رحلت أمّنا زهرة، لكنّها لم ترحل تماما – د.عبدالسلام فزازي- أغادير الحزينة عبر التيليباتيا

لماذا رباه تسافرون وترحلون تباعا؟
هكذا غادرت خالتي زهرة الجسد المتعب من أعباء العمر، وبقيت روحها معلّقة في تفاصيل البيت، في رائحة الخبز، في صوت الدعاء عند الفجر، وفي تلك الزوايا التي كانت تمنحها دفئا من قلبها قبل يديها.
حين تموت الأم، لا ينكسر فرد فقط، بل ينكسر زمن كامل كان يحمينا من قسوة العالم.
كانت زهرة امرأة تشبه اسمها؛ هادئة كنسمة ربيع، لكنها قوية كجذور شجرة عتيقة لا تسقطها الرياح.
عرفت كيف تخفي دموعها كي لا تزرع الحزن في قلوب أبنائها، وكيف تحوّل تعبها اليومي إلى ابتسامة صغيرة تجعل البيت أكثر احتمالا للحياة.
لم تكن تملك قصورا ولا ثروات، لكنها كانت تملك شيئا أعظم: قلبا يتّسع للجميع.
منذ رحيلها، صار الصباح ناقصا، وصار المساء أكثر وحشة.
حتى الأشياء البسيطة فقدت معناها؛ الكرسي الذي كانت تجلس عليه صار صامتا، والأبواب التي كانت تفتحها بحنان أصبحت موصدة بالحزن، وكأن البيت نفسه دخل حدادا طويلا لا يعرف متى ينتهي.
نبكيك يا أمّنا زهرة لأنك كنت الوطن حين تضيق بنا المنافي، والظل حين تحرقنا شمس الحياة، والصوت الذي يطمئن أرواحنا كلما خفنا من المجهول.
نبكيك لأن الأم لا تُعوَّض، ولأن الفقد حين يكون في مقام الأم يصبح وجعا مقيما لا يغادر القلب مهما مرّت السنوات.
لقد علّمتنا أن الكرامة ليست كلاما، بل صبر طويل على قسوة الأيام.
وعلّمتنا أن الحب الحقيقي لا يحتاج ضجيجا، بل يحتاج قلبا صادقا يهب نفسه بصمت.
كنتِ تصلحين انكساراتنا الخفية دون أن نطلب منك، وتجمعين شتاتنا كلما بعثرتنا الحياة.
اليوم، نقف أمام ذكراك عاجزين عن إيقاف هذا الحنين الثقيل.
نبحث عنك في الصور القديمة، في الدعوات التي كنت ترددينها، وفي ملامحنا التي ما زالت تحمل بعضا منك.
وكلما حاولنا التماسك، يعود صوتك إلينا فننهار من جديد، لأن الأم حين ترحل تأخذ معها جزءا من أرواح أبنائها.
رحمك الله يا أمي زهرة، يا من كنت زهرة البيت والقلب والعمر.
نامِي بسلام في رحمة الله الواسعة، واتركي لنا شيئا من دفئك كي نستطيع احتمال هذا الغياب الطويل.
أما نحن، فسنظل نبكيك كلما مرّ طيفك في الذاكرة، وكلما اشتاقت أرواحنا إلى حضن لن يتكرر أبدا.





