هل الآخر قادر على التحكم في طريقة عيش الأنا؟ – آلاء الريحاني
سؤال يأخذ بنا إلى تأمل طبيعة العلاقة مع الغير وفهم ردود أفعال الأنا وتصرفاتها في حضرة هذا الآخر، لأنه قبل أن نجيب على سؤال معين يجب أن نفهم طبيعة الشيء الذي نتحدث عنه. وفي هذا الصدد، أرى أنه لا بد أن يكون للغير تأثير وتحكم في طريقة عيش الأنا، مادام أن للشخص وللغير نقاط تشابه واختلاف في نفس الآن، ومادام أن الانسان عموما كائن وفرد اجتماعي. إن تأثير الآخر على الأنا يتجلى في مجموعة من الأشياء، على رأسها “نظرة الاخر”، كما يقول سارتر “الجحيم الحقيقي هو نظرة الاخرين”. فكل منا يسعى ولو بقدر بسيط إلى أن يظهر بصورة عكس ما يضمر في داخله. كأن البشر يعيشون في مسرحية ما، منهم من يؤدي دوره بشكل طبيعي ومنهم من يبالغ في تمثيليته. أما الجمهور، في نظري، فهو عبارة عمن نسميهم بالمجانين، لأنهم ليسوا مقيدين بنظرة ورأي الآخر عنهم. بديهي أن كل شخص له عيوبه الخاصة والتي يسعى جاهدا لإخفائها أمام الاخرين، كأنه يخفي السواد بداخله بواسطة عباءة بيضاء. وأظن أن هذا تصرف طبيعي، لأنه من منا يجرؤ على نزع هذه العباءة؟ حينها سيكون عليه مواجهة نظرة الاخر التي من الأساس نسعى أن نتجنبها. لكن ماذا لو كان الشخص يسعى إلى صورة مثالية، التي لا أرى فيها سوى وهما يقمع به النقص في داخله. بطريقة أو بأخرى، من كان هدفه هو إرضاء الاخرين لن يكون قادرا على أن يرضي أو يحب نفسه، لأنه يستنزف طاقته حتى لا يسمع كلمة واحدة جارحة بحقه. ومهما استمر المتصنع في تقمص دور غير دوره مبالغا فيه، لا شك أنه سيتعب من هذا التمثيل وسيكون حملا ثقيل عليه يوما بعد يوم، لأنه وبكل بساطة يظهر بشخصية لا تطابق حقيقته. وبهذا فإن نتشه يقر بأن الانسان الفائق، هو ذاك البرق اللامع الخارج من غمام الانسان المظلم، أي ذاك الذي يحافظ على مبادئه وقيمه مهما ازداد الفساد من حوله. فهو يعرف كيف يتصرف مع العوائق الخارجية والمواقف الصعبة، ويعي جيدا أن تواجده وسط القذارة لا يعني بالذات انسجامه مع هذا وسط، بل المجاهدة للحفاظ على نقائه الداخلي. ومن خلال كل هذه المواقف، يمكن أن نخرج باستنتاج مفاده أن الانسان يجب أن يسعى للمثالية النسبية مادام أنه بطبيعته لا يعرض حقيقته كاملة أمام الغير. وقد نلتمس تناقضا في الموضوع حين نقارن الانسان الفائق الذي وصفه نتشه مع محيطه الفاسد، لأنه لا يعطي للأخرين فرصة التأثير فيه، فمن هذه الناحية يمكن القول بأن وعي الفرد بذاته ومحيطه يسمح له بالترفع عن قذارة الاخرين. لكن لو نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، هل كان هذا الاخير ليصل إلى درجة النقاء الداخلي إن لم يكن الفساد حوله؟ لأنه كما يقال “لولا وجود ضد المعنى لما كان للمعنى معنى”. فأقول كختام لما تم عرضه، لا شك أن لوجود الاخر تأثير علينا ولو بشكل نسبي، فلو لم يكن كذلك، هل كنا لنطرح سؤالا من الأساس؟




