الاقتصاد السياسي والمرجعية الدينية: أسئلة المستقبل في زمن التحولات الكبرى – د.عبدالسلام فزازي-المغرب

مما لا جدال فيه اليوم قبل غد أنه لم يعد الحديث عن الاقتصاد السياسي مجرد نقاش تقني يتعلق بالأرقام والبورصات وأسعار العملات، بل تحول إلى سؤال حضاري عميق يرتبط بمصير الإنسان ذاته، وبقدرة المجتمعات على بناء توازن أخلاقي يحميها من التوحش المادي الذي يهدد العالم المعاصر. وفي خضم هذا التحول المتسارع، تعود المرجعية الدينية إلى الواجهة بوصفها إطارا قيميا يحاول إعادة تعريف العلاقة بين المال والإنسان، وبين السوق والضمير، وبين التنمية والعدالة الاجتماعية.
لقد استطاعت العولمة الاقتصادية أن تفرض نموذجا شديد القسوة، يقوم على تقديس الربح ولو على حساب الإنسان، حتى أصبحت الشعوب الضعيفة مجرد أرقام في تقارير المؤسسات المالية الكبرى، وأصبح الفقر قدرا جماعيا في مناطق واسعة من العالم، مقابل تراكم الثروة بشكل غير مسبوق لدى أقلية محدودة تتحكم في مصير الاقتصاد الدولي. هنا يبرز السؤال الكبير: هل يمكن للاقتصاد السياسي أن يستمر دون سند أخلاقي وروحي؟ أم أن البشرية مقبلة على مرحلة تعيد فيها الاعتبار للمرجعيات الدينية باعتبارها قوة ضابطة لجشع السوق؟
إن المرجعية الدينية، في بعدها الإنساني العميق، لا تعادي الاقتصاد ولا ترفض الثروة، لكنها ترفض أن يتحول الإنسان إلى سلعة، وأن تتحول الحياة إلى حلبة صراع بلا رحمة. فالدين، حين يكون حاضرا بوعي حضاري، يدعو إلى العدالة، وإلى تكافؤ الفرص، وإلى حماية الفقراء، وإلى ربط الحرية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية. ولذلك ظل سؤال الأخلاق الاقتصادية مطروحا بقوة داخل الفكر الديني عبر التاريخ، لأن المجتمعات التي تفقد بعدها القيمي تصبح مهددة بالانهيار مهما امتلكت من قوة مالية.
وفي العالم العربي والإسلامي، يبدو النقاش أكثر تعقيدا، لأن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والدين ظلت دائما محكومة بالتوترات الإيديولوجية. فهناك من يريد اقتصادا بلا روح، يذيب المجتمعات في النموذج الاستهلاكي العالمي، وهناك من يتعامل مع المرجعية الدينية بمنطق شعاراتي عاجز عن إنتاج حلول واقعية لمشكلات البطالة والفقر والتنمية. وبين الاتجاهين تضيع الحاجة إلى مشروع حضاري متوازن، قادر على الجمع بين روح العصر ومتطلبات العدالة الأخلاقية.
إن الأسئلة المستقبلية التي يفرضها الاقتصاد السياسي اليوم لم تعد بسيطة. كيف يمكن بناء نموذج تنموي يحافظ على كرامة الإنسان؟ وكيف يمكن مواجهة الفوارق الطبقية المتزايدة؟ وهل تستطيع المرجعيات الدينية أن تقدم تصورا اقتصاديا حديثا يواكب الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتحولات المناخية؟ ثم كيف يمكن حماية المجتمعات من هيمنة الشركات العملاقة التي أصبحت تمتلك سلطة تتجاوز أحيانا سلطة الدول نفسها؟
لقد كشفت الأزمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة أن السوق وحدها ليست قادرة على إنقاذ البشرية، وأن الإنسان يحتاج دائما إلى منظومة قيم تمنحه الإحساس بالمعنى والعدالة. فحين تتحول التنمية إلى سباق استهلاكي محموم، يفقد الاقتصاد روحه، ويتحول التقدم التقني إلى أداة لإنتاج مزيد من العزلة والخوف والتفاوت الاجتماعي.
إن المستقبل لن يكون فقط لمن يمتلك القوة الاقتصادية، بل لمن ينجح في بناء توازن جديد بين المادة والروح، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الاقتصاد والأخلاق. ولذلك فإن النقاش حول المرجعية الدينية داخل الاقتصاد السياسي ليس ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية تفرضها التحولات العميقة التي يعيشها العالم.
وعطفا عليه، نخلص وبكل تأكيد في النهاية، يبدو أن البشرية تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي متوحش يلتهم الإنسان باسم الربح، وإما البحث عن أفق جديد يعيد الاعتبار للقيم الروحية والإنسانية باعتبارها شرطا لبقاء الحضارة نفسها. فالأمم لا تسقط فقط حين تفلس ماليا، بل تسقط أيضا حين تفقد معناها الأخلاقي والإنساني.





