نحن بانتظارك/أمين الساطي

كعادته كل صباح، وقبل أن يفتح عينيه تماماً، يمد يده في العتمة إلى الموبايل ، يلغي وضع الصامت ويحدق في الآيفون،
الشاشة تضيء وجهه بضوء أبيض بارد.
رسائل متأخرة، مجموعات عمل، نكات. وبينها رسالة واحدة بلا اسم، بلا صورة، بلا رقم. فراغ أبيض كُتب فيه:
“لا تخف. نحن بانتظارك.”
ابتسم رغماً عنه. مزحة. حتماً أحد الأصدقاء اخترق الواتساب. حاول أن يرد، لكن خانة الرد لم تكن موجودة. وقبل أن يلتقط سكرين شوت، اهتزت الرسالة. الحروف تفككت كأنها رماد واختفت. لا أثر لها في السجل.
انشغل في العمل ونسي.
في اليوم الثاني، الساعة 5:17 فجراً. استيقظ قبل المنبه. الهاتف كان ساخناً في كأنه كان يعمل طوال الليل. نفس الفراغ الأبيض، نفس الجملة:
“لا تخف. نحن بانتظارك.”
هذه المرة سمع صوت الإشعار من داخل أذنه، لا من السماعة. حاول أن يحذف المحادثة، لكن المحادثة حذفته. اختفت من تلقاء نفسها مرة أخرى، وتركت خلفها رائحة خفيفة تشبه رائحة البلاستيك المحترق.
أقنع نفسه أننا في عصر الاختراق. ذهب في طريقه للعمل واشترى شريحة جديدة مسبقة الدفع، رقم جديد، هاتف جديد حتى. كسر الشريحة القديمة ورماها في حاوية قمامة.
لم ينم تلك الليلة. كان يضع الهاتف الجديد في غرفة أخرى ويسمعه يهتز في رأسه.
في الصباح الثالث، فتح الهاتف الجديد. الشاشة سوداء لدقيقة أطول من المعتاد، ثم ظهر انعكاسه، وخلف كتفه مباشرة، ظل لشخصين لا يعرفهما. اختفى الانعكاس، وظهرت الرسالة:
“لا تستطيع الهروب مهما فعلت. نحن بانتظارك منذ سبع سنوات.”
صرخ واتصل بشركة الاتصالات. بعد التدقيق قال له الموظف ببرود: “سجلك نظيف. لم تصلك أي رسالة غريبة خلال الأسبوع. أنت لم تتلق أي شيء.”
بدأ يحفر في ذاكرته. سبع سنوات. السنة الثالثة في كلية التجارة. كان من الأوائل، أموره المادية ممتازة، وكان على علاقة بناديا. وعدها بالزواج. أهله رفضوا هذه الزيجة . ثم… فراغ.
شهرين كاملين محذوفين من ذاكرته قضاهما في مستشفى الأمراض العصبية بعدما تركته ناديا. لا يتذكر لماذا.
في تلك الليلة نام بعمق لأول مرة، كأنهم سمحوا له.
صباح اليوم الرابع، لم يرن المنبه.
استيقظ على صمت ثقيل. تناول الهاتف. رسالة صوتية هذه المرة، مدتها 9 ثوان، بلا رقم. ضغط تشغيل.
كان صوت طفلة صغيرة تضحك، ثم صوت ناديا الذي نسيه تماماً يقول بوضوح مرعب:
“الآن حان وقت الانتقام.”
تذكر فجأة. ناديا لم تتركه. هي انتحرت. كانت حاملاً في الشهر الثاني ولم يخبره أحد.
في طريقه للعمل وهو لم ينم لدقيقة، واحدة طوال تلك الليلة. محطّم، كئيب، يقود ويده ترتجف، وصلته رسالة نصية أخيرة. لم يرد أن ينظر، لكن أصابعه تحركت وحدها:
“بينما أنت تقرأ هذه الرسالة، أنت في طريقك إلينا. نحن في انتظارك.
رفع رأسه.
الإشارة حمراء.
أمامه مباشرة شاحنة متوقفة تحمل قضبان فولاذية طويلة للخرسانة المسلحة، بارزة من مؤخرتها مثل الرماح، على مستوى زجاج سيارته تماماً. الشاحنة بلا سائق. بلا لوحة.
ضغط الفرامل بكل قوته. لم يسمع صوت الكوابح.
سمع فقط صوت إشعار واتساب أخير يخرج من سماعات السيارة نفسها.




قصّة مشوّقة من من واقع هذا الزمن. الشكر للكاتب