القصة القصيرة
الحقيقة العمياء – عبد الجبار الحمدي

- أنظري هناك كم هي جميلة هذه المراة؟ لقد فاق جمالها الوصف!! يا إلهي أنظري الى دمامة من تصحبه إنه رجل قبيح لايمكن ان يأتي على قلامة من أظافرها!!؟
- هدئي من نفسك سوسن! ما بك؟ ما الذي جرى لك و تتحدثين بهذا الأسلوب؟! ما لك والآخرين ما جئنا إلا لنقضي وقتا معا بعد غيبة طويلة ألح الزمن أن يصفع ذاكرتنا فهتف للنسيان ان يكون مهيمنا فوق ذاكرتنا ولولا هاجس دفع بي لإحياء ذكرى ما كنت أتصلت بك و طلبت أن أراك أقسم يا سوسن لا زلت كما أنت الفتاة المراهقة التي تنتقد كل شيء و الأشخاص إلا نفسها؟
- دعك هذه المهاترات و أنظري أليس ما اقوله حقيقة أين الثرى من الثريا؟ مسكينة لابد أنها تعاني كثيرا أو أنها مجبرة على صحبته؟ أقسم على ذلك ليلى
- هكذا عرفتك مذ كنا في صغارا لا تنفكين تحكمين على ظاهر الأشياء وتقسمين على ذلك و في لآخر الامر تعتذرين أو تصابين بخيبة أمل في حكمك على الناس، أنظري جيدا كم هما سعداء مع بعضهما البعض، السعادة تكاد ترقص بين يديهما حتى حين جلسا الى بعضهما البعض بعيدا عن سياق الجلوس و أتكيت الطاولة فقد ضما نفسيهما الى بعضهما البعض قربا أليس هذا غريب بالنسبة لك؟؟ سوسن
- لا ليلى ليس غريبا!! فكما يقال الحب أعمى و أعتقد أنه أعمى بشكل حطم كل قواعد الحب و سياقات الإختيار..
- لا ابدا سوسن إنما هي حالة حب من نوع خاص فيها يلغي الأنسان عينيه ويبصر ببصيرة قلبه و روحه يكشف الغطاء عن جميع تلك المسميات التي تكون شبه قناة أو لنقل غشاوة عيون.. لقد أحبها لصفات لا يمكن أن يكون جمالها، وهي حين أحبته لم تنظر الى دمامة شكله كما تصفيه لابد أن يكون هناك ما لا يمكن أن نبصرة أنا أو أنت، شيء ما جعله تشعره بإنسانيته و رجولته وشخصيته.. أما إذا أردت أن تعرفي بفضولك عن تلك الصفات، إذهبي وأسأليها لتتبني من صاحب الأختيار؟؟ و هذا ما أراه صعبا بعض الشيء
- إنك على حق ليلى لابد أن أسألها ما أن تحين الفرصة, أظنها ستأتي فاني أشعر بالفضول يقف على خط السباق كي ينطلق ما أن أراه يذهب الى مكان ما… سأفعلها وأسألها من إمرأة الى إمرأة
- لا تكوني حمقاء كفاية كي تصدقي بأن هناك حقيقة واحدة للأشياء.. مستحيل فكل إنسان يرى الحقيقة من وجهة نظره، لذا ترانا مختلفين حتى في طريق التفكير لإننا نعتقد أننا الأجدر بقول الحقيقة المرة.. أليس كذلك سوسن؟؟
- يكفيك ليلى فأنت تحملين نفس الاعتقاد والتفكير و لا أظن أن الايام قد أعادت فرمتة عقلك كي تماشين عطر الحاضر و التغيير السريع.. لابد لي ان أعرف سبب سعادتهما!!؟ كيف للدمامة أن تصاحب الجمال؟؟ هذا أمر عجيب!!!
- لكن يا سوسن ألم تنظري الى سعادتهما وهما يعيشان حالة توأمة أظنها دائمة وإن لم تخلوا من مغبات زمن.. أظنهما تجاوزا خط الخلافات التافهة وباتا أنسانان بروح ملائكية.. فالملائكة لا تنظر الى الشكل الخارجي بل الى المشاعر والأحاسيس التي تغلف و تحيط بالنفس فتسمو فوق كل حسابات بشرية كأن تكون إنسانية بإمتياز.
- لا زلت عند رأي ليلى أن الحب أعمى وفي بعض الأحيان مغفل أو مُجبر.. هذا ما تعلمته من الحياة في وسط عالم يتخبط بالعلاقات العشوائية المصالح هي من تؤدلج و تمنهج، وغالبا ما تجعل الطريق الى ذلك معبدا الى حين عثرة أو إصطدام بخيبة الإختيار
- كما أنت يا سوسن لم تتغيري… تضعين الأشياء في غير محلها حتى تكتشفين أنك قد أخطأت أو إختلطت عليك المسميات.. لقد قرأت في مرة عبارة لكاتب عراقي يقول: القضاء و القدر… هما عاملان أساسيان في صياغة طريقة الحياة، لكن بحدود زمنية غير مقدرة عليك، لذا حين تقع في وهم أنك موجود لسبب ما، تدرك أنك مخلوق سبب وجودك هو أن تضع بصمة و أثر في سجل المخلوقات البشرية، في تلك اللحظة ينتفي بعدها سبب وجودك، تماما مثلما تُشعل عود الكبريت لغرض ما. الحقيقة تلك العبارة كثيرا ما أشغلتني فكلما أحسب أن وجودِ قد وصل خط النهاية لما أعتقد، أراني أتوانى عن ذلك الحسبان فلابد أن السبب في وجودِ لم يأن بعد فأكمل حياتي بما رضيت لها بقناعاتي وقدري الذي قُدِرَ لي، وعليك ان تفعلي بالمثل يا سوسن..
- ما ان نهض عن طاولته ذلك الدميم برأيها هرعت مسرعة الى طلب الاذن بالجلوس لإشباع فضولها سوسن.. رغم تفاجئ ليلى من تصرفها.. رحبت المرأة بجلوسها وهي تبتسم فقالت المرأة الجميلة تفضلي بالجلوس سيغيب حبيبي بعضا من الوقت.. لكن سأختصر لك المسافة في إشباع فضولك منذ جلوسنا و من ثم عليك أن تسارعي بعدها بالابتعاد الى حيث أتيت من مكانك.. فأنصتِ جيدا… في مرة كان الحب يسير في بستان محاط بالورود و العبق الى جانب الجمال حتى الفراشات الفائقة الروعة تسير الى جانبهما والضياء في نفسيهما ينير كل نقطة هامشية ربما تحجب التطلع إليها.. غير أن الحسد الذي يتربص بنفس حاقدة على الجمال و علاقته بالحب شان عليه أن يراهما سوية فعقدت نفسه عقدة الهوس بالإطاحة بأحدهما فراح يضع الفتن والإشاعات بين الحب والجمال كل على حدا، ظنا أنهما لا يبوحان لبعضهما البعض بما ينويه الحسد حتى طفق بهما فاشتكيا الى الخالق فعلته، فما كان منهما إلا أن وصلا الى قناعة أن ذلك مقدر عليهما فلا يد للخالق في ذلك، إن القدر هو من عليهما ان يشكيا أمر الحسد إليه.. وحين فعلا قال القدر لهما… لابد ان يكون هناك ثمن عليكما ان تدفعاه كي أُلحقه العقوبة.. فلا شيء دون مقابل .. في تلك اللحظة حضر الحسد طالبا من القدر أنه سيدفع ثمن حسده أيا كانت العقوبة، لكن على أن يبقيه بصفته تلك حتى يكشف له حقيقة المشاعر والأحاسيس التي يحملها المخلوق البشري، يعريه ويكشف حقيقة ذلك الحب الى ما شاء الخالق له من وجود.. لم يعترض القدر على ذلك وقد وجدها مقايضة جديرة بالاهتمام وحين عرض ذلك على الحب والجمال سارع الحب بالقول.. لابأس أن تطفأ عيناي فيكفيني أن أشعر وأحس بالجمال في روحي و نفسي فهما كفيلا بتغطية أي عيوب تجعلني أحيا أعمى على أن أكون مبصرا في مشاعري وأحاسيسي ولا أعيشمها بنفاق.. أعتقد هذا يكفي جوابا الى فضولك.. و الآن لو سمحت غادري هذه الطاولة فقد حان عودة حبيبي الذي أعشقه بروحي بصفة الحقيقة العمياء.





