الكرسي رقم (7) – بلعربي خالد

لم يكن الكرسي رقم (7) مختلفًا عن سواه في قاعة الانتظار، خشبٌ داكن أكلت أطرافه السنوات، ومسندٌ مائل كأنه تعب من حمل الظهور. ومع ذلك، كان عبد الرحيم يصرّ على الجلوس عليه كل صباح، كأن بينه وبين الكرسي عهدًا قديمًا لا يجوز نقضه.
كان عبد الرحيم موظفًا صغيرًا في دائرةٍ كبيرة، لا يعرف أحدٌ متى دخلها، ولا يتذكر أحدٌ متى سيغادرها. يحمل ملفه البني تحت ذراعه كما يحمل الإنسان ظلّه، لا حاجة له به، لكنه يخشى أن يضيع بدونه.
في ذلك الصباح، جلس على الكرسي رقم (7) وأطلق تنهيدةً قصيرة، لم تكن شكوى بقدر ما كانت تذكيرًا لنفسه بأنه ما زال موجودًا. حوله، وجوهٌ متشابهة، عيون معلّقة بسقفٍ متشقّق، وأقدام تتحرك بلا وجهة. الزمن في القاعة لا يمشي، بل يدور حول نفسه.
كان عبد الرحيم يعرف ترتيب النداءات عن ظهر قلب، يعرف أن اسمه لن يُنادى قبل الظهر، وربما لن يُنادى أصلًا. ومع ذلك، كان يحضر كل يوم في الموعد نفسه، يجلس في المكان نفسه، ويُصلح وضع الملف على ركبتيه كأنه طفل نائم.
ذات مرة، سأله رجلٌ جديد:
— «منذ متى وأنت هنا؟»
فكّر عبد الرحيم قليلًا، ثم أجاب بابتسامة باهتة:
— «منذ أن صرتُ أقلّ أهمية من الغياب.»
ضحك الرجل، ولم يفهم.
في ذلك اليوم، لاحظ عبد الرحيم أن الكرسي رقم (7) يُصدر صوتًا خافتًا كلما تحرّك. صوتًا يشبه التأوّه. ظنّ في البداية أن الأمر من خياله، لكنه حين نهض قليلًا، سمع التأوّه أوضح، كأن الخشب يشتكي من ثقلٍ ليس جسديًا.
ربّت عبد الرحيم على مسند الكرسي هامسًا:
— «اصبر… لم يتبقَّ الكثير.»
ولم يعرف هل كان يخاطب الكرسي أم نفسه.
حين حان وقت الاستراحة، نهض الجميع إلا هو. بقي جالسًا، كأنه حارسٌ لمكانٍ منسي. نظر إلى الباب الكبير، إلى اللوحات المعلّقة التي تغيّر لونها ولم تغيّر معناها، وفكّر في السنوات التي انقضت وهو ينتظر توقيعًا واحدًا.
تذكّر أمه حين قالت له يومًا:
— «كن صبورًا، فالصبر يفتح الأبواب.»
لكنه اكتشف متأخرًا أن بعض الأبواب تُفتح لتقود إلى قاعات انتظار أخرى.
فجأة، دوّى صوت الموظف:
— «عبد الرحيم…»
ارتجف قلبه، ونهض بسرعة حتى كاد يسقط. نظر إلى الكرسي رقم (7) نظرة وداعٍ مرتبكة، كأنه يترك صديقًا قديمًا في منتصف الحديث.
دخل المكتب، قدّم ملفه، جلس، انتظر. قلّب الموظف الأوراق بلا اكتراث، ثم قال ببرود:
— «ينقصك توقيع.»
سأل عبد الرحيم بصوتٍ خافت:
— «وأين أجده؟»
أشار الموظف إلى الممر الطويل:
— «هناك… ولكن ليس اليوم.»
خرج عبد الرحيم، وقد صار الملف أثقل من ذي قبل. عاد إلى القاعة، بحث بعينيه عن الكرسي رقم (7)… فلم يجده. كان هناك كرسي جديد، لامع، بلا رقم.
جلس عليه مترددًا. لم يصدر أي صوت.
شعر عبد الرحيم بوحدةٍ مفاجئة. افتقد التأوّه الخافت، افتقد الإحساس بأن شيئًا ما يشاركه التعب. أدرك حينها أن الكرسي رقم (7) لم يكن قطعة خشب، بل شاهدًا صامتًا على وجوده، دليلًا صغيرًا على أنه لم يكن وهمًا.
نهض ببطء، حمل ملفه، واتجه نحو الباب. في المرة الأولى منذ سنوات، لم يلتفت خلفه.
في الخارج، كان الضوء أقسى، والشارع أكثر ضجيجًا، لكن عبد الرحيم ابتسم ابتسامة خفيفة.
فربما… فقط ربما…
الإنسان لا يحتاج إلى توقيع ليُثبت أنه عاش.





