبيه التمثيل: لا يصلح استعارة دون حذف. | (٣) الاستعارة التمثيلية: تحتاج إلى قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي. |
| (٤) تشبيه التمثيل: لا يحتاج إلى قرينة معه تدل على حقيقته. | (٤) الاستعارة التمثيلية: يحذف منها المشبه والأداة، ولا يبقى فيها من أركان التشبيه إلا ما كان مشبهًا به فقط. |
| (٥) تشبيه التمثيل: نوع من الحقيقة. | (٥) الاستعارة التمثيلية: تصلح مشبهًا به دون حذف، والتشبيه معها أكثر ما يكون غير تمثيل. |
(٦٠) وتنقسم التمثيلية إلى قسمين: تحقيقية وتخييلية:
- فالتحقيقية: هي المنتزعة من عدة أمور متحققة موجودة خارجًا، كما في الأمثلة السابقة.
- والتخييلية: هي المنتزعة من عدة أمور متخيلة مفروضة لا تحقق لها في الخارج ولا في الذهن.
وتُسمى الأولى «تمثيلية حقيقية» والثانية «تخييلية» كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا الآية على احتمال فيها، فإنه لم يحصل عرض وإباء وإشفاق منها حقيقة، بل هذا تصوير وتمثيل، بأن يفرض تشبيه حال التكاليف في ثقل حملها وصعوبة الوفاء بها بحال أنها عرضت على هذه الأشياء — مع كبر أجرامها، وقوة متانتها — فامتنعن وخفن من حملها، بجامع عدم تحقق الحمل في كلٍّ، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
ونحو قوله تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فإن معنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما فكانتنا كما أراد، فالغرض تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما عنها، وتمثيل ذلك بحالة الآمر المطاع لهما، وإجابتهما له بالطاعة فرضًا وتخييلًا من غير أن يتحقق شيء من الخطاب والجواب. هذا أحد وجهين في الآيتين كما في «الكشاف» فارجع إليه.
(٦١) الصريع: المطروح على الأرض. وتقاضاه: أصله تتقاضاه بحذف إحدى التاءين، وهو من قولهم: «تقاضى الدائن دينه إذا قبضه». والحُشاشة: بقية الروح في المريض والجريح. يصفه بأنه ملقًى على الأرض يلفظ النفس الأخير من حياته.





