مشروع للمناقشة – نجيب محفوظ

(حجرة الإدارة بمسرح، في الجانب الأوسط من الحجرة يوجد مكتب، أمام المكتب مقعدان كبيران متقابلان؛ إلى اليسار مكتبة، وبابٌ مغلق يؤدي إلى الخارج، في الجانب الأيمن كنبة ومقعدان وخوان، على الكنبة يجلس الممثل والممثلة. على المقعدين يجلس المخرج والناقد، الجميع في أواسط العمر مع تفاوت.)
المخرج : يجب أن نفتتح الموسم بعملٍ باهر.
الممثلة (متنهدة) : الحق أن الفن جمال وعذاب.
الممثل (ناظرًا في ساعة يده) : متى يحضر الأستاذ؟
الناقد : إنه في الطريق إلينا.
المخرج : كثرت المسارح واشتدت المنافسة بينها لدرجة الوحشية.
الممثل : وعلينا يقع عبء المحافظة على القمة.
الممثلة : هذا ما قصدته بالعذاب.
الناقد : تُرى هل انتهى الأستاذ من كتابة المسرحية؟
المخرج : لا أظن، ولكنه سيحدثنا عن الفكرة العامة.
الممثلة : لن يبدأ الموسم قبل أشهر.
(يُفتح الباب إلى اليسار ويدخل السكرتير.)
السكرتير : الأستاذ.
(يدخل المؤلف، يخرج السكرتير ويغلق الباب، المؤلف متقدم في السن ولكنه من النوع الذي يتعذر تحديد سنه، وهو أنيق المظهر وبادي الصحة والعافية رغم تقدمه في السن، ينهض المخرج والناقد والممثل لمصافحته، يذهب لمصافحة الممثلة في مجلسها. يمضي إلى المكتب فيقف مستندًا إلى مقدمته، ينتقل المخرج والناقد إلى المقعدَين المتقابلَين أمام المكتب، يعود الممثل إلى مجلسه إلى جانب الممثلة.)
الناقد (للمؤلف) : صحتك عال.
المؤلف : شكرًا.
المخرج : الجو فظيع ولكن ضاحيتك مرتفعة الموقع ومعتدلة الجو.
المؤلف : التفكير من شأنه أن يرفع الحرارة.
الناقد : إلى أي حدٍّ يمكن أن نقول إن عملك اكتمل؟
المؤلف : سينتهي على أي حال في موعده.
الناقد : إذا أردنا أن نحدد روايتك الجديدة فأي اسم يمكن أن نطلقه عليها؟
المؤلف : إنك ناقد لا تخلو من داء النقاد في غرامهم بالأسماء، أنا لا تهمني الأسماء، إنما أبدأ من انفعالٍ معين ثم أترك الاسترسال لوحي القلم.
الناقد : ولكن المسرحية بناء، ولا يسع البناء أن يضرب في الأساس ضربةً واحدة ما لم تكن الصورة النهائية متبلورة بشكلٍ ما.
الممثل (في شيء من العصبية) : سنصل في نقاشٍ غير محدود، أريد أن أطمئن إلى وجود بطولةٍ حقيقية.
الممثلة : وأضيف إلى قول زميلي أن خير دور تمثله المرأة هو الحب. (ثم موجهة الحديث إلى المخرج)، تكلم فأنت المخرج.
المخرج : لكل رواية أسلوبٌ خاص لإخراجها.
الممثلة : ولكن الحب ضرورة لا غنى عنها.
المخرج : إنه ضرورة حقًّا، ولكن لا يمكن فرضه على المؤلف.
المؤلف : هذا كرم منك إذا تذكرنا محاولاتك السابقة للوثوب فوق رأسي.
المخرج (ضاحكًا) : أنت تؤلف وأنا أفسِّر، فأنت حر في تأليفك، وأنا حر في تفسيري.
المؤلف : ولكني أعرف ما أريد قوله.
المخرج : بل إني أعتبر ذلك من اختصاصي.
الناقد : الأمر يتوقف على نوع العمل، ثمة عمل لا يختلف في تفسيره أحد، وآخر تتعدد في تفسيره وجهات النظر.
الممثل : ما يهمني حقًّا هو دور البطولة، أريد أن أكون بطلًا لا مهرجًا.
المخرج : ولكن المهرج يمكن أن يكون بطلًا أيضًا.
الممثل : إني أرفض ذلك كل الرفض.
المخرج : ثمة زمن يخلق الأبطال وآخر يخلق المهرِّجين.
الممثل : مهرجون لا أبطال.
المخرج : المسألة نسبية.
الممثلة : سنضلُّ في متاهة الآراء، حدِّدوا أفكاركم.
الممثل : حسن، أريد بطولة بالمعنى التقليدي.
الممثلة : وأريد أن ألعب دور حب لا يُنسَى.
الناقد : ويلزمني الوضوح الذي يمكِّنني من نقد العمل وتقديمه.
المخرج : أطالب بالحرية الكاملة للتفسير.
المؤلف : ماذا يبقى لي أنا؟
الممثل : أن تحقق لنا مطالبنا الفنية العادلة في صيغةٍ ناجحة تستحوذ على إعجاب الجمهور.
المؤلف : إنكم بحاجة إلى سكرتير لا إلى مؤلف.
الممثلة : بل نريد تفاهمًا وتعاونًا.
(المؤلف يغادر موقفه متمشيًا حتى منتصف الحجرة وهو مقطب، ثم يعود إلى موقفه مستندًا إلى مقدم المكتب.)
المؤلف : إني أحب الصراحة، والحق أقول لكم إنه لا وجود لكم قبل أن توجد الفكرة التي تنجزونها.
الممثل (في حِدَّة) : بل نحن موجودون قبل أي فكرة.
المؤلف : إذا لم توجد القصة فأنتم مجرد أشخاص لا معنى فني لهم.
الناقد : ألا يؤثر في خيالك وأنت تؤلف أشخاص الممثلين مثلًا؟
المؤلف : كلا، إني أستغرق في عملية الخلق فحسب، ثم يختار العمل بعد ذلك ممثليه ومخرجه.
الناقد : هذا فرضٌ مثالي، ولكن الواقع أن المؤلف إنما يتعامل مع زمان ومكان وجمهور وممثلين وممثلات ومخرجين ونقاد أيضًا!
المؤلف (ضاحكًا في سخرية) : يا لها من أفكار غريبة عن عملية الخلق!
الناقد : لا يمكن أن تترك لخيالك العنان ما دمت مرتبطًا بمسرحٍ ما، وجمهور ما، وإمكانيات فنية محدودة.
المؤلف : أو في كلمةٍ واحدة هي فبركة بلا زيادة.
الناقد : إنها محاولةٌ صادقة للتوفيق بين خيالك الخلاق والضرورات بفبركة لا محيص عنها لتقول في النهاية ما تريد قوله، وما يتطلبه الزمان والمكان مما يود الناس أن تقوله.
المؤلف (بلهجةٍ مزدرية) : أصدق وَصْف للفن التجاري.
الناقد : الفن معاملة، والمعاملة نوع من التجارة، والنجاح وجه من وجوه المعاملة.
المؤلف : هذا يعني أنكم المؤلف لا أنا.
الناقد : التأليف جماعي وإن بدا فرديًّا.
الممثل : لذلك أطالب ببطولةٍ تقليدية وهو طلب عادل.
الممثلة : وأطالب بالحب وهو مطلبٌ طبيعي.
المخرج : وأطالب بالحرية ليتم لعملك الكمال المنشود.
المؤلف (غاضبًا) : تمردٌ سخيفٌ مضحك، ولولاي لما كنتم شيئًا مذكورًا!
الناقد (بلطف) : ولولانا ما كنتَ مؤلفًا على الإطلاق.
المؤلف : أستطيع أن أكتب مسرحية لنفسي!
الناقد : محض كلام، كيف يثبت أنها مسرحية إذا لم يقيَّض لها مخرج وممثلون وجمهور ونقاد؟
المؤلف (غاضبًا) : إن مهنتي الخلق لا الجدل، الجدل مهنة العاجزين عن الخلق.
الممثلة : إني أكره الجدل وأخاف عواقبه، وسوف ينتهي بنا إلى خصامٍ مرير بدلًا من عرض مسرحي رائع.
الممثل : ولكن لا خير في مصالحة تجيء على حسابنا.
المؤلف : من الضروري أن أكتب مسرحيتي بلا قيد أو شرط.
الناقد : لا يجوز أن تهمل الاعتبارات التي عدَّدتها.
المؤلف : إني ملزم باحترام الخلق الفني وحده.
الممثل : والبطولة؟
الممثلة : والحب؟
المخرج : بعض الهدوء، إنه لم يحدثنا بعدُ عن قصته. (صمت) أستاذنا العزيز، حدثنا عن قصتك.
المؤلف : إنها مجرد مشروع وخطوطٍ عامة.
المخرج : ليكن.
المؤلف : إنها قصة رجل وامرأة.
الممثل : ثمة مجال لبطولة.
الممثلة : ومكان أرجح للحب.
المؤلف : يلتقيان في غابة.
الناقد : غابة؟
المؤلف : يلتقيان في غابة.
الناقد : ولِمَ غابة؟
المؤلف (محتدًّا) : أنا حر.
المخرج : أنا الحر.
الناقد : أخشى أن ترجع بنا إلى عهد الرومانسية البائد؟
الممثلة : هو مكانٌ طريف على أي حال، والعري فيه لا يمكن أن يُتَّهم بالافتعال.
الناقد : اللقاء اليوم في الشارع، في البص، في ملهًى ليلي.
المخرج : ربما أراد من الغابة أن تهيئ له جوًّا موحشًا حافلًا بأخطار الإنسان والحيوان.
الناقد : المدينة أحفل بكل ذلك من أي غابة.
المؤلف (ضاربًا الأرض بقدمه) : يلتقيان في غابة.
الممثلة : بعض الحِلم حتى يتم صورته.
المؤلف : في الغابة أخطار لا حصر لها فهما يبحثان عن مأوًى يحميهما.
الممثل : ليس في ذلك شيء من البطولة.
الممثلة : ولكنه مجالٌ طيب للحب.
الممثل : لا حب بلا بطولة.
الممثلة : الحب في ذاته بطولة.
الممثل : ليست هي ما أبحث عنه.
المخرج : إنه يريد أن يقاتل؛ يقاتل الوحوش، يقاتل المجهول.
الممثل : أحسنت.
المخرج : ومن ثم يوجد الصراع وهو أساس الدراما.
الممثل : أما مجرد البحث عن مأوى!
الممثلة : لعله يكتب قصة حب؟
الممثل : الحب لا يكفي وحده موضوعًا لمسرحية.
المخرج : وأي مجال يترك لحريتي في مسرحية بحث عن مأوى؟
المؤلف : أنا لا أعترف بحريتك المزعومة.
المخرج : أنا أفسر فأنا حر.
المؤلف : هل تستطيع بحريتك أن تغير النهاية؟
المخرج : صدقني فإن حرية المخرج هي زينة العرض المسرحي.
المؤلف : هل تستطيع أن تغير النهاية؟
المخرج : لم تحدثنا عن النهاية.
المؤلف : يجدان مأوًى على درجة من الأمان.
الممثلة : أراهن على أن الحب سيبدأ دوره الخالد.
المؤلف : يحصنانه ضد أهوال لا حصر لها ولا عد.
الممثلة : أكمل .. إني منتظرة.
المؤلف : يمضيان أوقات الراحة في عناقٍ حار.
الممثلة (تقف من الانفعال وتنتقل إلى جنب المؤلف) : ألم أقل لكم؟
المؤلف : وفي لحظة من لحظات العناق الحار يسقطان جثتَين هامدتَين.
(صمت.)





