القصة القصيرة

قصص قصيرة جداً – حسين بن قرين درمشاكي

رجل ذو لحية رمادية يجلس متكئًا على يده، وكان يبدو في حالة تفكير. تظهر خلفه شاشة كمبيوتر.

ميزان الرَّمْل

عَلى كُرسيِّه الوَثير، يرمّمُ وجْهَه أمام مرآةٍ شائهة. خلفَه، عباءاتٌ ثقيلةٌ تشدُّ خُيوطاً غيرَ مرئيةٍ؛ كلّما تقدّمَ خُطوةً، سحبَه الظلُّ أميالاً. عَلى الطاولة، خريطةٌ تنزفُ زيتاً. ثُقوبُ المَنافذ يبتلعُها صَمتُ الفتاوى. يفتحُ الدرْجَ. لا خاتمَ سيادةٍ. فقط فواتيرُ لبيعِ الأصوات. صورٌ لوجوهٍ أكلَها الانتظارُ. يهمِسُ عابرٌ من الحاشية: تكلمْ بالرَّعْد. الجُمهورُ يَعشقُ الضجيج. مِن خلف الزجاج المصفَّح، يلمحُ طفلاً يبيعُ المناديلَ ليمسحَ دمعةَ الوطن. المالُ السياسيُّ غُبارٌ يطيرُ فوق الأسوار. يمسكُ القلمَ ليوقّعَ قراراً حاسماً. يكتشفُ سرقةَ الحِبْر. الكرسيُّ الذي يرفعُه.. يقفُ بلا قوائمَ فوق فوهةِ بُركان.

سُقوطُ النَّخيت

اعْتلى سُدّة البيان. مُتلفعاً بزهو الأرقام وجبروت الفولاذ. شقَّ بسبّابته عِنان السماء. قذف في وجه المدى: أنا القوة التي لا تُقهر. ضجّت الردهات بالهتاف. خلف الزجاج.. كان خيطُ دخانٍ جنائزيّ ينسلُّ ببرودٍ من رئة الريح. تلك الليلة، لم يئنَّ زنادٌ ولم يزحف جُند. اكتفت الطبيعة بزفيرٍ قارس. ومع أولى وخزات الصقيع، تهاوت أنفةُ الهياكل الصمّاء. تخشبت الأسلاك التي حملت صدى صوته المتغطرس. غرق “الطاغية” في ليلٍ لا قعر له. مَن صدع بحنجرته غبار الأرض، بات يفتش بين ركام الثلج عن ثقابٍ واهن. خيّم الصمتُ الرخاميّ. لم يتبقَّ إلا عويلُ الريح وهي تكنسُ خيلاءَ الحُطام. على زجاج النوافذ المتجمد، نُقِشَت النتيجة: استعرتْ أنفاسُ الطبيعة.. ذبلت حناجرُ الطغاة.

هامش الربح

رائحةُ كافورٍ تنهشُ الستائر. ساعةٌ رقميةٌ تومضُ بالصفر. عزيزٌ يرقبُ صدراً كفَّ عن الصعود. بظفرٍ قسِيّ، كشطَ عن الشفةِ خيطاً بلونِ الصدأ. أودعَ الزجاجَ المكسورَ رحماً مخملياً. رنةُ هاتفٍ وحيدة. سيارةٌ تئنُّ في الزاوية. أصابعُ تعدُّ العتمةَ رزمةً رزمة. تنفجرُ طرقةُ الجيرانِ الأولى. خلفَ الزجاجِ المضبب، كان الحيُّ يقدسُ ظلاً لا ينحني. رجالٌ بقلنسواتٍ بيضاء يمسحون مآقيهم. نساءٌ يضعن الأرغفةَ. وجوهٌ لا تجرؤُ على ملاحقةِ عينِ الصابر. سقطَ الكوبُ. انحنى عزيز خلفَ الستارة. غابَ في ممرٍّ مظلم. تزاحمَ المشيعون. قبّلوا يداً تمسحُ عن كفّها —في السرّ— بقايا الذبح.

جُيُوب

اعتلَى المنصّةَ بحناجرهم. رسمَ فوقَ الصدورِ جِنائنَ. وعدَ بالرغيف. انحنتِ الظهورُ. ارتقى. هتفوا. جفَّتِ العروقُ.. وبكى الخبزُ في أيديهم. خلفَ الستارِ؛ انطفأَ الخطيب. لملمَ وعودَه. حشاها في حقيبةٍ جلدية. قايضَ الدموعَ بسبائك خذلان. استدارَ. اتسعَ جيبُه لبلادٍ كاملة. ضاقتِ الأرضُ بمن فيها.

مضافة الخريف

تسمّرتْ ريشةُ الحبر عند الشطر الأخير؛ البياضُ على الورقةِ يمتدُّ.. كصحراءٍ بلا أثر. خلف الزجاج، انتحرتْ ورقةٌ خضراءُ قبل أوانها.. تماماً كما فعلتْ حين ألقَتْ بخزائنِ دهشتها في حقيبةِ عابرٍ، لا يقرأُ سوى العناوين. بجرةِ قلمٍ مهزومة، مَحَتِ السطر. خلعتْ رداءها المثقوبَ بالخيبات. أسندتْهُ إلى وتدٍ خلف الباب المهجور. رفعتْ كفيها فارغتين إلا من الله. تبخّرَ الحبرُ مع أولِ رشةِ بخور. نبتتْ في التجويفِ المتروكِ بجهةِ اليسار نخلةٌ من طمأنينة. أوصدتْ البابَ خلفها. انتهى الموسمُ الذي كان يُسمّى: انتظاراً.

عطش

وقفَ يحفرُ أرضاً كأنها جمر. غرزَ فسيلةً ذابلة. سكبَ حولها عرقه ودموعه. مرّتِ القوافلُ. سخروا من انحناءةِ ظهره. اشتدّ النَّزعُ بالأرض. جفّتِ المآقي. انشقّتِ التربةُ عن ساقٍ خضراء. استحالَ جذعاً يابساً، يُظلّلُ بؤبؤَ الثمر.

تـرمـيـد

طلى شقوقَ القبوِ بالشمع. علَّق فوق القفل لافتة: هنا ينام الأمان. وزّع على الزوار “سكاكر الصمت”. خلف الجدران، استحال البنزينُ وحشاً يتربصُ بالهواء. بشهقةِ ريح، سقط القفلُ العجوز. لم يخرج الأمان. استيقظ التاريخُ ليلتهم الحاضرَ بلسانٍ من لهب. التفت الشعبُ خلفه.. وجد رماداً كان يُدعى استقراراً.

تسرُّب

تَحسَّسَ وجهَه. لم يجدِ الفتى الذي نامَ قبل غفوة. ذُعِر. جَسَّ جيبَ معطفِهِ المخروم. لم يلقَ الموعدَ ولا قصيدةَ الأمس. التفتَ وراءه؛ عُمرٌ ينسلُّ كملحٍ خانتْهُ فوهةُ الساعة. هرعَ ليرتقَ الخرقَ. غرزتِ الإبرةُ في الهواء. انزلقتْ أصابعُهُ من ثقبِ الأيام.

حَيّزُ الثِّياب

تَصاعدَ الدخانُ الكثيف. حجبَ الوجوهَ المرتجفة. استوطنتْ رائحةُ “الجاوي” الصدور. على طاولته الخشبية، بَسَطَ العرّافُ ورقةً بيضاء. غمسَ ريشتهُ في المدادِ السري. خطَّ طلاسمه بلهفةِ العائدين من الموت. التفَّتِ العائلةُ حولَ البياض. العيونُ مصلوبةٌ على الحبرِ الشفاف. انقشعَ البخورُ. وجدوا الورقةَ ما تزالُ ناصعة. اختفى العرّافُ.. تاركاً خلفه ثيابَهُ فارغة، ورسالةً طفت فجأةً في قاعِ الدواة: الرسائلُ التي لا تُقرأ، هي الوحيدةُ التي وصلتْ إلى وجهتها.

أرغفةُ النُّحاس

افترشَ الرصيفَ، حاملاً عرقَ يومِهِ في بضعةِ أرغفة. أطلّتِ البدلةُ الرسمية. لمعَ المعدنُ على الكتف. انغرستِ الرُّتبةُ في الخبز. صودِرَ القوتُ. في المساء.. عاد الشرطيُّ إلى بيته. قبّل أطفاله. وضع على مائدتهم أرغفةً.. يقطرُ منها وجعُ الرصيف.

خَلْعُ الظِّل

غابةٌ من انتظاراتٍ مدببة.. بلا شجر. مَشطتُ عُرفَ المجهول بأظافرِ ريحي. الليلُ وحشٌ يغطُّ في رئتي. أسرجتُ الأنفاس. وثبتُ فوق ظهرِ اليقين. خلفَ التلّةِ الأخيرة، ارتطمتُ بي: طريدةٌ تشطرُ المدى لجهتين. صوّبتُ الكلمةَ نحو قلبي. سقطَ المعنى جريحاً. طارتِ الغابةُ. تَرَكتْ في كفي خصلةَ إعصارٍ.. وحذاءً ضيقاً لسرابٍ.

خيط الوجع

أمام النافذة المشرعة، استندتُ إلى السكون. كانت النجومُ تغيبُ خلف غلالةٍ من الرماد، وكأسٌ في يدي امتلأتْ مما تساقط من سواد الأجفان. على عتبة الباب، ظلَّ الصبرُ واقفاً، يرقبُ الشوق وهو يقضمُ ما تبقى من الروح. وحين انسلَّ ضوء القمر من بين شقوق الغمام، غصَّ الحنجرةَ نبضٌ مكتوم. مع أول خيطٍ للطلوع، بللتُ وجهي بماءٍ بارد، ورسمتُ ابتسامةً عريضة وأنا أفتحُ الباب الخارجي. شققتُ الزحام بأنفاسٍ لاهثة، وحين تسمّرت نظراتهم عند ذبول عينيّ، رفعتُ يدي ملوّحاً: – لا تقلقوا.

تَرِكة

أمامَ السطوةِ الكاسرة، جثمت الغنائم: عجلٌ، كبشٌ، وغزال. زمجرَ الأسد: اقسموا! اندفع الضبعُ بلهفةٍ عمياء: العجلُ لك.. الكبشُ لي، الغزالُ للذئب. بلمحة مخلب، طارت أذنُ الضبع. ارتدّ يعوي. التفت الملكُ للذئب: دَورك. أطرقَ الذئبُ طويلاً، ثم همس: مولاي.. العجلُ لفطورك، الكبشُ لغدائك، الغزالُ عشاءُ مقامك. اتسعت حدقتا الأسد: يا لك من حكيم! مَن علّمك هذه الموازين؟ أشارَ الذئبُ نحو الأذنِ الملقاة.

تغريبة

بشموخِ خيلٍ إغريقية، وقفتْ على الأنقاض. مَسحتْ غبارَ الدار عن جبينها. جفّتْ في عروقها السيولة. قبضتْ على رغيفِ جُوعها اليابس. ابتلعت الغُصّة. فاضَ النهرُ تحت قدميها. ماتَ الوطنُ عطشاً.

قيامةُ عطرٍ

أحرثُ الرمادَ.. فيطلُّ وجهُكِ. الأرضُ التي استسلمت للعقم، صارت تفيضُ بالحياة، والسنابلُ ملأت تجاويفَ صدري الخاوي. فجأةً.. بردَ كلُّ شيء. شمسي أكلت ما بقي من حطبي، وغابَ الظلُّ. تيقظَ وجعُ الجرحِ ليضيءَ الحقيقة: أنَّ الفراقَ.. بذرةٌ قاسية، تخرجُ من مَسامِ العطر.

غَبَش

اصطدمَ بصحرائهِ في زجاجِ الهاتف؛ قفرٌ بلا روح. انتقى وجهاً ملائكياً. ضخّ سُمَّهُ في “منشور”. انطفأ الضوء. واجهَهُ الفراغُ في سوادِ الشاشة.. قناعاً لا يسكنُهُ إنسان.

اسْتِئْنَاف

في ساحةِ معركةٍ مهجورة؛ استيقظَ جنديٌّ من الموت. أصلحَ خوذتهُ.. وبحثَ عن عدوٍّ ليكملَ حلمَهُ.

صِـفْـرِيّـة

مِذياعُ المقهى يزفرُ رعداً باركتْهُ الحاشية. الأكفُّ المتورمةُ تواصلُ الضجيج. خلفَ البابِ الموصد، صاحبُ الكرسي يستجدي بائعَ مناديلٍ.. لِيوقّعَ على بياض!

تلصُّص

غمسَ ريشته في ندبةٍ قديمة. نزفَ فوقَ البياضِ سطرَه الأخير. الحروفُ شظايا. حاولوا كسرَها. أدمت مآقيهم. انشقَّ الزحامُ عن نور. لم يمسح الأثر. سكبَ الروحَ في المحبرة. استقامَ النصُّ. كفَّنَ ورقَه. مضى يتهجَّى ملامحَ كاتبه!

رُقوع

خلفَ زُجاجِ المطر، كانتْ تَدورُ بثوبٍ قصير. مدَّتِ الحقيقةُ يدَها لتستردَّهُ. أطبقتْ أصابعُها على حقيبةِ أدوية! مضتِ الشابةُ. بقيَ الكرسيُّ فارغاً. المطرُ يغسلُ كلَّ شيءٍ.. سُوى الذاكرة.

اقْتِصَاص

أطلقَ السجّانُ سراحه. تعثّرَ في ظلِّه الطويل. التفتَ.. الظلُّ يرتدي بزةً عسكريةً، ويشهرُ سوطاً.

هُوِيَّة

وضعَ القناعَ ليُعجبَ الناس. أرادَ نزعهُ ليعودَ لنفسه. وجدهُ قد نبتتْ لهُ عروقٌ.. صارَ هو الوجه.

مَفَازَة

زرعَ في الرمالِ ساعةً رملية. أرادَ حَصادَ الوقت. نبتتْ لهُ.. جنازة.

تقطير

على طاولةِ الجفاءِ.. انبجستْ من حقيبتِها خطيئةُ ضوءٍ. ارتبكَ الرملُ تحتَ أسئلتِهِما. انتحرَ العطرُ. استحالَ الغيابُ ثُقباً، يتلصصُ منه المتورطون.

عناد

جسدٌ مهشّم. ساقٌ مبتورة. عينٌ أطفأتها الشظايا. يرزحُ تحت جثثِ رفاقه الصدئة. يطحنهُ الركام. فتح فمهُ. استلّ الضحك!

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading