الشعر الجديد في تونس بين واقعية الطليعة وجماليات التسعينيات/الخصار عبد الرحيم

حين تسير في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة يمكنك أن تصادف عدداً من شعراء الجيل الجديد على الكراسي الخارجية للمقاهي، أو في الشوارع الخلفية أيضاً، يتحدثون عن الأدب والسياسة والحياة بروح تختلف عن باقي شباب البلدان العربية، فالبلد خارج من ثورة، لكنها ثورة لا تحظى برضا الجميع، ربما هناك حيرة سياسية لدى هذا الجيل، لكنه في ما يتعلق بالشعر واضح وحاسم، إنه يعرف ماذا يريد. هائلة وقوية رغبته في تجاوز ما سبق وعدم اتباع أية جهة أدبية سواء في المشرق العربي أو في أوروبا. تكاد التجربة الشعرية التونسية الجديدة تبدو بالفعل تونسية إلى أقصى حدّ. هذا ما تقوله النصوص الجديدة للقارئ الأريب الذي يقيم على مقربة منها ويصغي لها دون تعالٍ، ودون أحكام جغرافية أو تاريخية جاهزة. في هذا التحقيق يتحدث خمسة من شعراء الجيل الجديد بتونس، وهم يشكلون نسبة قليلة من شعراء الجيل ذاته الذين يكتبون بدأب وبجهد ليس في العاصمة فحسب، بل في الأطراف القريبة والبعيدة، ولدوا جميعاً في الثمانينيات، لكنك لا تستطيع أن تجمعهم في تجربة شعرية واحدة، فلكل شاعر رؤيته الخاصة للكتابة وللحياة أيضاً، ولكل واحد مرجعيته القرائية والفكرية. ربما الشيء الأساس الذي يربط بينهم هو الإيمان بحاضر الشعر ومستقبله في بلاد الياسمين. يعتقد الشاعر جميل عمّامي أن المشهد الشعري التونسي اليوم يقوم على التنوع والفرادة، وإن كانت السمات العامة المشتركة أكثر من غيرها باعتباره مشهداً ينهل من واقع واحد، وتجمعه جغرافيا واحدة، وإن كانت المشارب الفكرية متنوّعة وهواجس الكتابة وآفاق الشعرية لديها مختلفة. يمكن القول ـ حسب عمامي ـ إن ثمة نصاً شعرياً تونسياً يطمح للذهاب بعيداً في حفرياته، وترسيخ روح الشعر لديه أكثر من سابقيه. فالشعر التونسي والمغاربي كان يعيش أزمة نص وأزمة كمّ وكيف، الإ أنه ومع شعراء التسعينيات وشعراء الألفية الثالثة بدأت تتّضح معالم الشعرية التونسية الفريدة، وهذا لا ينفي السابقين بل إنه ثمة أسماء ومشاريع شعرية قاومت وواصلت العمل على تطوير نصوصها، حتى وصلت ما وصلت إليه الآن، إلا أن السمة الفارقة للراهن الشعري التونسي ـ يضيف جميل ـ هي «هذه الحساسية الشعرية الجديدة التي يكتب بها شعراء تونس الشباب، والتي تنبئ بطفرة غير مسبوقة في الشعر التونسي، وأن ما يميز هذه النصوص الجديدة التي يكتبها شعراء تونس الجدد هي هذه الحساسية المفرطة والوعي الحاد بتبدّل الزمن، فطوّعوا اللغة وفق منطقه الخاص». يبدو لصاحب «وحيداً في العالم كشجرة» أن في تونس اليوم «حركة نشر غير مسبوقة لكتب شعرية عالية الجودة في أغلبها بعدما انهدم جدار الآخر وأصبح بواسطة الوسائط الحديثة إيصال النصوص والرؤى لأي مكان بالعالم أمراً متاحاً». ويذكّر جميل بأن أدونيس سبق إلى هذا القول منذ ما يزيد عن العشرين سنة، حيث قال: «عدلوا ساعاتكم الشعرية على المغرب العربي وما يُكتب فيه»، في اشارة إلى كسر خطية المقولة التي أراد المشرق تكريسها بأن المغرب بلد فكر ومفكرين لا مبدعين وشعراء. ويعتقد الشاعر أنه وبعد هذا الزمن والكمّ قد صحت مقولة أدونيس، وربما ستتضح أكثر مع مرور الزمن. أما المشهد الشعري التونسي ـ حسب جميل ـ فهو «يزخر اليوم بأسماء لامعة في سماء القصيدة وبأصوات أخرى سيكون لها المستقبل وبدأت معالم نبوغها تتوضح يوماً يعد آخر مع ما يكتبه شعراء الألفية الثالثة». ويجمل الشاعر رأيه في القول بأن الشعر التونسي بخير نصياً وإبداعياً، لكن يبقى كل ذلك رهين استراتجيات ترسمها الدولة لإعطاء الجانب الثقافي الاهتمام اللازم لأن الشعوب يُقاس تقدمها بقيمة وعدد مبدعيها ومثقفيها، إذ ثمة مشاريع شعرية حقيقية تبزغ في سماء المتوسط الغربي لو تتم رعايتها وتوفير شروط الإبداع لها، ماعدا ذلك تبقى الكتابة مشاريع فردية بامتياز ولكل مشروعه، وهذا ما يخلق نوعاً من الحراك الأدبي والشعري غير المسبوق سيما بعد ما يُسمّى بالثورة، وقبلها أيضاً، لأن ثورة النص دائماً تكون سابقة لأي ثورة أخرى. الحيف النقدي في السياق ذاته يعتقد الشاعر سفيان رجب أن الشعر التونسي ظل لفترة طويلة يعاني من الحيف النقدي، ولا يجد مثالاً أبلغ من رأي ‘›محمد لطفي اليوسفي›› الذي قال أوائل التسعينيات: «إن الشعر في تونس لا يتجاوز تجربة النصوص التي لا ترتقي لمرتبة المشاريع الشعرية!». يقول سفيان رجب: «حين أقرأ الآن بعض التجارب الشعرية التونسية أرى أن رأي اليوسفي كان قاسياً بعض الشيء ومتعالياً، كل تجارب أصدقائي الشعراء التونسيين من الألفية الثالثة حين أقرؤها الآن بين قلب الجراح وقلب الأم أرى أنها تحمل خصوصيتها الفنية والرؤياوية التي تميّزها عما يكتب في الشرق والغرب»، الشاعر التونسي – حسب رجب – نضج كثيراً واستفاد من الحركات الشعرية السابقة كالطليعة والتسعينيات. الشعر التونسي الآن يعيش في الشوارع الصفيحية وفي البارات الشعبية وأسواق الخضار والخرداوات، ويحمل في صدره زهرة وكمنجة. إنه يتحرّك بين واقعية حركة الطليعة وجماليات التسعينيين، كما أنه استفاد كذلك من الرواية المغاربية، واستطاع النجاة من مخلفات الحرب الشعرية الثانية في الشعر العربي التي خاضتها جماعة مجلة ‘›شعر›› وتركت خلفها جيشاً من المسوخ الشعرية لأدونيس وأنسي الحاج والماغوط وأبي شقرا. خلاصة القول لدى صاحب «كالبرتقالة فوق مائدة الفقير» هي أن الشعر التونسي الآن يتجذر في أرضه من دون أن ينسى أجنحته. إنه يبني عشه من قش حقوله تماماً كالطيور!
يقول الشاعر أشرف القرقني: «يشهد الشّعر التّونسيّ المعاصرُ خلال هذه السّنوات تحوّلات عميقة لا أظنّه قد عرفها من قبل مطلقاً. وإذ أشير إلى تحوّلات فإنّني أريد أن أبتعد عمّا يُقال من أنّ هذا الشّعر منقطع تماماً عن سابقه، إلاّ أنّه مختلف عنه اختلافاً شاسعاً… لعلّ هذا المنجز الشّعريّ المعاصر هو ما أفضت إليه صيرورة معقّدة من الكتابة والتّنظير لنصّ متجاوز وأصيل بمعنى الفرادة والجدّة على غرار ما حاولت أن تؤسّس له حركة الطّليعة مثلاً. لكنّها حسب رأيي كانت أكثر جدّيّة في ما كتبته من تصوّرات ورؤى عن الشّعر ممّا فعلت في نصوصها الإبداعيّة.. وفيما حاولت هذه الحركة تجذير «توْنسة» مفترضة، فتح الشّعرُ التّونسي الرّاهنُ إمكاناته إلى الأقصى فسعى إلى هضم التّجارب الإبداعيّة الأصيلة والكبرى سواء في الثقافة العربيّة أو خلافها، قديمها وحديثها ورأى في تجارب من قبيل تجربة سعدي يوسف، أدونيس، بسام حجار، سركون بولص وديع سعادة وغيرهم كثير، نماذج يمكنه أن يغترف من مائها أكثر ممّا اهتمّ بالتّجارب التونسيّة السالفة، تلك التي أثّرت فيه اجتماعيّاً وثقافيّاً بالأساس». ولهذا السبب استطاعت التجربة التونسية ـ حسب القرقني ـ أن تفرز إلى حدّ الآن، نصوصاً إبداعيّة مميّزة وهي تختلف في ما بينها، بعضها له غناؤه المنفلت والمتفرّد تماماً والبعض الآخر مازال يتقدّم بإصرار نحو صوت مازال قاتماً لكنّه قابل للنّحت إذا تواصل الغناء بكلّ هذا اللّعب المتمرّس. يضيف الشاعر: «أظنّ أنّنا أمام إمكانات هائلة ومن المحتمل أنّ تظلّ بعض التّجارب مجرّد إمكانات، لكنّ معظمها سوف يؤول إلى تجارب إبداعيّة هامّة عربيّا، وربّما إلى شعراء تستطيع الثّقافة العربيّة أن ترى فيهم نماذج كبرى لنسقها العميق وهو ينخرط في راهنيّته وينفتح على العالم». إنجازات وإخفاقات الشاعر محمد العربي يبدو له أن في الشعر وكما في الحياة إنجازات وإخفاقات ورهانات يطرحها كل من رسم مشروعاً فنياً ودافع عنه، والمتأمل في سيرورة الشعر التونسي الحديث من الشابي الى شعراء الطليعة وشعراء الثمانينيات والتسعينيات حتى شعراء الألفية الثالثة، كما يلقبهم البعض يرى أن تاريخ الشعر لم يكن يوماً تاريخ قطيعة، بل هو نتاج لتراكمات وتجارب شعرية بنجاحاتها وإخفاقاتها، ولكن حسب رأيه لم يشهد الشعر في تونس نجاحاً وحضوراً فعليّا وثورة جمالية بأتمّ معنى الكلمة مثل ما شهده مع الحركة الشعرية الجديدة في تونس التي دفعت الشعر نحو مناطق لم تطأها الأقدام. يضيف الشاعر: «لم يعُد الشكل الشعري هاجس الشعراء في تونس، بقدر ما أصبح دافعهم في الكتابة هو الخروج من مستنقع الرداءة الذي شهده الشعر طيلة عقود مضت. إذ لا يُخفى على أحد أن الشعر في تونس كان إما مباشراً فجّاً، أو محلقاً بجناح لغة ميكانكية بعيدة كل البعد عن الشعر الذي هو شكل من أشكال إقامة الإنسان على الارض. هذا طبعاً مع استثنائناً لبعض التجارب التي استطاعت أن تحقق خصوصية ما ونجت بنفسها من الوقوع في ما وقع فيه الكثيرون من شعراء تونس». لقد شهد الشعر مع شعراء الألفية الثالثة من وجهة نظر مؤلِّف «حتى لا يجرحك العطر» نقلة نوعية وتطوراً لافتاً للأنظار، رغم أن «الكثيرين ممن أداروا لنا بظهورهم لا يريدون أن ينظروا.
وقد يعود هذا التطور في الرؤية والأداء الفني والجمالي الشعري لهذا الجيل إلى اطلاعه على أهم التجارب العربية وانفتاحه على المنجز الشعري العالمي». هنالك أصوات وتجارب شعرية مهمة وجادة في الشعر التونسي المعاصر الذي يتقدم بخطى ثابتة ـ يضيف العربي ـ أصوات وإن «كانت تتحرك خارج المؤسسات والمنظومات المتخلفة ولا تحظى بمنابر إعلامية تقدمها إلى الجمهور، فإنه سيكون لها شأن كبير في تاريخ الشعر التونسي والعربي». أما الشاعرة منى الرزقي فهي تؤمن بأن ثمة «قصيدة تونسية تكتب في الخفاء، ثمة حديقة من الشعراء في من يطلق عليهم اليوم شعراء الزاوية الحادة من العالم / من الشعر، منهم مَن لم ينشر كتابه الأول بعد، لكن شعرهم أضاء أبعد من ضوء المنارات». وتتأسّف منى لحال الثقافة في تونس ولذلك النقص الذريع في احتضان البلاد لأبنائها حين تقول: «لكن هذا البلد تنازل متعمداً عن حقه في أن يصنع أسماء شعرية مرموقة ويقدمها للعالم، تنازل باكراً جداً عن حقه في الحياة وفي النشر. يبدو أنه زمن الضجيج، ومع ذلك أقول لمن لا يعرف شيئاً عن تونس إن بها شعراء ستكتب أسماؤهم على حجر الذاكرة رغم المر والمالح». (كاتب مغربي)



