التجديد بين الإبداع والهدم:الذكاء الاصطناعي والتراث الإنساني/ياسين احمد خلف

في الحياة، ثمة حقائق لا تتغير بتغير الأزمنة؛ فالخير يقابله الشر، والصدق يقابله الكذب، والعدل يقابله الظلم. وفي الطبيعة أفعال وردود أفعال، ولكل فعل أثر قد يتجاوز ما توقعه صاحبه.
لكن الحياة لا تستقيم من دون التجديد، والتجديد لا يكون نافعًا ما لم نفهم ما نريد تغييره، ولماذا نريد تغييره، وما الذي ينبغي أن نحافظ عليه.
أتذكر معلمًا في المرحلة الابتدائية كان يستمد دروسه من الحياة. قال لنا ذات يوم: يا أبنائي، إذا أردتم عبور نهر، فانظروا أولًا إلى قوة الماء، وقدّروا قدرتكم على السباحة، ثم اختاروا الطريقة المناسبة للعبور. لا تقفزوا إلى الماء بثيابكم وكأنكم لا تعرفون ما ينتظركم!
كانت نصيحة بسيطة، لكنها تختصر حكمة كبيرة: قبل أن تخوض تجربة جديدة، افهم طبيعتها، واعرف إمكاناتك، وقدّر عواقب ما تفعل.
واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد فتح الذكاء الاصطناعي أمام الإنسان أبوابًا واسعة للإبداع والتجريب، وأتاح إمكانات لم تكن متاحة من قبل. غير أن هذه الإمكانات، شأنها شأن سائر أدوات البشر، يمكن أن تُستخدم للبناء، كما يمكن أن تُستخدم في تغيير أشياء لم نفهم قيمتها بعد.
ومن هنا، يبرز سؤال يستحق التأمل: ما الذي يحدث عندما تمتد هذه التقنية إلى تراثنا الفني، ولا سيما الشعر والموسيقى والأغنية؟
التراث ليس مجرد كلمات قديمة أو ألحان محفوظة في التسجيلات؛ إنه جزء من الذاكرة الإنسانية، وشاهد على حياة الشعوب وثقافاتها ووجدانها. وقد حمله إلينا شعراء وملحنون ومطربون، عاشوا زمانه، وعرفوا لغته وإيقاعه ومناسباته، وتركوا لنا أعمالًا أصبحت جزءًا من هويتنا الثقافية.
لا أحد يعترض على استخدام التقنية لتحسين تسجيل قديم، أو تنقية صوت، أو معالجة خلل فني، أو تقديم توزيع موسيقي جديد يحترم جوهر العمل. بل إن هذه الاستخدامات قد تسهم في إنقاذ أعمال مهددة بالضياع، وإيصالها إلى أجيال لم تتح لها فرصة الاستماع إليها.
لكن المسألة تختلف حين تتحول الرغبة في التطوير إلى تغيير الكلمات والألحان والأصوات وملامح الأداء، حتى يفقد العمل ما كان يميزه، ثم يُقدَّم هذا التغيير على أنه تجديد للتراث.
وهنا نسأل: ما قيمة التجديد إذا فقدت الكلمات معناها، أو أصبحت الألفاظ غامضة لا تستقيم في اللغة، أو تبدّل اللحن حتى غابت هويته، أو استُبدل الإحساس الذي حملته الأغنية بإحساس آخر لا يمت إليها بصلة؟
هل يكفي أن يكون الناتج جديدًا حتى يكون إبداعًا؟
إن سهولة إنتاج العمل لا تعني بالضرورة جودته، كما أن الإبهار التقني لا يعوّض ضعف المعنى. فالفن ليس أصواتًا متجاورة فحسب، والشعر ليس كلمات تُرتَّب كيفما اتفق؛ إنهما معرفة وإحساس وذائقة وتجربة إنسانية.
ومن يريد أن يجدد في الشعر، عليه أن يفهم الشعر. ومن يريد أن يجدد في الموسيقى، عليه أن يعرف أصولها ومساراتها. ومن يتعامل مع الغناء والتراث، عليه أن يدرك أن للكلمة لحنًا، وللحن ذاكرة، وللصوت شخصية، وللأداء روحًا لا تختصرها نقاوة التسجيل ولا وفرة المؤثرات.
ليس المطلوب أن نكون أسرى الماضي، ولا أن نغلق أبوابنا أمام المستقبل. فالفنون الحية تتطور، والأجيال الجديدة من حقها أن تعبّر عن نفسها بلغتها وأدواتها. لكن التجديد الواعي يبدأ من المعرفة، ويحترم الأصل، ويضيف إليه بدل أن يمحو ملامحه.
ولعل الحل بسيط: إذا أردنا تحسين عمل تراثي، فلنحافظ على أصله ونطوّر ما يحتاج إلى التطوير. وإذا أردنا تغيير جوهره، فلنقدّم الناتج بوصفه عملًا جديدًا مستلهمًا من التراث، لا بديلًا يمحو صورته الأصلية.
فالتراث لا يحتاج إلى أن نحبسه في الماضي، كما لا يحتاج إلى أن نغيّره كي نثبت أننا نعيش في الحاضر. إنه يحتاج إلى من يفهمه، ويحفظه، ويقدّمه للأجيال المقبلة بأمانة، ويمنح المبدعين في الوقت نفسه حرية الابتكار.
إن الذكاء الاصطناعي فرصة عظيمة حين يقوده عقل يعرف، وذائقة تميّز، وضمير يحترم ما بين يديه. أما حين تتحول القدرة على التغيير إلى غاية في ذاتها، فقد نجد أنفسنا نهدم ما لا نعرف قيمته، ثم نحتفل بما أنتجناه فوق أنقاضه.
أبدعوا، وابدؤوا من جديد، وافتحوا أبوابًا لم تُفتح من قبل. لكن لا تهدموا الأصيل لتثبتوا قدرتكم على صناعة البديل.
التراث لا يلغي حقوق أصحابه
وثمة قضية أخرى لا تقل أهمية عن تغيير جوهر الأعمال التراثية، وهي إغفال أسماء الذين أبدعوها.
فحين نعيد تقديم أغنية، ونتجاهل اسم مؤلف كلماتها وملحنها ومغنيها، ثم نضعها تحت عنوان (من التراث)، فإننا نختزل جهد أفراد وتجاربهم الفنية في تسمية عامة، وكأن العمل ظهر من تلقاء نفسه، من دون عقل أبدع، أو قلب أحسّ، أو صوت منحه الحياة.
إن احترام التراث يبدأ باحترام الذين صنعوه. وإذا كانت بعض الأعمال مجهولة المصدر، فإن الأمانة تقتضي الإشارة إلى ذلك، لا أن نجعل عبارة (من التراث) غطاءً يحجب أسماء المبدعين المعروفين.
فالتجديد لا يمنحنا حق محو الأصل، والتقنية لا تمنحنا حق الاستيلاء على جهود الآخرين أو إغفال فضلهم. ومن حق المبدع الجديد أن يُذكر اسمه على ما أضافه، كما أن من حق المبدع الأصلي أن يُحفظ اسمه على ما أنجزه.
إن حفظ التراث ليس حفظ الكلمات والألحان وحدها؛ إنه أيضًا حفظ ذاكرة المبدعين وحقوقهم في أن يُنسب إليهم ما صنعوه ،
أكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب



