مقالات فكرية

نحو كوسمولوجيا جديدة: من حتميّة الآلة إلى احتماليّة الوجود:عماد خالد رحمة – برلين

صورة لرجل يرتدي بدلة رمادية، لديه شعر أبيض ولحية قصيرة، يبتسم وينظر إلى الكاميرا، مع خلفية داكنة ملونة.

لم يعد الكون، في نظر الفكر المعاصر، آلةً ضخمة تعمل وفق تروسٍ صمّاء كما تخيّله ديكارت ولاميتر ونيتن، بل أصبح يُنظر إليه ككائنٍ عضويّ نابضٍ بالحياة، يتنفّس بالتوازن، ويتشكّل وفق منظوماتٍ متداخلةٍ لا يمكن فصل أحدها عن الآخر دون الإخلال بكيان الكلّ. هذه النظرة الجديدة — التي أرسى أسسها العلم الحديث، ولا سيما فيزياء الكوانتم — تمثّل قطيعةً إبستمولوجيّة عميقة مع التصوّر الميكانيكي الذي حكم المخيال العلمي والفلسفي لقرونٍ طويلة.

إنّ الفيزياء الكوانتية، كما يرى هايزنبرغ، لم تكتفِ بنقض الحتميّة النيوتنية، بل زعزعت أساس الفكرة ذاتها التي تربط بين السبب والنتيجة في خطٍّ زمنيٍّ مغلق. فالعالم، وفق هذه الرؤية، ليس مسرحًا لأحداثٍ متتابعة بل شبكة من الاحتمالات، تتبدّل فيها الحالات وتتراقص وفق قانونٍ إحصائيٍّ لا يعرف القطع ولا اليقين، بل يُقيم في الفضاء الفاصل بين الإمكان والوقوع. وما أكّده بوهر في مبدأ التكامل هو أن الطبيعة لا تُفهم من خلال ثنائيّات متعارضة، بل من خلال تفاعل الأضداد: الموجة والجسيم، الذات والموضوع، الرائي والمرئيّ، في نظامٍ ينسج انتظامه الخاص دون حاجةٍ إلى مركزٍ متعالٍ يفرض النظام عليه من الخارج.

هذه الرؤية الكوانتية للعالم، وإن وُلدت في رحم الفيزياء، إلا أنها سرعان ما عبرت حدود المختبر إلى الفكر الفلسفي، فدفعت الفلاسفة إلى إعادة النظر في معنى الكينونة ذاتها. فكما يرى وايتهد في فلسفة “العمليّة”، الكون ليس مجموعة أشياء، بل جملة سيرورات عضوية متناسقة؛ كلّ كيانٍ هو “حدث”، وكلّ حدثٍ هو “تفاعل” يشارك فيه الكلّ في توازنٍ ذاتيٍّ مدهش. ومن هنا فإنّ فهم الجزء لا يكون إلا عبر فهم موقعه في نسيج الكلّ، لأن الجزء لا يملك وجودًا مستقلًّا، بل وجودًا تشاركيًّا، يتحدّد بمدى انفتاحه على غيره.

وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ الفكر الحديث انتقل من أنطولوجيا الجمود إلى أنطولوجيا الحركة، ومن فكرة “الجوهر الثابت” إلى فكرة “العلاقة السارية”، حيث لم يعد الوجود بنيةً مغلقة، بل سيرورةً متدفقة تتشكّل لحظةً بعد لحظة، وفق دينامية متبادلة بين الذات والعالم. وما يعبّر عنه موريس ميرلو-بونتي في فلسفة الإدراك يتقاطع مع ذلك تمامًا: فالعالم ليس موضوعًا أمامنا بل نسيجٌ نحن جزءٌ منه، نرى بقدر ما نشارك، ونعرف بقدر ما ننغمس في التجربة.

ولعل هذا التحوّل في الرؤية الكونية يحمل دلالاتٍ وجودية وإنسانية عميقة. فكما أنّ الجسيم لا يُدرَك بمعزل عن المنظومة الكلّية، كذلك الإنسان لا يمكن فهمه كذاتٍ مغلقةٍ منفصلةٍ عن محيطها الطبيعي والاجتماعي والكوني. إنّ الكينونة الإنسانية نفسها ليست جوهرًا، بل تفاعلاً مستمرًّا بين الداخل والخارج، بين الفكر والعالم. وكما قال إدغار موران، “المعرفة لا تُختزل في التجزئة، بل في القدرة على ربط المعارف ضمن شبكةٍ معقّدةٍ من العلاقات”، فالفكر المعاصر إذًا ليس فكر التبسيط، بل فكر التعقيد الذي يُدرك أنّ الكلّ لا يُختزل في أجزائه، وأن الحقيقة ليست خطًّا مستقيمًا بل نسيجًا من الاحتمالات والتفاعلات.

إنّ هذا التحوّل من “السببية الحتمية” إلى “الاحتمالية الإحصائية” لا يُعدّ مجرّد تطوّرٍ علمي، بل هو ثورة في الوعي الإنساني، ثورة تفتح أمام الفكر أفقًا جديدًا للتواضع، لأن العالم لم يعد قابلاً للامتلاك، بل للفهم النسبيّ المتحوّل. فالعقل لم يعد سيّد الكون بل شريكَه في التجربة، واليقين لم يعد غايةَ المعرفة بل إحدى محطّاتها المؤقتة في دربٍ لا نهاية له.

وهكذا تتجلّى الفلسفة الجديدة للكون بوصفها دعوةً إلى المصالحة بين العلم والشعر، بين الدقّة والدهشة، بين الفهم والسيولة. فالوجود، كما يقول هايدغر، ليس معطىً جاهزًا بل “حدث انكشاف”، وكلّ فهمٍ له هو انفتاحٌ جديد على مجاله اللامتناهي.

في ضوء هذه الرؤية، يصبح الكون ليس مجموعة قوانين جامدة، بل كيمياء من العلاقات، لا يُفهم فيها شيءٌ إلا بما يحيط به. فالعلم الحديث أعاد إلينا ما فقدناه منذ قرون: الإحساس بوحدة الكينونة، وتلك الوحدة هي التي تمنح الوجود معناه، والإنسان مسؤوليته، والحياة إشراقها الذي لا يُحدّ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading