قصة موت – بقلم : أندريه شديد – ترجمة : محمد صوف

أحست المرأة الشابة باصطدام الرصاصة بظهرها. ألم حاد. قصير المدى. تابعت سيرها كأن شيئا لم يحدث. لكن الوهم لم يدم. حولها الأشجار مقتلعة من جذورها. الرصيف محفر. العمارات مستطيلات مفحمة وفاغرة الوسط. أشياء تدل بوضوح على أن المعارك كانت ضارية، والهدنة مرة أخرى عابرة. لقد أصيبت برشق مفاجئ لم تكن هي هدفه. كان جرحها حقيقيا.
لم ترد أن تعرف عنه أكثر. ابتعد عنها الألم. إن ما يهمها اللحظة فوق حياتها، أن تصل إلى المكان الذي ينتظرها فيه على رأس الجسر، عند زاوية الحاجز.
الساعة الثالثة. نور اللحظة يغطي المحيط القاحل ويغرق وجهها، يحتوي جسدها الثلاثيني. ستزحف بهذا الجسد. سترغمه على السير. ستختزل الطريق. ستقاوم. ستقتحم ربع الساعة التي تفصلها عن اللقاء.
الزقاق يتأرجح. يكفهر. وفي لحظة، يصبح الهواء ثقيلا. تتجصص السماء. يستولي على حركات “م” بطء لا نهائى. تضعف أحاسيسها. وحدها الرغبة الملحة في الوصول إلى الجسر تخزها.
أمامها يداها وذراعاها في خط مستقيم. تأمل أن تدفع هذا الجسد المتثاقل وساقيها المحشوتين بندف القطن إلى الأمام. ينخرها الخوف من عدم الوصول إلى الموعد بعنف يتحدى ثقب الرصاصة.
أين يضعون حدودا لهذا المكان؟ ولماذا؟ تتوارد سلسلة من الأسماء على الذهن. إنهم هناك في أوحال حقول الأرز، على الأسفلت، في الدروب، ينحشرون وسط الحشد الذي تتم إبادته، أو يحتضرون وحيدين. فجأة يتدفق القتلى واللاجئون والمصابون بالرصاص والمعذبون نحو هذا المكان، نحو شخص ما، نحو هذه الكائنة الحية الجريحة حتى الموت. تتوازى أعمال العنف ويغطي الرعب الرعب. وجوه تغمرها الدماء وأخرى نزفت. وينزف الرجال.. المكان لا يهم! في كل مكان تتعذب البشرية ولا نهاية لهذا الموكب. داخل كل جسد مصاب، كل الأجساد تتأوه وتغيب، تمتصها القوة العمياء في سديم واحد.
بالغت “م” في تقدير قوتها. بحثت عن النجدة حولها فلم تلتق عيناها بغير الفراغ. تجر نفسها حتى الجدار. تتحسس يداها التضرسات. تتعلقان بها. لا تزال تصارع. تقاوم. يمتد نصفها الأعلى، إلى أعلى وتخور ركبتاها المرتخيتان وتطرحانها أرضا.
تصرخ “م”. يتوقف صوتها في حلقها، يدرك بالكاد صدغيها مرتعشا. ثم يلامس شفتيها. يخترقها ألم حاد ويتدفق سائل ساخن بين عظمتي كتفيها. يبلل قميصها. الآن. لا تواجه الشابة جسدها. لكنها تسعى إلى مرافقته. تتفادى الاهتزازات المفاجئة. تحرس هذا الجسد واضطراباته ودورانه. لا تقاوم انتفاخ رأسها ولا تأرجح ذراعيها اللتين تهتزان وتحلقان في الهواء أولعلهما تعتمدان عليه. تحافظ على أنفاسها آملة أن تعيش حتى يأتي مار لتسلمه الرسالة، وتستسلم “م” دون أن تفقد مراقبة ذاتها.
تدور. تتقلب. تنحني. تدور حول نفسها ببطء. ببطء كما في السينما على امتداد العقبة إلى أن تدرك الرصيف حيث تجد نفسها تتمدد في وضع جنين.
خدها على الأرض وعيناها تتربصان. تتعلق بآخر بريق للوعي وتنزعج المرأة الشابة من اختفاء الشمس خلف سحاب خفيف. تظهر الشمس من جديد. تشعر بارتياح حقيقي. غير بعيد صرير نافذة وحولها تنتشر رائحة القهوة.
تطرد “م” ذكريات تتدفق أمواجا. لا تريد أن تكون سوى هذا الحاضر. سوى هذا الجزء من المستقبل الذي لا تزال تسعى إلى إنقاذه. بحذر لا متناه تتوصل إلى إخراج بطاقة بريدية ملونة من جيبها وقلم صغير.. النهاية تقترب. تقترب. في حين لا تزال الحياة تهدي نفسها! يحلق الموت فوق أرضها الصغيرة التي تضيق من دقيقة لأخرى. ترى من جديد بين جناحيه الداكنين الحدأة التي تحلق باستمرار فوق بنايات الحي الذي ولدت فيه قبل أن تنقض بجبروت على قطعة لحم موضوعة على حافة شرفة.
على يسارها. على مبعدة أمتار أمامها، انفتح باب، نظر زوجان مسنان إلى السطوح حيث يربض الرماة غالبا قبل أن يغامرا بالخروج إلى الزقاق. يحمل الرجل حقيبة حزمت بقلة ذوق. ما إن خرجا حتى مد كل منهما يده إلى الآخر ثم تماسكا. ترشقهما “م” بنظراتها. تختبئ بين كفيهما المتماسكين بلطف. تضع كالزوجة رأسها على صدر رفيقها. تتلقى نفس القبلة على شعرها.
من عمق الصمت تصرخ “م” نحوهما وتسعى عبثا إلى جذب انتباههما. لماذا ارتدت هذه السترة الرمادية التي تشبه الحجر؟
لا أحد منهما لاحظها. يتحدثان بصوت خافت ثم يشرعان في السير في الاتجاه المعاكس. التفتت المرأة وهي تسير مرة أخيرة نحوبيتها المهجور. هناك ترى شكلا ممددا على الرصيف. “قف. انظر.”
بسرعة يعودان. يستند أحدهما إلى الآخر. يعبران الرصيف بالسرعة التي تسمح بها سيقانهما. يجلس الرجل على ركبتيه. يتفحص الجريحة. يدرك أن الجرح خطير. قاتل. فجأة في انفعال وتساؤل أخير.. لماذا؟ تحتقن عيناه بالغضب والدموع. وتقف المرأة تصرخ. تطرق الأبواب. تسعى إلى إثارة الجيران. لا جواب. كل العمارات خالية. هرب سكانها إلى البادية. بعد الطلقات النارية المتفرقة خوفا من استئناف المعارك، اختبأ بقية السكان.
ترفع “م” يديها بجهد كبير. تمد البطاقة بطرف أصابعها المرتعشة. يأخذ الرجل الصورة. ينظر إليها. يقلبها. على ظهرها كتابة صغيرة بمداد بني.
– لا أرى شيئا. خذي اقرئي.
أخرجت المرأة نظارتها ذات الإطار الفضي من الكيس المعلق في عنقها. ستقرأ بصوت مرتفع. يبدو الارتياح على وجه المرأة الشابة.
– سأذهب إليه.
– وحدك؟
– ألا ترى أنه من غير الممكن أن ندعها وحدها.
يوافق. تضم مرفقيها وتركض بكل قواها. تصعد على الرصيف من وسط الطريق معرضة نفسها من كل جانب للرشق. ممتلئة حماسا كعادتها! يراها تصغر أمامه. يتبعها بنظراته. قلبه ينقبض. يراها من جديد. لكن هذه المرة قديما. في سن الشابة التي تحتضر. تحشر نفسها وسط الحشود لكي تلحق به على الجانب الآخر من الشارع وتركض نحوه. تكبر أمامه تتسلل بين السيارات. خداها محتقنان وشعرها أشعث. مقدامة كعادتها!
في زاوية الجسر. ينزل الرجل الذي كان جالسا على الحاجز. قبل يومين عثر على عنوان المرآة الشابة، وعلم أن بطاقته وصلتها. فكر أن المدينة استعادت هدوءها وأن “م” هي الانضباط في المواعيد. ها قد طال الانتظار.. بالتأكيد أنها لن تأتي.
من بعيد تعرفته المرأة من الصدار الأزرق الذي كان يحمله في الصورة. حركت البطاقة بذراعيها. حاولت جاهدة أن تشير إليه. نبهتها حافلة بزعيق حاد فاندفعت نحو الرصيف لتدعها تمر. لامستها الحافلة وتابعت طريقها بصخب.
بعد ذلك، بسرعة فائقة، رأت الرجل يمسك بذراع امتدت إليه خارج الآلة الضخمة. تعلق بها واهتز فوق الدرج داخلها. صرخت المرأة عبثا. لقد خنق هدير الآلة نداءاتها وفي ثوان غابت الحافلة خلف ستار من الغبار.
اتكأت على الحاجز منهكة. تركت بعض الدقائق تتسرب قبل أن تقرأ الرسالة وتعيد. في كل كلمة كان جزء من شبابها ينتزع منها انتزاعا. ارتعشت لفكرة أن هذا الذي ذهب دون أن يعلم، من الممكن أن يكون رفيقها هي. لم تعد لديها سوى فكرة واحدة. أن تلحق بهذا الأخير في أقرب وقت. عادت ركضا وهي تردد بين شفتيها كلمات الرسالة التي حفظتها عن ظهر قلب.
“الهدم. الرعب. الكراهية. أشياء اتخذت كل الأقنعة. من وماذا نصدق الآن؟ منذ أن عاشرت الموت وأنا أرى كل شيء أحمق، عبثا، خارج الحب الحقيقي. إن الحب يجمعنا يا “م” مهما حدث. سأنتظرك بعد غد في الساعة الثالثة عند زاوية الجسر الكبير كما في أول موعد (لقد مرت ست سنوات) سيحمل لك صديق لي هذه الصورة. هذه الرسالة. هذه الكلمة. وسأتأكد من. أنها وصلتك، وإذا لم تأت فمعناه أن كل شيء قد انتهى.”
وتحت هذه الكلمة كتبت المرأة بحروف مضطربة، بقلم الرصاص “حبيبي.. لقد..” جلست المرأة على ركبتيها. أحاطت بذراعها كتفي زوجها. وحكت له عن اللقاء الذي لم يتم، مضيفة : “في يوما ما، يجب أن نعثر عليه” بدوره همهم.. حكى أن أحد المارة ذهب للبحث عن سيارة إسعاف. لكنه كان يعلم منذ البدء أن لا أمل في إنقاذ المرأة.
لم تعد هذه تتحرك. إنها تتنفس بصعوبة. تنحني المرأة المسنة. يلفح نفسها الدافئ الخد الشاحب. تلامس صدغيها بشفتيها ثم تباعد شعرها كاشفة عن أذنها. وتقول كلمة بعد كلمة حريصة على نطق كل حرف :
“كان ينتظرك في زاوية الجسر الكبير. لقد رأيته يا صغيرتي. وكلمته”
دفعتها تنهيدة “م” إلى أن تتابع.
“إنه آت. إنه في الطريق إليك”
رفعت وجهها إلى وجه الرجل. التقت نظرتها بنظرته المتواطئة ثم تابع هو:
“إنه في بداية الزقاق. آت إلينا. لقد تعرفت صداره الأزرق”
أتمت المرأة :
“ها هوآت”
“ها هو”
“إنه يقترب”
تعانق صوتاهما. أمواج تسيل في عروق الشابة.. تتسع. على ملامحها بريق سعادة ومن صدرها يصعد نفس كعرض المحيطات.
يستولي على الزوجين المسنين دوار ناتج عن المرح والضيق واليأس والطمأنينة. عبث الأشياء ومعناها يمتزجان في رأسيهما! تبحث يد كل منهما عن الأخرى. تلتقيان لتكونا يدا واحدة، يدا واحدة توضع غطاء من حنان على يد الشابة الجامدة. لم تكن اليد قد بردت بعد.



