مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية في (أصفاد) ليلى بو شمامة/أمجد توفيق/ كاتب وروائي

704000 111087729056157 1554326115 o

لم أكن أتوقع على الاطلاق أن اقرأ نصا مدهشا محملا بقيم جمالية نادرة كالذي كتبته ليلى بو شمامة باسم ( أصفاد ) ، فقد تعرفت على ليلى في مهرجان ثقافي في تونس وكانت من ضمن الكادر المشرف على المهرجان ، فتاة ذكية ، بعينين براقتين ، وحركة سريعة ، كنت أظنها صحفية ، أو ناشطة مدنية ، لكني فوجئت أنها كتبت عن أحد كتبي دراسة جعلتني أدرك أنها تحمل مخزونا معرفيا كبيرا ، وقدرة نقدية واضحة .
أرسلت المبدعة ليلى كتابها بصيغة الكترونية ، فعرفت من تعليق للسيد خضير الرميثي أنه كتابها الثاني وليس الأول .
تقول ليلى عنه أن كتابها مجموعة قصصية ، وأقول أن الكتاب يثير مسألة التجنيس بطريقة جدية .
يمكن عده مجموعة قصصية
ويمكن عده رواية عبر فصول مترابطة
ويمكن عده نصا حرا يستعين بقصيدة النثر ، وضغط الأفكار في مصهر الحكمة لينتج نصا ابداعيا يتمرد على التجنيس السريع ..
نص بعشرين دائرة
كل دائرة تبدأ بنص موحٍ ، مثل ( العطش لا يبدأ من غياب الماء ، بل من غياب الحق في الارتواء ) ، و ( بعض الشظايا لا تجرح الجسد ، إنها تترك ندبتها في المعنى ) ، و ( أقسى السجون تلك التي تتقن التنكر في هيئة نصيحة )
وبعد كل قول ، تنظم المبدعة ليلى قصيدة نثر تبدو مدخلا للحديث عن قيد معين .
هذه القيود أو الأصفاد تتحول في نهاية كل فصل من فصول الكتاب إلى دائرة حول المعصم :
الأولى من عطش.
الثانية من زجاج.
الثالثة من خيط.
الرابعة من حديد.
الخامسة من حفر.
السادسة من دم.
السابعة من نورٍ صلب
الثامنة من حبر.
التاسعة من صقيل أبيض
العاشرة من حجر
الحادية عشرة من رقابة مصقولة
الثانية عشرة من نفي طيني
الثالثة عشرة من ادانة رمادية
الرابعة عشرة من ميثاق مجبور
الخامسة عشرة من غربة فكرية
السادسة عشرة من شروق مهني
السابعة عشرة من خزف متصدع
الثامنة عشرة من ورق صقيل
التاسعة عشرة من صخر بركاني
العشرون من ذهب مسكوب
وكل دائرة من الدوائر العشرين تعلن قانونها أو فلسفتها ، فتسطر أحكامها المستنتجة وحسب كل دائرة ، فالمنع قانون ، والخرق ممكن ، الخرق يورث خيطا ، والخيط يقود إلى المفتاح .
الحفر يحتفظ بالاسم ، والدم يثبت الصرخة ، والنور الصلب يصنع الشموخ ، والحبر يبني الساحة البديلة ، النجاح يكسر سقف التوقع ، والحجر ينبت الإنسان ، الستر إذا صار مصيدة تحولت الحرية إلى سجن لا يرى جداره ، الاستقالة خروج عن النسق والمرارة ضريبة الجذر الذي يرفض المحو ، الصمت إذا صار محكمة تحولت النظرة إلى قيد يعصر النواة دون أن يلمسها ، وهكذا تعتصر الكاتبة كل دائرة لتحصل على رحيقها .
عبر لغة مشرقة ، ومفردات محملة بمدلولات تتمرد على المعنى القاموسي لها تحقق ليلي بو شمامة أهم قيم النص الإبداعي وهو القيم الجمالية .
لا أحد يفعل ما فعلته ليلى
عشرون قيدا يمكن أن تحول أي إنسان إلى إنسان مستلب الإرادة والدور والقيمة ، لكنها استطاعت بطريقة مدهشة أن تحول الأصفاد إلى سبيكة من ذهب تمنحها القوة والإرادة والفعل المعبر .
كل قيد يمنحها إرادة التحرر
فحين ينتصر الحبر على بياض الورقة تتحقق خريطة الوعي ، فيصبح سبيلا للمضي إلى المستقبل بعقل مفتوح .
تلك قدرة فريدة تعمل كما السحر في صنع سبيكة ذهبية من العقد والآلام والتصورات المسبقة وأمراض التنشئة الاجتماعية ، والأهم عذاب المرأة في مجتمع ذكوري لا يجد راحته وحريته إلا باضطهاد المرأة والاعتداء على وصفها كإنسانة مكافئة له في الدور والقيمة والفرص .
في جلسة واحدة قرأت ( أصفاد ) فتعززت لدي قناعة أنني أمام مبدعة تدرك ما تقول ، وتعرف كيف تقول ..
أصفاد نبوءة بميلاد مبدعة قادرة على ترك بصمة عميقة في المشهد الثقافي العربي ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة