حين يتحول المنبر إلى صدى باهت: أزمة الخطاب الديني بين ضيق التكوين وتحولات الواقع…! الدكتور عبدالسلام فزازي..المغرب

لم يعد السؤال اليوم متعلقا بوجود الخطاب الديني في المجتمع، بل بقدرته على مواكبة الإنسان وهو يواجه عالما يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالمجتمعات تتحول، والوعي الجماعي يعيد تشكيل نفسه، والإنسان المعاصر صار يعيش وسط ثورة رقمية ومعرفية وثقافية هائلة، بينما ما يزال جزء من الخطاب الديني، في بعض المساجد والمنابر، أسير لغة قديمة، وتصورات جامدة، وأسلوب تلقيني يكرر نفسه حتى فقد كثيرا من أثره الروحي والفكري.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الدين ذاته، فالدين الإسلامي يمتلك من العمق والمرونة ما يجعله قادرا على ملامسة كل الأزمنة، وإنما تكمن في بعض من تصدروا مهمة تبليغه دون أن يطوروا أدواتهم الفكرية والمعرفية والإنسانية. وهنا يظهر الخلل الكبير: حين يتحول الإمام أو الخطيب إلى مجرد ناقل محفوظات، يكرر ما سمعه دون مساءلة أو اجتهاد أو وعي بمتغيرات المجتمع، يصبح المنبر عاجزا عن أداء رسالته الحضارية.
لقد أصبح واضحا أن بعض الخطباء يعيشون انفصالا شبه كامل عن الواقع اليومي للناس. فهم يتحدثون بلغة لا تشبه معاناة الشباب، ولا تلامس قلق الأسرة، ولا تفهم التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان المعاصر. ولذلك صار كثير من الشباب يبحث عن أجوبة خارج المسجد، أحيانا في فضاءات رقمية خطيرة، أو عند خطابات متطرفة، أو داخل تيارات عبثية تستغل الفراغ الروحي والفكري الذي تركه الخطاب التقليدي.
إن التكوين الضيق الذي يختزل الدين في الحفظ والتكرار دون الانفتاح على علوم الاجتماع والنفس والفلسفة والتاريخ ووسائل التواصل الحديثة، ينتج خطيبا ببغائيا يردد النصوص دون إدراك لسياقاتها الإنسانية والحضارية. وهذا النوع من الخطاب لا يصنع وعيا، بل يعمق الهوة بين المؤسسة الدينية والواقع. فالإمام الذي لا يقرأ التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، ولا يفهم لغة العصر، ولا يدرك طبيعة الأسئلة الجديدة، يتحول دون قصد إلى كائن معزول داخل زمن لم يعد قائما.
والمؤلم أكثر أن بعض المنابر أصبحت تكرر خطاب التخويف والتضييق والتحريم المبالغ فيه، بينما يحتاج الإنسان المعاصر إلى خطاب يزرع الأمل، ويعيد الثقة، ويقرب الدين من الحياة لا أن يجعله عبئا نفسيا. فالدين في جوهره مشروع بناء إنساني وأخلاقي وروحي، وليس مجرد قائمة طويلة من الممنوعات أو خطب صوتية خالية من الحس الإنساني.
لقد تغيرت صورة العالم بشكل جذري. الذكاء الاصطناعي، والثقافة الرقمية، وتحولات الأسرة، وتبدل القيم، والانفتاح الإعلامي، كلها قضايا تفرض على الخطاب الديني أن يعيد صياغة نفسه بلغة جديدة دون أن يفقد ثوابته. فلا يمكن لخطيب يجهل طبيعة العصر الرقمي أن يخاطب جيلا يعيش داخل الهاتف أكثر مما يعيش في الشارع. كما لا يمكن لمن لم يلامس العلوم الإنسانية أن يفهم تعقيد الإنسان الحديث وأسئلته الوجودية والنفسية.
إن تجديد الخطاب الديني لا يعني أبدا التمرد على النصوص أو التفريط في الثوابت، كما يروج البعض، بل يعني تحرير العقل الديني من الكسل الفكري، ومن القراءة الأحادية المغلقة، ومن تقديس التكرار. فالإسلام عبر تاريخه كان دينا منتجا للحضارة والعلم والفلسفة والفنون، ولم يكن يوما سجنا للعقل أو الحياة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في تكوين الأئمة والخطباء، ليس فقط من الناحية الفقهية، بل من حيث بناء شخصية المثقف الواعي القادر على فهم المجتمع والتفاعل معه. فالإمام الحقيقي اليوم يجب أن يكون قارئا للواقع كما هو قارئ للنص، مدركا لتحولات الإنسان، قادرا على الحوار، وعلى استيعاب الاختلاف، وعلى تقديم الدين باعتباره قوة أخلاقية وروحية تساهم في بناء الإنسان لا في تخويفه.
إن المنبر الذي لا يتطور يفقد تأثيره تدريجيا، لأن الوعي الإنساني لا ينتظر أحدا. وحين تتأخر المؤسسة الدينية عن مواكبة التحولات، تترك المجال مفتوحا أمام الفوضى الفكرية والتطرف والتشكيك والاغتراب الروحي. لذلك فإن معركة تجديد الخطاب ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية لحماية التوازن الروحي والثقافي للمجتمع.
وفي النهاية، يبقى السؤال المؤلم قائما: كيف يمكن لمن لم يطور وعيه وأدواته أن يقود وعيا مجتمعيا متجددا؟ وكيف لمن يعيش داخل قوقعة التكرار أن يخاطب إنسانا يعيش في قلب عاصفة معرفية كبرى؟ هنا تحديدا تبدأ الحاجة إلى ثورة هادئة داخل الخطاب الديني، ثورة تعيد للمنبر رسالته التنويرية والإنسانية، وتجعله فضاء للفهم والحياة، لا مجرد صدى باهت لخطابات فقدت قدرتها على الإقناع والتأثير.





