كامي وسارتر:العنف والشيوعية-رونالد أرونسون-ترجمة شوقي جلال
•••
في مَطلع العام ١٩٥٢م رجا أعضاء الحزب الشيوعي من سارتر تأييدَ حملة ضد المحاكَمة العسكرية للضابط هنري مارتن، وهو ضابط بحري رفَض المشاركة في حرب فيتنام. ونظرًا إلى أن قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي تشعر الآن بالعزلة الكاملة، فقد وصَل بهم الأمر إلى حد التطلُّع إلى غير الشيوعيين. وقَبِل سارتر النداء وكتَب تعليقًا على كتاب بشأن قضية مارتن. وغادَر بعد ذلك بصحبة بوفوار لقضاء إجازتهما السنوية في إيطاليا. وحضر في هذه الأثناء إلى باريس جنرال أمريكي يُدعى ماتيو ريدغوتي وهو في طريقه لتولِّي قيادة حِلف الناتو. ونظَّم الحزب الشيوعي لهذه المناسَبة تظاهرة نضالية أفضَت إلى حوادثِ شغبٍ. قمعت الشرطة الشغب، وألقَت القبض على جاك دوكلو قائد الحزب الشيوعي الفرنسي. وصادرت الشرطة من سيارته بعض الحمَام الذي كان قد حمله معه إلى بيتِه ليُعِدَّه للعشاء. واتَّهمته الشرطة بأنه حمَام زاجل يستخدمه لتنظيم وتنسيق أعمال الشغب.
وكتَب سارتر:
«عرفتُ من الصحافة الإيطالية أمر القبض على دوكلو وسرقة يومياته ومهزلة الحمَام الزاجل. إن هذه الحِيَل الخسيسة والطفولية جعلتني أشعر بالغثيان. ربما كانوا أشخاصًا أكثر وضاعةً، ولكن لا أحدَ منهم أكثر فهمًا. ذلك أن من المناهض للشيوعية كلبًا. وليس في وسعي أن أرى مَخرجًا غير هذا، ولن أجد … وبعد عشر سنوات من التفكير والتأمُّل مليًّا بلغتُ نقطةَ اللاعودة، ولستُ في حاجة إلا إلى هذه القشَّة الأخيرة. وأقول بلغة الكنيسة ها هنا بدَّلت عقيدتي وإيماني … وباسم هذه المبادئ التي غرستها في نفسي، وباسم دعوتها إلى الإنسانية وتوجُّهاتها الإنسانية، وباسم الحرية والمساواة والأخوة أقسِم للبُرْجوازية بأن أحمل لها الكراهيةَ التي لن تُفارِقني حتى الموت. سأعود فورًا إلى باريس، وواجبي أن أكتب أو أن أختنق. وها أنا ذا واصلتُ الليلَ بالنهار، وكتبت الجزء الأول من مقال «الشيوعيون والسلام».»
صدرت هذه المقالة في يوليو ١٩٥٢م، وأعلَن فيها سارتر أنه رفيق طريق. وتمثِّل المقالة نصًّا غريبًا معقدًا، إنها تسرد الحجَّة تلو الحجة في سجال مع مناهِضي الشيوعية حول معنى تظاهرة ٢٨ مايو. ويستخدم سارتر الجزءَ الأكبر من مقالته لتسوية حسابات مع عديدين من أنصار مواقف سبَق له أن أيَّدها أو يرفضها الآن، ومن بينهم، ضمنًا، كامي.
ويشرع سارتر بعد ذلك في الدفاع عن لجوء العمَّال والحزب إلى العنف وغيره من أعمال غير مشروعة. ونلحظ أن هذا النقاش بعيد النظر يُجافي تمامًا فَهم كامي للعنف؛ إذ يبدأ ببيانِ كيف أن قانون الانتخابات الجديد وضَع العمال كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وأوضح أنه في انتخابات العام ١٩٥١م كان عائد تصويت خمسة ملايين شيوعي هو ۱۰٣ نوَّاب، بينما نصف هذا العدد من المقترِعين الاشتراكيِّين أعطَوا عائدًا قدره ١٠٤ نوَّاب. «وأقول فيما بيننا إن هذا شيء يمكِن أن يدفع بالناس إلى الخروج إلى الطرقات، وإلى تكسير بعض النوافذ، أو أن يصفعوا بعنفٍ بعضَ الوجوه.» وقبل هذه الانتخابات بزمن طويل تم وضع العمال والحزب الشيوعي الفرنسي في عزل إجباري. وها نحن الآن نجد اثنين من العاملين في الميناء يمشيان معًا على رصيف ميناء لو هافر، وإذا بواحدٍ منهما ليس له حقُّ الاقتراع، بينما الآخَر اقترع بلا جدوى. معنى هذا أن حرية الاقتراع التي هي علامة مميزة للمجتمع البُرْجوازي أسقطَتها البُرْجوازية الآن.
وقال سارتر إن حربًا طبقية تكمُن عند جذر هذا الخداع المُقنَّن. لكوني عضوًا منظمًا أقول إن فرنسا «مجتمَع قهر»، وإن أولئك الذين يَنحُون باللوم على الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب العنف والأعمال غير المشروعة يُغفِلون حقيقةً هي «أن كل أنواع العنف اليومَ، المباشِر وغير المباشِر، مصدرُها البروليتاريا التي تردُّ إلينا ما أعطيناه لها». وحسب هذا المعنى، فإن العنف يغرسه ويُقنِّنه النظام الاجتماعي.
«إن العامل مهما غاص في الماضي يجد نفسه أسيرَ مجتمعٍ له قوانينه ونظامه التشريعي، وحكومته وفكرته الجاهزة عمَّا هو عادل وما هو ظالم، ولكن ما هو أكثر أهميةً أنه مجتمع له أيديولوجيته التي يشاركه فيها تلقائيًّا. ثَمة مصير وقيود مفروضة عليه، وهو محكوم عليه بأداءِ مهامَّ شِبه آلية ومجزَّأة، لا يدرك لها معنًى أو غرضًا، وبسبب أمراض الصناعة، إنه مجبَر على تكرار حركة واحدة آلافَ المرات في اليوم، وقد أثقَله الوهن والفقر، وحالا دونَه وممارَسة خصاله الإنسانية. إنه أسير عالَم غبي من التكرار. ويُصبِح قليلًا قليلًا مجرد شيء. بيْدَ أنه حين يحاول الكشفَ عن المسئولين عن وضعٍ لا يجد أحدًا، كل شيء على ما يرام: لقد تلقَّى أجره المُستحق له.»
عنف العمال إذن ردٌّ على هذا العنف «الطبيعي» العادي.
«ويدَّعي الناس أن العنف يُولَد فجأةً لحظةَ الشغب أو الإضراب. أبدًا، إنه يَطفر إلى العلن في لحظات الأزمات، هذا كل ما في الأمر. انعكس وضع التناقض: العامل الوديع يَرفض ما هو إنساني في داخله، والعامل المتمرِّد يرفض ما هو غير إنساني. وهذا الرفض ذاته هو إنسانية، إنه يتضمَّن مَطلبًا مُلِحًّا من أجل عدالة جديدة. ولكن نظرًا إلى أن القهر ليس عدوانًا ظاهرًا للعِيان، ونظرًا إلى أن أيديولوجيا الطبقة الحاكمة هي التي تحدِّد ما هو عادل وما هو ظالم، ونظرًا إلى استحالة الحصول على شيءٍ ما لم يتمَّ تحطيم النظام بقوَّة، فإن العامل يرى السبيل الوحيد إلى تأكيد حقيقته كإنسان إنما يكون في تجلِّيها من خلال العنف.»
وما إن ينخرط العامل في العنف حتى يبدأ المجتمع في تصعيد العنف ويتَّسع الشَّرَك. «إن سخطه لا بدَّ من أن يتحوَّل إلى إضراب، ويتحوَّل الإضراب إلى شِجار، والشجار إلى قتل.» ثم يفرض المجتمع هدوءًا قمعيًّا «ليس إحلالًا لسلام، بل عودة إلى العنف الأصلي.»
وحسب وجهة النظر هذه، فإن عنف العمَّال «إنسانية إيجابية»، و«حقيقة الأمر أن الإنسانية والعنف وجهان لا انفصامَ بينهما للجهد المبذول من أجل خروجه من وضع القهر الذي يعيشه». لذلك فإن عنف العمَّال هو جوهر الحزب الشيوعي عينه، وقوَّته. وتأسيسًا على هذا يختم سارتر مقاله بالسخرية من كلِّ مَن يرُوق لهم أن يرَوا يسارًا حسَن السير والسلوك، «ودودًا، مهذبًا، مهيئًا لعمل تمايُزات، وتحفُّظات رقيقة؛ يسارًا يحارب الرأسمالية لكنه عادل في موقفه من الأشخاص، يسارًا لا يرفض العنف، ولكن يلجأ إليه كملاذٍ أخير، ويسارًا يعرف كيف يستثير حماسةَ البروليتاريا الفيَّاضة، لكنه حريص — إذا دعت الضرورة — على حمايتهم من الغلو في استخدامها.»
وهذا الطابع الدرامي المتفجِّر عاوَد الظهور ثانيةً بعد عقد من الزمان في تصدير لكتاب فرانز فانون «المعذَّبون في الأرض»، وكذلك عند تأييده لعنف ولا مشروعية اليسار الثوري إثر أحداث مايو ١٩٦٨م. وهنا سارتر — لكونه أخلاقيًّا سياسيًّا — دانَ عنف الحكَّام وناصَر مُقدمًا عنف المقهورين. إنه لم يشأ حتى مجرَّد التنازل والقول بأن عنف المقهورين أمر نأسف له، إنما هو حتمي ومقبول داخل حدود معيَّنة، وليس بتطرُّف يتجاوز الحدود. إن سارتر مؤيد للثورة، رافِضٌ إضاعةَ الوقت في أي كلام عن العنف باعتباره سبيلًا إلى إضعاف المعنويات أو الإفساد، مُغفِلًا ما يُسبِّبه من دمار؛ ولهذا نصَّب من نفسه محاميًا وقاضيًا يدافع في شراسة عن المقهورين. وواضح تمامًا عند هذه النقطة تحديدًا التعارض التام بين اتجاه سارتر واتجاه كامي؛ إذ بينما نذَر كامي كلَّ طاقته للكتابة ضد العنف، خاصَّةً العنف الثوري، نجد سارتر تبنَّى تدريجيًّا العنف ودافَع عنه، خاصةً العنف الثوري.
١ الفكر اللاهوتي التقليدي في العصر الأوروبي الوسيط.



