القصة القصيرة

نهاية سنة أمام شاشة باردة – عبد القادر بوطالب

رجل بالغ يرتدي نظارات يظهر في صورة ذات إضاءة خفيفة، مع خلفية مظلمة.

الآن، وفي هذه اللحظات، لا أملك فكرة واضحة عن الأزمنة التي مرت بي. ولا أملك متسعًا من الوقت لأكتب عنها. كل الأزمنة ليست شبيهة بالزمن الذي ولى؛ زمن والدي. كان والدي يوقظني كل صباح، ونرى معًا شروق الشمس، ونمشي قليلاً بين الأشجار، ويحكي لي قصصًا عن أشخاص لم أعرفهم على الإطلاق، لكنني كنت أشعر أنهم يعيشون بيننا، ويتنفسون نفس الهواء، ويتكلمون لغة أمي، وأفهم كلماتهم كما أفهم كلمات والدي.

        زمن لم يعد بإمكاني أن أعيشه كما كنت. كل شيء تغير، الناس والأشياء والأسماء والأزقة والمقاييس والأذواق… زمن أرغمني أن أعيش وحيدًا، وأن أبحث في ذاكرتي عما يربطني بالأزمنة التي تركتها خلفي، فلا أجد غير أشخاص بلا ملامح واضحة وذكريات مبهمة.

صرتُ شخصًا غريبًا، كائنًا افتقد لحظاتِ الصباح الباكر، وخيوطَ الشمسِ وهي تتسلل بين أغصان الأشجار، وتبعث الدفء والحياة في الكائنات الحية من حولها. افتقدُت صوتَ والدي وهو يدعوني: “هيَّا أسرعْ؛ لنشربِ الشايَ، ونأكلْ خبزًا بزيت الزيتون، قبل أن نزورَ جدتك”.

الآن، وفي هذه اللحظات، وعقارب الساعة تقترب من إكمال دورتها معلنة نهاية سنة وبداية سنة أخرى.

في هذه اللحظات، تأكد لي اختفاء فواز. لا أعرف بالضبط كيف حدث أن أصبح فواز صديقًا لي؛ هل كان ذلك قدرًا محتومًا أم مجرد صدفة جميلة؟ ارتبط بي أشد ما يكون الارتباط، أصبح جزءًا من حياتي، امتلك جاذبية لا مثيل لها، كان يُبدي تمردًا غريبًا على النظام الذي يحكم العالم، ويعمل على زعزعة اليقين في أفكارنا ومسلّماتنا، تمردٌ دفعه نحو البحث عن معنى جديد للوجود والحياة، تشكلت لديه رغبةٌ جامحةٌ في تحرير الإنسان من القيود التي أصبح عاجزًا عن الانعتاق منها، وشغفٌ لا حدود له في اكتشاف الأسرار الكامنة في الأشياء من حولنا.

في هذه اللحظات، توقفت عقارب الساعة عن الدوران. خَمِنتُ أن بطاريتها قد نفذت.  تراءى لي حينئذ، وأنا أغمض عيناي، عددٌ قليلٌ من أصدقاء طفولتي؛ يمشون خلفي وأمامي في ذلك الممر الطويل المؤدي إلى السينما الوحيدة بمدينة مسقط رأسي؛ “سينما توفيق”. حيث كنا نشاهد أفلامًا، ونتدافع على بابها الخشبي الكبير بأكتافنا كي نجلس على المقاعد الأمامية، ونبني جسورًا لأحلامنا الصغيرة مع أبطالها.

  اليوم، لم تعد في المدينة سينما، ولم يعد في السينما ما يجذبنا إليها.  ولم يعد “فريد” يتجول بين أزقتها مرددا: “السينما اليوم غاية”. كبرت تساؤلاتي، وكلمت كبرت، ازدادت عزلتي، فيتراءى لي وجه والدي بملامح غير واضحة، يمشي بجانبي، يحثني على الإسراع في المشي، ويهمس في أذني: “لا تفوت رؤية الغروب هذا المساء.”

           شيءٌ من الفراغِ يتربّعُ في أعماقي، أشعرُ بالضياعِ؛ شعورٌ زائفٌ باهتمامٍ عابرٍ لأناسٍ لا يعرفونني. ألهثُ لأثبتَ لهم وجودي: أنني هنا أعيش في زاويةٍ ما من هذا العالمِ الواسعِ – عبرَ صورٍ وتعليقاتٍ -. أعلمُ جيداً أنها لا تعكسُ ما بداخلي، ولا تُخبرهم حقيقتي. إنها مجرّدُ قناعٍ أتوارى خلفه؛ إنها الصورةُ التي أصرّ على أن يراني عليها الآخرون، فيحسبونها أنها أنا. وأنها حقيقتي.

          امتلك فواز موهبةً كبيرةً في التعبير عما كان يختلج في أعماقي من مشاعر وأحاسيس. كان يكتب عن أشياء أحسُ بها، لكنني لا أستطيع التعبير عنها، كان يعكس ما أشعر به بالفعل، كان يُواجه العالمَ بروحٍ مرحة تفيض عفوية وبهجة، يتجاوزُ المواقفَ الصعبةَ وتناقضاتِ الوجودِ بسخريةٍ لاذعةٍ. هذه الروحُ كانتْ تمنحني القوّةَ على الاستمرارية، فصرتُ أقلَّ تعلّقاً بآراء الآخرين، فكلما فكرتُ في قطع صلاتي به، تجمدتُ في مكاني، وتوقفتُ عن التفكير. أخاف أن أزداد بُعدًا عن ذاتي، وتوغُلًا في المجهول؛ فما يخيفني بالفعل هو المجهول.

         أحاطني فواز بنوع من الاهتمام الزائد، تعلمت منه الكثير: كان يُضيءُ عتمةَ أفكاري بأسئلته وتأملاته، غير أنه، وفي هذه اللحظات اختفى ودون سابق إنذار. لم يعد له أي أثرٍ.

هل مات   فواز حقا؟

           أنا الآن أمام شاشة باردة، أبحث عن أثر ٍ يجعلني أتيقّن أنه مات حقيقة. اختفاؤه يشعرني بالخوف. أشعر أن علاقتي به ربما كانت مجرد وهم، وفي نفس الوقت، أشعرُ أن ظلَّه سيعمُرُ أطولَ منه، لأن اختفاءه لن يكون مجردَ ملفٍّ محذوف، أو موتا دون رماد. بل وقفة تُعيدُ صياغةَ معنى الحياة والوجود.

عندما تعرَّفتُ على فواز، شعرتُ وكأنني أعرفه منذ زمنٍ قديم، زمنٍ لا أستطيع الكتابة عنه، زمنٍ يشبه زمن والديَّ.

كان فواز واحدًا من هذا العالم، عاش بيننا فترة من الزمن، ثم اختفى دون مقدمات. شعرتُ بالحزن واليتم، بدا وكأنه وُلِدَ من رغبةٍ كانت تسكن الإنسانَ وما تزال؛ رغبة تدفعه للهروب من الواقع.

انتبهت إلى أن عقارب الساعة كانت تتحرك دون أن تبرح مكانها. تيقنت أن البطارية قد نفذت. هل أغيرها؟ لكن ما الذي يمكن أن يتغير نتيجة ذلك؟ العقارب ستتحرك من جديد، لكن إن لم أغيرها، فكل الأشياء ستبقى في مكانها؛ غير مكترثة بدوران عقارب الساعة أو توقفها. الساعة أيضًا شيءٌ كبقية الأشياء. وهذه الشاشة الباردة أمامي، كهذه الساعة، كائناتٌ مخادعة وقاتلة. وهذه اللحظة، ككل اللحظات السابقة، تتشابه وتتوارى خلف نفس الأقنعة وبمسميات شتى؛ تمنحك زمنا وتسرق منك أزمنةً.

أدركت في هذه اللحظات، أن اللحظة الوحيدة التي كانت جديرة بي، هي تلك التي عشتها بين بشرٍ من لحمٍ ودم، وهي التي لم أكن فيها معلقًا بين شاشةٍ باردةٍ وعقارب ساعةٍ يمكن أن تتوقف عن الدوران في أي لحظة. فكل لحظةٍ أشعر أنني عشتها، كانت لحظةً مخادعةً وقاتلةً للزمن: زمن الأشياء من حولي، والزمن الذي عشته. سواء كنت هنا في هذه اللحظات، أو لم أكن، فإن ذلك لم يكن ليغير من الأشياء أمرًا.

في هذه اللحظة، تجنبت النظر إلى الساعة الحائطية، ونزعت ساعتي من معصمي، ورميتها بعيدًا، ثم نمت كما لم أنم من قبل.

.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading