لغةٌ حاضرةٌ و لغةٌ غائبة – فيصل سليم التلاوي

تمهيد:
لا أريد في هذه المقالة معاودة الحديث في شأن العامية والفصحى، وغلبة الأولى وتغولها على الثانية، والخوض في طرق تلافي ذلك أو الحد من أضراره. فذلك أمر قد قتله الدارسون بحثا، ولم يتوصلوا فيه إلى نتيجة مثمرة. لكنني أود أن أركز الضوء على خطر هذه الازدواجية على شريحة هامة من أبناء العربية، ألا وهم كتابها وأدباؤها، وما يكابدونه من معاناة جراء هذه المزاوجة في تناول اللغة، والتعبير عن إبداعاتهم بها. حيث إن الأمر الطبيعي والتلقائي، الذي يتبادر للأذهان للوهلة الأولى في شأن المسألة اللغوية، أن الإنسان في وضعه السويِّ ينبغي أن يتحدث ويقرأ ويكتب بنفس اللغة، وأن من الغرابة بمكان أن يكون للإنسان لغتان، واحدة للمحادثة وأخرى للقراءة والكتابة. وهذا هو واقعنا المؤسف الذي نعيش به ومعه، ولا نستطيع انفكاكا منه ولو جهدنا في سبيل ذلك كل الجهد، ولا أعتقد أن كثيرا من أمم الأرض تشاطرنا هذا الانفصام اللغوي.
العاميةُ لغةٌ حاضرةٌ:
إن اللهجات العامية التي لا يحصيها عدٌّ هي لغاتنا الحاضرة، التي تنطلق بها ألسنتنا، وهي ليست بعدد دولنا العربية التي تتناسل يوما بعد يوم، بل تفوق هذا العدد كثرة، فلكل منطقة أو ناحية في البلد الواحد لهجة خاصة، وهذه اللهجات هي لغات التخاطب اليومية بين الناس صغيرهم وكبيرهم، أميِّهم ومتعلمهم. بل هي اللغات الأم لكل طفل منا منذ بداية سماعه للأصوات، ومعاودة تردادها وتعلم النطق بها، فلغتنا الأم ليست العربية على ما نزعم، بل اللهجة العامية المحلية الخاصة بالمنطقة التي ينتمي إليها كل منا.
العامية هي لغة التخاطب والمحادثة لدينا جميعا، حتى لدى المشتغلين بالتدريس وتعليم اللغة العربية وعلومها، بل وحتى لدى المبدعين من الكتاب والأدباء والشعراء، وأساتذة الجامعات في كليات الآداب وأقسام اللغة العربية. جميع هؤلاء وأولئك لغاتهم الحاضرة التي يتخاطبون بها هي اللهجات العامية، التي تختلف من رقعة جغرافية لرقعة أخرى، وتزداد بعدا عن لهجة أخرى بحسب بعد المكان، وعوامل أخرى متعددة.
الفصحى هي اللغة الغائبة:
الفصحى هي لغتنا التي نتفاجأ بالتعرف عليها عند ولوجنا عتبات المدارس في سن السادسة، وقد فاتنا من أمرنا شيء كثير، وما كنا قبل ذلك في سنوات التكوين الأولى نلم بشيء منها، وهذا ما يجعل نطق حروفها ورسم كلماتها في كثير من الأحيان طلاسم وأحاجي لدى كثير من أطفالنا، الذين يجابهون هذه الطلاسم للمرة الأولى، وكان الأولى أن تلامس أسماعهم مع ترنيمات أمهاتهم الأولى في طور الرضاعة ومابعدها، لينطبق عليها قول القائل: إنها لغة الأم، أي اللغة التي يكتسبها الطفل من لسان أمه، مقرونة بحليبها الذي يرضعه، فتأتيه سهلة سلسة يتلقفها سمعه منذ لحظات التكوين الأولى، ولا يتفاجأ باستقبالها بعد سنوات، يكون فيها سمعه قد ألف، و لسانه قد اعتاد على سماع لغة أخرى وقرت في وجدانه، وترسخت في ذهنه وجرت على لسانه على أنها لغته الأم، ألا وهي اللهجة العامية.
يتعلم أحدنا القراءة والكتابة باللغة الغائبة ( الفصحى )، ولا يجد ما يلزمه بالتواصل معها، بل تظل غائبة عنه إلا في حصصه المدرسية، وقراءة كتبه وأداء واجباته. فإذا غادر غرفة الصف غادرته لغته، وانصرف عنها للحديث مع زملائه وأهل بيته وجيرانه وكل من في مجتمعه باللغة الحاضرة في كل مكان، وهي اللهجة العامية. حتى في صفه المدرسي، فإن أستاذه في غير قراءة الكتاب المدرسي يخاطبه باللهجة العامية، ويتحادث المدرسون فيما بينهم باللهجة العامية، بل وفي الكليات المتخصصة بعلوم اللغة وآدابها. حيث يقتصر الالتزام بالفصحى على القراءة والكتابة، أما المحادثة فلها شأن آخر يبقيها تحت ظلال العامية.
حتى الشاعر والكاتب والأديب فإنه لا يستحضر اللغة الغائبة (الفصحى) إلا ريثما يكتب نصه، وقد لا يتأتى له ذلك إلا مرة كل بضعة أسابيع أو أشهر، وقد يتوقف نهائيا عن الكتابة فتتوقف زياراته لمتحف اللغة الغائبة، ويظل فيما عدا نصوصه ناطقا باللهجة العامية.
فكأن اللغة الفصحى معجم يرجع إليه في أوقات محدودة، للاطلاع على أمر أشكل عليه، ثم يعيده إلى الرف الذي انتزعه منه بعد أن يفرغ من احتياجه إليه.
كتبنا وصحافتنا وإعلامنا، بها نقرأ ونكتب بالفصحى المبسطة، لكن للمحادثة عالم آخر هو العامية. وخلاصة القول إن لنا لغتين: واحدة للقراءة والكتابة وأخرى للمحادثة.
وحدهم قارئوا نشرات الأخبار في عالمنا العربي يستحقون العطف والشفقة، لأنهم الوحيدون الذين يجهدون أنفسهم في النطق باللغة الغائبة، وربما تعرضوا للسخرية والاستهزاء من طريقة نطقهم، التي لم يعتد البعض على سماعها. ومثلهم بعض المحاضرين في المناسبات الوطنية أو الندوات الأدبية، قد يقحمون أنفسهم على خوض تجربة الحديث باللغة الفصحى، أما فيما عدا ذلك فاللغة الحاضرة (العامية) هي لغة المجتمع عامة، بنسخها المتعددة بتعدد الأقاليم لا البلدان كما أسلفنا.
بل إن بعضهم قد يستحدث لها مظهرا جديدا يطعم به لغته الحاضرة، ليس بكلمات من الفصحى، بل بكلمات أجنبية إنجليزية أو فرنسية تبعا للدولة التي سبق لها أن استعمرت بلاده، ليدلل بذلك على علو ثقافته الأجنبية، وهو في واقع الأمر لا يلم من الثقافة الأجنبية إلا بهذه الكلمات القليلة، التي أجهد نفسه في حفظها ليقحمها في حديثه، ليظهر بمظهر المثقف الأجنبي.
مأزق الكُتّاب أمام اللغة الغائبة:
لعل أكثر من يعاني من هذا الانفصام اللغوي هم الكتاب والأدباء والشعراء، الذين يجهدون أنفسهم في تجويد لغتهم، وانتقاء مفرداتهم من لغة لا يستخدمونها يوميا، بل هي بحكم الواقع مخزونة في الذاكرة، يلجأ إليها الأديب عندما يَعِنُّ له أن يكتب نصا أدبيا، مثلما يرجع الباحث إلى معجم لغوي أو علمي عند الضرورة، ثم يعيده إلى الرف الذي استعاره منه، وإن كان الرف هنا في أدراج الذاكرة وليس في المكتبة. قد يبدو ذلك أقرب للوهلة الأولى، لكنه أبعد في حقيقته، إذ شتان بين أن يكون الإبداع بنفس اللغة التي يعايشها الكاتب يوميا ويتحدث بها، وتكون جاهزة على لسانه فورا، وبين لغة غائبة عن الاستخدام يستحضرها ذهنيا عند الحاجة إليها فقط، وعندها قد يُعييه البحث عن بعض المفردات الملائمة، وتشرد من ذهنه بعض المصطلحات والتعبيرات التي قد ينساها لطول غيابه عنها.
إلى جانب حقيقة أخرى، وهي أن العامية التي يتداولها الناس جميعا والأدباء من بينهم هي غبار اللغة،وقشرتها السطحية الخارجية، بينما الفصحى هي جوهر اللغة ومعدنها الأصيل.ومن يمضي معظم وقته مشتغلا بالغبار مبتعدا عن الجوهر، فإن لغته بلا شك ستصبح عرضة لأن يعلق بها هذا الغبار المتطاير من حوله.
كما أن اللغة بطبيعتها كائن حي، يطوره الأدباء والشعراء على وجه الخصوص، بابتكاراتهم وتعبيراتهم المجازية في كل عصر، فإذا توقفت ابتكاراتهم أو نضب معينها في عصر من العصور جمدت اللغة في قوالبها، وبقيت على حالها ولم تساير عصرها. فإذا كان الشعراء يستمدون ما يطورونه ويبتكرونه من مادة اللغة الأصيلة وجوهرها، ويمنحون للألفاظ القديمة مجازات جديدة تناسب كل عصر، وهذا يتطلب منهم أن يتعايشوا يوميا مع اللغة التي بها يبدعون ويطورون،لا أن يزوروها زيارات متقطعة عندما تستدعي الحاجة ذلك، ثم ماذا هم صانعون بغبار اللغة العامية السهل الميسور العالق بأرديتهم وألسنتهم؟
كم تكون الكتابة أيسر صياغة وأكثر سلاسة، لو أن الكاتب العربي يكتب بنفس اللغة التي يتحدث بها، وليس باللغة الغائبة التي يستحضرها عند اللزوم، ثم يستغني عنها متى فرغ من كتابة نصه. ولا أظن أن كتاب اللغات الأخرى يعانون من مثل هذه الظاهرة، وإن وجدت فهي بمقدار أقل وأخف وطأة، والفوارق بين العامية والفصحى عندهم أيسر شأنا مما هي عليه عندنا. وفي اعتقادي أن هذه هي أعقد العقد التي يعاني منها الكُتّاب، وأن كان كثير منهم لا يدركونها، ولا يحسون بوطأتها لاعتيادهم على هذا النمط من التفكير والكتابة، وظنهم أن ذلك من طبيعة الأمور، وما هو كذلك، بل هو أمر مخالف لطبيعة الأشياء.
لغة وسطى:
من المؤكد أن الخروج من هذه الدوامة لا يكون بالانسياق وراء اللغة الحاضرة (العامية) للكتابة الإبداعية، لأنها ستسلك بنا طرائق قددا، حيث لكل ناحية وربما لكل حي في المدينة لهجته الخاصة به، وعندها ستتفرق بنا السبل، ونصبح أسباطا أمما. ومن جانب آخر فإننا لا نستطيع أن نحمل الناس جميعا على تحمل عبء دراسة اللغة الفصحى، وإتقان التحدث بها، بتقعرها وتشددها وصعوبة قواعد نحوها وصرفها، الذي ينفر منه غير أولي الميول والاختصاص.
لكن الحل الأنسب يكمن في تعميم لغة وسطى، هي لغة الإعلام الحالية من صحافة وإذاعة مرئية ومسموعة، ولغة المناهج المدرسية، التي هي لغة فصحى مبسطة ومفهومة لكل عربي حيثما نأت دياره وبعد مسكنه.
وذلك يتطلب عملا دؤوبا يستهدف تعميمها، وتعويد الجميع بدءا من سن الطفولة الأولى، ومنذ طور الأمومة والحضانة، على سماعها والتدرب على النطق والتحدث بها، لتصبح لغة تخاطب ولغة قراءة وكتابة، لتستحق بجدارة أن تسمى اللغة الأم، وينتهي بذلك هذا لانفصام اللغوي لدى أجيالنا القادمة. فلا يعانون ما نعاني من تشتت وبعثرة ذهنية، يحسبها الناس في ظاهرها أمرا هينا وما هو بهين، بل هو معيق ومبطئ للفهم والاستيعاب والتعبير والإبداع في شتى العلوم والآداب.





