مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه✍حامد الضبياني

ليس أكثر قسوةً من أن يتحول الإنسان، في آخر العمر، إلى جسدٍ يبحث عن مكانٍ يضع فيه تعبه، فلا يجد سوى عربةٍ صدئة تتكئ على رصيفٍ بارد، بينما الأرض التي يحمل جنسيتها تغفو فوق بحارٍ من النفط، وجبالٍ من الذهب الأسود، وثرواتٍ تكفي لأن تُشبع أممًا بأكملها. لكن المفارقة التي لا يستطيع العقل أن يغفرها، أن الجوع لم يكن يومًا ابن الفقر، بل ابن السرقة، وأن البؤس لم يكن قضاءً سماويًا، بل قرارًا أرضيًا اتخذه الذين جعلوا من الوطن غنيمة، ومن الشعب حطامًا يُترك على الأرصفة.هذه الصورة ليست لرجلٍ نام من شدة التعب… إنها آخر صفحة في كتاب وطنٍ أنهكه الفساد، حتى صار أبناؤه يموتون على قارعة الطريق، فيما تُحصى المليارات في حسابات الذين أقسموا يومًا أنهم سيخدمون الناس، فإذا بهم يخدمون جشعهم وحده.هذا الشيخ لم يكن مجرد رجلٍ فقير، بل كان وطنًا كاملًا يلفظ أنفاسه الأخيرة. كانت تجاعيد وجهه خرائط لأعوامٍ طويلة من الكدح، وكانت يداه اللتان ارتجفتا من التعب قد حملتا من أثقال الحياة ما يكفي لأن تنحني لهما الجبال. لكنه حين بلغ العمر الذي يحتاج فيه إلى من يسنده، وجد نفسه يسند رأسه إلى خشب عربةٍ متهالكة، وكأن الدنيا كلها ضاقت حتى لم يبق له فيها سوى هذا الركن المنسي.كم هو موجع أن يشيخ الإنسان في وطنٍ غني، ثم يموت فقيرًا. وكم هو مخزٍ أن تتحول الثروة إلى لعنةٍ على أصحابها الحقيقيين، بينما تصبح نعمةً لأولئك الذين لم يعرفوا للوطن إلا طريق خزائنه. إن المأساة هنا ليست في موت رجل، بل في موت المعنى كله؛ في وطنٍ صار النفط فيه أغلى من الإنسان، وصارت المناصب أكرم من الكرامة، وصارت الخزائن الممتلئة أكثر قداسةً من البطون الخاوية.كلما نظرت إلى هذا المشهد، شعرت أن العربة لم تكن وسيلةً لجمع الرزق، بل كانت سفينةً صغيرة تحمل شيخًا عبر بحرٍ طويل من الخذلان. لم يكن يجرها بيديه فحسب، بل كان يجر خلفها سنوات الحرمان، وانكسارات العمر، وخيبات وطنٍ وعد أبناءه بالحياة، ثم تركهم يتساقطون واحدًا بعد آخر.أي فلسفةٍ هذه التي تجعل من سرق المليارات يعيش خلف الأسوار العالية، تحرسه المواكب، بينما من أفنى عمره في لقمةٍ شريفة يبحث عن ظل بابٍ لينام تحته؟ وأي عدالةٍ تلك التي تجعل الشيخوخة جريمةً يدفع ثمنها الفقراء وحدهم؟ حتى الموت نفسه بدا وكأنه أكثر رحمةً من حياةٍ استمرت تعذب هذا الرجل يومًا بعد يوم.لقد سرقوا منه كل شيء. لم يسرقوا راتبه، ولا قوت يومه فقط، بل سرقوا شبابه حين جعلوه يطارد الرغيف، وسرقوا كهولته حين تركوه يصارع الحاجة، وسرقوا شيخوخته حين لم يجد فيها فراشًا يليق بإنسان، ثم سرقوا آخر ما تبقى له… حقه في أن يرحل بكرامة.كان يرفع رأسه نحو السماء، لا لأن السماء أقرب، بل لأن الأرض ابتعدت كثيرًا عنه. كأن عينيه كانتا تقولان إن أبواب البشر أُغلقت جميعها، ولم يبق سوى باب الله مفتوحًا. فحين يفقد الإنسان وطنه وهو ما يزال يعيش فيه، يصبح الدعاء وطنه الأخير.والأشد وجعًا أن الناس اعتادوا هذا المشهد. مرّوا بجانبه كما تمر السيارات بجانب شجرةٍ يابسة، وكأن الفقر أصبح منظرًا يوميًا لا يستحق الالتفات. وهذه هي الجريمة الأكبر؛ حين يتحول الألم إلى عادة، ويتحول الإنسان إلى رقم، ويصبح موت الفقير خبرًا عابرًا لا يهز ضميرًا ولا يوقظ مسؤولًا.ثم رحل…رحل بصمتٍ كما يرحل الفقراء دائمًا. لم تتوقف من أجله نشرات الأخبار، ولم تُنكس الأعلام، ولم يُعلن الحداد، ولم يسأل الذين ملأوا خزائنهم من أموال هذا الشعب: كم واحدًا مثل هذا الشيخ مات لأننا سرقنا حقه في الحياة؟
لم يمت لأنه تعب من العمر فقط، بل مات لأن وطنًا كاملًا تأخر في إنقاذه حتى سبق الموتُ الجميع إليه. مات بعدما نام طويلًا على أرصفة الحياة، ولم يجد في بلدٍ يمتلك من الثروات ما يكفي لإسعاد شعوبٍ بأكملها سريرًا يحفظ كرامته، أو بيتًا يقيه برد الشيخوخة، أو دواءً يؤجل رحيله أيامًا قليلة.رحمك الله أيها الشيخ… لم تكن فقيرًا لأن الله كتب عليك الفقر، بل لأن أيدي اللصوص كانت أسرع من العدالة، وأقوى من القانون، وأكثر حضورًا من الضمير. لقد أخذوا لأنفسهم كل شيء، وتركوا لك الجوع، والتعب، والعربة الصدئة، والرصيف، ثم تركوا للموت أن يُكمل ما بدأوه.واليوم، وأنت تحت ترابٍ أرحم من قلوبٍ كثيرة، لم تعد تحتاج إلى وطنٍ يعتذر لك، لأن الاعتذار بعد الموت لا يعيد عمرًا ضاع، ولا يمسح دمعةً سالت، ولا يوقظ قلبًا توقف وهو ينتظر رحمةً لم تأتِ.سيبقى وجهك شاهدًا على زمنٍ اختلطت ، لا بالحبر، بل بدموع المظلومين: هنا رحل رجلٌ بسيط، كان يستحق بيتًا لا عربة، وسريرًا لا رصيفًا، وحياةً لا تنتهي بهذه القسوة. لكنه عاش في وطنٍ سرق فيه الفاسدون الخبز من أفواه الفقراء، حتى أصبح الموت أكرم من حياةٍ تُدار بأيدي السارقين. عرض أقل





