الحب والمرأة بين دي. إتش. لورنس وإحسان عبدالقدوس – حاتم السروي – مصر
– الخط الاجتماعي والاهتمام بالأسرة أخذا
مساحةً كبيرة ومكانة بارزة عند الكاتبين معاً
التقاليد.. غير أنه كان ينطلق أيضاً وبسرعة نحو فهم جديد ومختلف لحرية
الإنسان
الإنكليز؛ أما الاسم الكامل فهو ديفيد هربرت لورنس.. إنه الأديب المعروف بغزارة
إنتاجه وتنوعه، فهو القاص والشاعر والناقد والروائي الذي يكتب المقال والأدب
المسرحي؛ بل وأدب الرحلات أيضاً. قدم لنا «عشيق السيدة تشاترلي» الرواية المثيرة
للجدل في وقتها، وهي أيضاً أكثر أعماله شهرةً، فيما تعتبر «الطاووس الأبيض» هي
الأقل شهرة مع أنها للمفارقة أول ما كتب! أما عن سيرته الذاتية فقد عكست لنا
«أبناء وعشاق» الكثير من الصراعات التي خاضها لورنس في حياته العملية والأسرية.
هربرت المعروف بـ«دي.اتش. لورنس» نقول إنه مات في اليوم الثاني من شهر مارس لعام
1930؛ فنحن في الواقع نتحدث عن أديب كلاسيكي بالمعنى الزمني، ولادته كانت بالتحديد
في اليوم الذي يعرفه العالم الآن جيداً (11 سبتمبر) لكن عام 1885.
كاتبنا في العصر الفيكتوري؛ حيث الوقار والاحتشام والتقاليد الصارمة، والمحافظة
على الدين، في وقت كان هناك تراجع لمصلحة الفكر المادي المنبهر بالاكتشافات
العلمية الحديثة. وكل هذا كان له ظلاله في أعمال ديفيد هربرت؛ فقد تحدى الاحتشام
الفيكتوري الذي أشرنا إليه، وتناول علاقة الرجل والمرأة بجرأة لم يكن لها مثيل
حينئذٍ، ولعل روايته «عشيق السيدة تشاترلي» كانت مثالاً على هذه الجرأة التي كانت
في منظور المجتمع البريطاني وقتها «وقاحة يجب أن يعاقب صاحبها» بل كانت دور النشر
التي يهمها أن تستغل اسم لورنس وشهرته، تنشر الرواية بعد الحذف والتنقيح، ولم تخرج
لنا الرواية كما كتبها المؤلف إلا في ستينيات القرن العشرين.
المجتمع الغربي منذ أن قامت الثورة الصناعية الكبرى، وهو ينتظر لحظته المنشودة حتى
يفتك نهائياً بـ«الرجل الأبيض الهش» أو الحضارة الغربية لتنتعش دماؤه ثانيةً
وتتجدد قوته وحقده. كل هذا في قصته «الحدود» وهي أمور لن تضيف إلينا شيئاً في معرض
حديثنا عن لورنس، فهذه الرؤية لا ينفرد بها وحده.
المصري إحسان عبدالقدوس، حيث وجدنا أوجهاً للشبه بينهما، وذلك أن الخط الاجتماعي
والاهتمام بالأسرة أخذا مساحةً كبيرة ومكانة بارزة عند الكاتبين معاً، والأغرب أن
كليهما لاحقته التهمة نفسها، مع أن إحسان عبدالقدوس تحديداً بدا أخلاقياً في كثيرٍ
من أعماله، بل يشعر القارئ أحياناً أنه يرمي إلى إصلاح اجتماعي حقيقي يعود بالناس
إلى الأعراف والقيم والتقاليد، ورغم هذا فقد بدا حديث عبدالقدوس عن المرأة والحب،
خروجاً عن العادات، وهي التهمة التي رد عليها بالتفصيل حيث دافع عن نفسه في خطابه
إلى الرئيس جمال عبدالناصر ونفى ما قيل عنه، موضحاً هدفه من تصوير التفاصيل
الدقيقة لجوانب العلاقة بين الرجل بالمرأة.
عبدالقدوس ولورنس، حيث نلحظ أيضاً التقارب الشديد في الظروف الاجتماعية بينهما،
فكلاهما ربته امرأة، وكلاهما يمكن وصفه بأنه «ابن المرأة» وهو العنوان الذي وضعه
جون ميدلتون موري على غلاف كتابه عن لورنس.
كان لأسرة من الطبقة المتوسطة، وكانت على قدر من الثقافة أكثر من والده فيما يبدو،
ومن هنا ارتبط لورنس بوالدته أكثر، وكان تأثيرها فيه أعمق، والأمر نفسه مع اختلاف
بعض التفاصيل نراه عند إحسان عبدالقدوس، حيث كان والده ممثلاً تركياً لا يذكر له
الكثيرون غير مشهد مع المطرب عبدالحليم حافظ في فيلم قديم وهو يرتدي الطربوش
العثماني ويغني له عبدالحليم «يا سيدي أمرك، أمرك يا سيدي، ولَجْل خاطرك، خاطرك يا
سيدي، ماقدرش أخالفك لإني عارفك تقدر تحط الحديد في إيدي، اسمع يا سيدي!» مع
مراعاة كسر السين والياء لأنهما في الأغنية ينطقان باللهجة المصرية الدارجة.
والكاتبة الصحافية والرائدة النسوية فاطمة اليوسف مؤسسة مجلة «روزاليوسف» وكانت
على قدر كبير من الثقافة، وهي التي تولت تربية إحسان، وظل مرتبطاً بها وجدانياً
طوال عمره، وهذا الرباط الذي جمع بين لورنس وعبدالقدوس وبين والدتيهما ظهر في أكثر
أعمالهما، وفي قصة «جيمي والمرأة اليائسة» التي كتبها لورنس؛ حيث البطلة «إيميلا»
امرأة مثقفة تشعر بالضجر و«جيمي» المنقذ المُخَلِّص، وهو رجل مشاعر وأفكار، وطبعاً
لا نحتاج للكثير من الذكاء حتى نعرف أن «جيمي» هو لورنس نفسه.
تصوير العلاقة بين الجنسين، وهو تصوير دقيق يتميز بواقعيته، وهذا التصوير وحده هو
الذي كفل لانتاجهما الأدبي أن يبقى، وأن تستفيد منه السينما في انتاج أفلام صادفت
قبولاً جماهيرياً، ونحن لا نعدو الصواب لو قلنا إن أدب عبدالقدوس الرومانسي فيه
أيضاً واقعية أدت إلى توازن في الكتابة، بما ينم عن ثاقب فكر عبدالقدوس وابتعاده
عن الأوهام واهتمامه بالقارئ، فهو يعي أن الرومانسية المفرطة لا تعني إلا حماقة
الكاتب أو استهتاره بالقارئ، وهذا الحس الواقعي رأيناه واضحاً عند لورنس في قصصه
الرومانسية التي كتبها في عصر، وإن كان لا يزال محافظاً على التقاليد، غير أنه كان
ينطلق أيضاً وبسرعة نحو فهم جديد ومختلف لحرية الإنسان.




