العارف بالله ✍️ م. مهاب حسين/ مصر

– هل اقترفنا إثماً لا نعلمه، أم ظلمنا الشيخ وحبسناه؟.
كان للشيخ العارف بالله قداسته في النفوس، وسيرة عطرة تناقلها الأباء والأجداد، وتوارثها الأبناء في صرامة غير عاملين عقولهم فيما سمعوه.
– أنا ربكم الأعلى..
تحلق الخلق حوله بغية الفتك به، لولا دراويشه ومُريدوه، شكلوا حائلا بينه وبينهم. صاح شيخ الحارة:
– لن تطأ قدما هذا الفاسق أرض حارتنا بعد الآن.
وتعالت الأصوات المنددة الثائرة:
– فليبق في الجبّ المهجور..
وتبخرت ولو لحين كل أوجاعنا الممتدة عبر سنين طوال من الخديعة في الرجل وحاشيته..
ثورة..
فلتكن ثورة على الطاغوت والثوابت والتوابيت المحنطة.
وتعالت الأصوات مستغربة:
– كيف سكتنا عليه.. كل هذا الردح من الزمن ؟.
عاش الشيخ العارف بالله منبوذا في منفاه، فقد مهابته، وتأثيره علي الخلق، وإن تغنى البعض بمآثر ماضيه، وتاريخه الموغل في القدم، والتمس البعض الأخر له العذر، قائلين:
– الناس جُبلت على الخير والشر معا.
وإن لم يلق ذلك أي ترحيب من قبل عوام الناس، الذين قالوا في وضوح:
– العبرة بالخواتم والرجل قد صبأ علنا .
هي شوارع ضيقة تنتهي إلى أزقة تتقابل فيها البيوت والدكاكين، نزحوا إليها من نجوع مطموسة..
كانوا يقبلون يد الشيخ في رواحهم وغداهم، ليتحلوا بالبركة والرزق الوفير.
ولم يساور أحدهم الشك في أصل الشيخ..
من أين جاء، ماموطنه، من أبواه؟.
لكنهم شعروا بأنه جزء لايتجزأ من المكان، جزء أصيل في نفوسهم لايتخيلون حياتهم بدونه.
– هل اقترفنا إثما لا نعلمه، أم ظلمنا الشيخ وحبسناه ؟.
وجاء شهر ديسمبر مطلع الخريف..
ونزل البلاء الأعظم، توالى اختفاء الأطفال الصغار من أمام منازلهم ومدارسهم وورشهم، جنت الأمهات، واحتار الأباء، ولم تفلح قوة المباحث في معرفة الجاني.
ارتاب الكل في الكل، لاسيما بعدما اشيع عن مشاهدة سحنات غريبة، تتجول بالنهار والليل في الطرقات. وبدأت اللصوص والبلطجية من الحواري المحيطة في السطو علي المحال، ناشرين الفزع والرعب، وأغلقت المدارس بعد احجام الأطفال عن الذهاب.
وبدا القتل والسرقة والخطف من الحوادث المعتادة في حارة الشيخ العارف بالله.
وبلغ التعب والعجز مبلغه، وأيقن الجميع أن الشيخ وأعوانه متورطين فيما يحدث.
فكم سخر الجان لأعمال خارقة.. أعاد للناس أشياءهم المفقودة منذ زمن، دلهم على أماكن ذويهم المختفين، شفى العليل، وفك ربط العوانس، نبأهم بأخبار مالبثت أن تحققت، فشهدوا له بالبركة والوصل مع الله شأن كل أوليائه الصالحين.
أيكون قد سخر خوارقه لإيذائهم والإنتقام لما اقترفوه بحقه؟.
– فلنحرقه وأعوانه..
– بل نهدم الجبّ القديم على منّ فيه.
وصاح أحدهم في غضب :
– لماذا تركناه منذ البداية.
أما مأمور القسم فنهرنا حين التجأنا إليه، زاعقا في تهكم:
– ألم تحموه، وتتستروا عليه، حين شرعنا في القبض عليه!.
وجاء الشتاء نذيراً يطرق الأبواب..
وتناقلت الألسن حكايات عن رؤية الشيخ يخرج عليهم وهم ناعسون، بجلبابه الأبيض وعباءته الرمادية؛ يحيل النظر فيما بينهم في شمم، ينثر ذرات من بخور فريد، يعبق المكان، وسرعان ما تنداح أصوات ذكر في عذوبة، يعقبها صوت متهدج رخيم:
– لقد خلق الله القلوب قبل العقول حتى لاتفتنا الحكمة.
كثر أعداد الشحاذين والعاطلين، ورتعت الفاقة والعوز، واختفت السلع من الأسواق، وشح الخير، مما أوعز للفتية هجر أباءهم المتخاذلين، سعيا وراء الرزق، ينشدون حياة جديدة.
اندفع الأهالي يمتشقون الهراوات والسيوف والبلاطي، يزأرون:
– الهلاك للشيخ المخرف وأعوانه الشياطين.
– فلنفك آسر نفوسنا من حبائل السحر والشعوذة.
– لن ننجو مادام حيا.
وتتابعت مسيرتهم، حاشدة، هادرة، تجوب الأزقة والحواري، حتى المدافن القديمة وهتفوا في نفس واحد:
– أخرج ياشيخ..
وتكررت النداءات..
صلبة.. دون تلبية، أو أدنى حركة تنم عمن بالداخل. حطموا قفل البوابة الحديدية العالية الصدئة، مهللين بزوال الغمة، وانقشاع الكابوس، بأن يجهزوا على الدجال وبطانته، ولعنته التي تطاردهم.
ما أن ولجوا باحة الجب المسورة بحوائط حجرية، والمغطاة أرضيتها بالحصى والتراب المدموك، حتى تسمرت أقدامهم..
باغتتهم شدة المفاجأة، فوقفوا مبهوتين، يحملقون في بلاهة، يتبادلون النظرات فيما بينهم..
الشيخ ممدد على الأريكة الحجرية المغطاة بكليم ملون مهترئ..
هيكلا عظميا..
لاينبئ عن شخصه سوى أسمال بالية لجلبابه وعباءته. الدود يزحف، ينخر في رفاته، يتلوى في التراب بشكل مقزز. رائحة نتنة تجثم، سدوا أنوفهم متأففين.. نظروا للسماء المشرعة فوقهم، ثم قالوا في غرابة:
– الأذى والشر لايصدران عن الموتى، بل الأحياء..
داهمتهم حقيقة ثقيلة، فكر الجميع مليا، في المشاجرات والمشاحنات والعداوات القديمة.. وما خلفته من بغضاء وحسد وضغينة، تجسدت الشكوك شخوصا بعينهم حصر كل واحد أعداءه المحتملين..
تحولت باحة الجبّ إلى ساحة قتال، أُعملت فيها كل ماحملوه من أسلحة وأدوات، فأُريقت الدماء، وتعالت الصرخات في جنون.. ممتزجة بالرغبة في الثأر، بغية النجاة والخلاص..
بانت عظمتا فك وجه الشيخ العارف بالله – وهو راقدٌ – منفرجتان..
يبدوان على شكل ابتسامة!.





