النثر الفني

الجمال المفترس – علي نفنوف

بورتريه لرجل مبتسم ذو لحية وشعر رمادي، يرتدي قميص أبيض.

الجمال ليس بريئا.

هو اكثر الكائنات تهذيبا في ممارسة الافتراس.

لا يأتي ليسعدك بل ليوقظ فيك نقصك بأناقة.

كما لو انه الوهم الذي تحدث عنه افلاطون حين جعل الجمال طريقا نحو المثال، ثم تركنا نتعثر في صورته نحب القشرة وننسى الجوهر.

وكما لو ان ارسطو يهمس من بعيد ان التناسق والنظام يفتنان الحواس قبل ان يقنعا العقل.. فننحاز للذة الشكل ونترك جوهر الاكتمال.

لو كان لهذا الوجود عقل ساخر

فلن يخترع الالم اولا

سيخترع الجمال

ثم يتركنا نحترق شوقا لما لا ينال.

سبينوزا كان سيبتسم هنا ويقول ان الجمال ليس في الاشياء  بل في رغبتنا تجاهها واننا نتألم لاننا نربط سعادتنا بما لا نملك ولا نسيطر عليه.

الجمال ليس وعدا

هو مهارة كونية في صناعة الرغبة.

يعطيك الشكل

ويحجب العمق.

يعطيك الضوء

ويتركك اعمى عن الطريق.

نحن لا نحب الجمال

نحب صورتنا فيه.

وحين لا نجدها مكتملة

نبدأ في الانكسار

كما لو ان محمود درويش كان يكتب من داخل هذه المرآة

حيث يصبح الجميل هو ما نخسره

ويصير الفقد جزءا من تعريف الحب نفسه.

كل جمال يحمل خيبته في داخله.

كل فتنة تخفي فراغا.

كل دهشة شكل راق للعجز.

نزار قباني فهم هذا الاغواء جيدا

حين جعل الجمال بابا للرغبة

وجعل الرغبة جرحا مفتوحا

نبتسم له ونحن ننزف.

كأن هناك الها مخادعا

لم يخلق الشر

بل خلق ما يجعلنا نشتاق الى ما يؤلمنا.

زرع فينا الرغبة

وسحب الاكتمال من العالم.

الجمال لا يدمرك مباشرة،

هو اذكى من ذلك.

يجعلك تحب ما لا تستطيع امتلاكه

فتدمر نفسك بنفسك.

نقترب من الجمال فنخسر توازننا

نلمسه فنكتشف هشاشتنا،

نراه كاملا فنرى انفسنا ناقصين.

متى يكون الجمال مفترسا

يكون الجمال مفترسا حين لا يمنحك معنى بل يمنحك رغبة فقط.

حين يجعلك ترى نفسك ناقصا بدل ان ترى العالم اوسع.

حين تتحول الدهشة الى مقارنة،

والاعجاب الى جوع،

والحب الى تعلق بما لا يبادلك الا الغياب.

يكون الجمال مفترسا حين يوقظ فيك وهم الاكتمال

ثم يتركك وحيدا مع نقصك.

حين يريك الصورة ويمنعك عن الجوهر

وحين يغريك بالضوء ويعميك عن الطريق.

يكون الجمال مفترسا حين تحبه لانك تحتاجه لا لانك تفهمه

وحين تبحث فيه عن خلاص شخصي لا عن معنى انساني.

وحين تظن ان امتلاكه سيكملك

بينما هو لا يفعل سوى ان يعرّفك على هشاشتك.

الجمال لا يفترسنا بقوته،

بل برقتِه.

لا يهزمنا بعنف

بل يجعلنا ندخل الفخ مبتسمين.

الجمال المفترس

ليس ما يخيفك

بل ما يجعلك تبتسم

وانت تفقد شيئا منك دون ان تدري.

هو الفخ الوحيد

الذي ندخله طوعا

ونسميه

دهشة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading