أقف داخل جسدي / أطوف فيه / أحمله تحت همومي وأندفع خارجه بلا هدف / تتقدمني مساحات كامدة من لوحات الرمل المطبَّق بيوتًا وأزقة تنفرش مع أول صرخة لي في ضوء شمس نهاري ، وتُمحى قبل أن يغيب النهار / تضغط قدماي على تقاسيم اللوحات التي تراقبني ولا تتأوه / تنطفئ ذاكرتي فتنزلق منها أبجدية التلويح وأبجدية الأصابع وحتى أبجدية السجناء …
لستَ وحيدًا
نحنُ
وحيدون
تمامًا
أكتافنا المُطرِقة كهوف غائرة يتراكم صمتها وانكسارها في تجاويف أجسادنا لننسحق معًا ، فنشبه ضبابًا أسود لقشٍ محترق على قارعة طريق / أو ربَّما بدونا قارات مطفأة تتحرك لتصطف قرب بعضها ومع ذلك تظل تنغرز في هواء يفور .
هو يضحك مِلءَ عينيه من دمائنا المعروكة بفقرها وشحة قدرتها على الدوران حول ذاتها / يضحك / وتسترخي عروقه لضغط دمائه الثقيلة / أمواج … أمواج نراها من ضحكاته ترنُّ ايقاعاتها نازلةً على أرواحنا البدائية فتحاصرها في عاصفة أوحال مكتئبة تهبُّ وتهيل آثارها على دمائنا التي ماتت في ممراتها .
إذًا …
كيف نبدو ؟
طينًا قاعودًا ينتظر / مفضوح يتغطى بضباب بلا قرار / وحين يلتفتُ يجد ما حوله ركامًا من روث استقر في حدقات مقلوبة دافعًا بها إلى ابتلاع المزيد من روث مجفف مخبوء .
ودجلة ينساب ثقيلا بهمومه وأحزانه ونواياه ، وأحيانًا يتواطأ مع شواطئ مخادعة ، يتراكم عند جبهتها ومنزلقاتها ، فترمي به إلى إرباك مقصود تفتعله زواياها وثنياتها ، توقظ رغبات مُعلَّقة تدفع به إلى ما يشبه المسرَّة والرجفة / لا مبالية تنسحب الشواطئ لتستلقي بهدوء رشيق تاركة دجلة يرتكب هفوة انسياب بدا له غير مألوف ، زارعًا في نفسه شكًا أجفله حين رفع عينين تورَّم جفناهما باتجاه جرف الهاوية ، لتصطدم بأنفاس حارة تنسكب من فراغ وتجثم على الجرف / أنفاس ليس فيها من ثنية زائدة أو بروز هائم ينتقص من مرآها هابطة أو صاعدة / تشمخ بأبراجها ومطلّاتها المحفورة بتقويسات تنحني وتحدد الرغبة في عرض ما يختبئ خلفها من أنساق وتكوينات … بل وحتى هفوات ، الهفوات إيَّاها تتخذ من الأبراج زوايا معتمة تركن فيها بؤسها / عطشها / لحظاتها القادمات / لقالقها التي أبت الرحيل مع موسم الطيران ضد التيار / والغوّاص إيَّاه ما زال يحوم قرب أسرار دفينة لأسوار القلعة الغارقة رافعًا عصاه إلى أعلى لتطلَّ بنصف جسدها الرشيق عبر الماء …من أين يأتيه همس الخطر ؟
من الأعماق ؟
أم من خارج الماء ؟
يتكئ الماء … { أم الغوَّاص } على العصا مقترحًا هفوة إغفاء …
وأنتمي إلى التواءات الجياع / صراخي معتوه بلا أردية / ظلي ما يزال مركونًا إلى حائط قاتم ، تخط بصماته المتعرجة ثبتًا بجوع معاصر يستوطن جسدي … بل أجسادنا المفخورة بالقفر ، يتبعه تذييل وهوامش للبكاء / أجسادنا ومسيرتها اليومية المقدّسة ظلّت معبّقة بذكرى سلال فاكهة غارت من زمن ـ تلاصقَ على بعضه ـ في فجوة تعبى لعيوننا/ تنهال الرؤى مشوّهة في فوضى آخر النهار أو المساء / مساء فقد ابتساماته المرئية وانزوى منتحبًا بعد أن انثال مبعثرًا من الفراغ !
نحن بشرية معتمة / أيامنا معتمة / الرغبة الشاحبة والألم المسكون بنا معتمان ! بشرية شعثاء تقرع برؤوسها المدببة أجسادنا فتذكِّرها بمزاج أيام تكتظ بالقسوة والأخاديد / أحشاء للبكاء / أُخرى للانتفاخ من وهج ما يتراكم فيها وعندها من لامعات الأيام والأوراق والسبائك ؟
وما يزال
الجوع
جوع
يتحكّم ، فأنزلق إلى بؤرةٍ ما ، تنبع من تجويف ذاكرتي لأُمسك خيطًا يتراقص بلا حفيف / تتكل عيناي على سماء بنفسجية ، وهجها يدفع بخطوطه الرشيقة المنسابة لتلقي على طفولة ما ظلالا ذهبية / الحقل أخضر / أزرق / أصفر / الحقل مبقّعات ملوّنة تتألق وتندفع متطايرة مع ما يشبه طيارة تركن إلى قلب نابض في ظلِّ شعاع / الشعاع :
عرق الشمس المطرود من جبينها / يتكدّس ليهوي عبر ثقوب غيومٍ بدت الآن متعفنة / حاملا شارة صباحٍ أعجف يقاتل المساءات علَّها تشتعل ، فتفسدنا – نحنُ – الشموع الآدمية وتهوي بنا نحو انطفاء ينتصر على لهاث الحياة !
أفواه ماطرة / لعابها غبار داخن وآلاف شظيات ، تثقِّب القلب وتدفع الدخان والأيدي وأشباح الأُمنيات إلى فضاء أبله ، يلعن الأشباح االفضيّة المحكومة بأزرار لامعة وعقول سوداء/ يلملم آثار دخانها وحرائقها الفالتة من معابر رُسِّمتْ لها / يدفنها في توابيت عائمة / يلتفتُ لاستقبال نثار أحلام وأرواح تحرسها همسات الترانيم الواهية ، أو ربَّما هذيان الدمع وهو يدفع – بهوسٍ – يقظته إلى شفاه تنطبق وتنفرج / يتصاعد الهذيان لكنَّه يبهتُ متوقفًا عند بوابة شروق شمس تكسَّر دفؤها على مذبحٍ متثلجٍ ، تثلجَ ملامحه { هو } حين اخترقت – في تلك الليلة – عينه الوحيدة طلقةٌ وحيدة /عين قطعت بحقدها ملامح أيدينا / دفنتها في قلب شوكة متوهجة ، لتمزَّقَ حنانها وبياضها ، ثمَّ ترمي بها إلى كلاب عائثة على شاطئ ما … الدانوب أم دجلة ؟
كلاهما يبدو رماديا …
دجلة ما يزال يمنحنا ظهوره اللامع المترهل ، منطرحًا تحت رحمة شمس لامعة هي الأُخرى ، ويتوهجان !
لكنَّ يدًا ما تركن إلى أقفاله / تعابثها لتحقق انحساره عن أفواهنا وفق تقاليد وجداول أم هي أسراب عقارب تعلن نفيرها / نتراكض في ظل هبوبها / نكوِّم أحجارًا تعلو من نبض دمائنا ، من لمحات تواجدنا في بقعةٍ ما فوق الأرض ، نستقر / نكره أحجارنا لأنَّها استقرت علينا / نركض في شوارع مُغبرّة بلا هدف ، تاركين أبوابنا تُقرَع في منتصف ليلها …
هل تنفتح فتبدو مثل أفواه غافية في ظلِّ كلام أعزل ومعزول عن الشفاه ؟ أم تعاود انغلاقها وتركن كلامها إلى إغفاء عند رنين يدور حول ظلالها بنواياه دافئة الأنفاس ؟
رنين يصهل / يوقظ الدماء لتندفع إلى الخبايا والأركان / الزوايا المنسية ترفض الانطواء / تدفع جدرانها بانتظار سقف ما / يهبط بضيائه الأزرق أو ربَّما بوهج أحمر ، لا فرق ، حين يمرق الهبوط إلزامًا واشتهاءً / لينزلق عبر وميض يذهل العجائن المضاءة بنور الشمس المتسلل من شباك ما أو ربَّما معلَّقة من سقالات تُركت مضاءة لتبدو أنوارها العلوية مُراقة عند أطراف العجائن والنوايا المظللة بانتصاف الليل / مَن قال أنَّ الفحم أسود جامد كالليل ؟
الفحم مُلوَّن بدرجات من أزرق يتلالأ ويتوهج بالمذهل من الحياة / والليل فاحم … فاحم / وأفحموه علينا بقلوب سوداء تتغطى بجلود بيضاء .
اصغي إليها – عينيه – تبثُّ أمواجها المتوالية لتسم آذاننا بشاراتها كما يدبغ صاحب القطيع شارته على دوابه بالحديد المحمَّى برغبة الامتلاك / شارات تخدّر انعطافات جماجمنا وتشكيلاتها الممتدة بالتواءٍ لتنحدر عبر أجسادنا / أو ربَّما تحرق هذه الجماجم وتدفع بها إلى إقامة غبراء في زاوية مختلفة من الحياة !
ونحن طين رمادي قاعود !
وهذا وحيد أيضًا …
رمادي الانحراف نحو بؤرة لم تتسع لأحد سواه – لأنَّه أرادها هكذا – صداع وقلق يفوران في لحظته الحاضرة – الماضية العاثرة / وينغلق على بؤرته / لامعًا بدا ومتوحدا / آويًا إلى كنوزه المشرَّدة عبر صراخ عابث يداهم رؤاه لتصبح مقصوصات ترعد وتتناثر حتى السماء ، فيندفع الشك إلى بدء آخر وربَّما إلى اندحار يحمله على كتفين تحترقان بوهج السؤال :
لِمَ الحرف هباء !!
تقريبًا … توهجَ اسطورةً مثل عرّاف تجتاحه نبوءة / تفاصيل / مصائر / ومؤرَّخات تُحلِّقُ / ترسم أبعاده / تخادعه / فيرتكن إلى فراغ ليرقب الأقدار / أقدار تناؤي عينيه وتعلن ما دُوِّن في سطور ما / تدفعه رغباته العنيدة إلى تمردات تتخفى وراء الدمع / دائمًا تراه متخفيًا وراء عالم مبهرج النبرات / يدفع النتوء إثر النتوء إلى ما يشبه الترائب المتقدة ثمَّ يأوي زاحفًا إلى بؤرته الخانقة … أو … ربَّما إلى ثغور تتصاعد من التراب المنقوش بخطواته / خطواته التي تدفع مآثره المشوبة بالقلق والخداع إلى ضوء العيون الحارسة / هذه العيون / بحقدها تنبش ماضيه / وهو يستلقي في مأرضة ما / يتلقى النذور والبخور والدمعات / يتوسل انسلال الرقاد إلى جفنيه ، والرماد جوَّاب يبثُّ اثاراته إلى عيون أُخرى ثمَّ يأوي إلى انتظار بارد تمامًا … الرقاد ينساب مع الوقت أو ربما يبدأ الركض إلى عالم مزدوج يراوغ متغافلا عن قدميه الراكضتين / يحتضن افتراضاته – هو وليس الرقاد – يستنير بضوء شمعة فارغة تتقيح / ترمي بظلالها على مقاعد فارغة ترتعش / تنكفئ وتقوده إلى عتمة انكفاء …
ربَّما … أحيانًا … ينبش في مناطق ظلاله / ينبش في انكشافات أيامه ومقولاته / قانطًا متهالكًا يرنو عبر هالة النور المالئة لظلال أيامه / أيام طمست معالمها وركنت إلى صخرة كالحة تستعرض مبارياته / هزائمه / المصانة خلف ستائر مدوَّنات معلنة على صحف بيضاء أو سمراء لكنها الآن بدت رغبات صيّاد جائل لا تشبه رغبات مزارع مقيم / كيف تلتقي هذه وتلك ؟
احداهما مرسومة في عينيه ، والأُخرى تعلِّقه من أهدابه فيصبح مقيما / يتسلق مسلَّة الوقت / يشغله رحيل وجولان / أبدًا لم يكن راحلا نحو كومة نفايات محمومة تُعدُّ شايها متأخرًا ، ولا نحو أحجار يابسة يدفعها ولا تندفع / بل ربَّما كان رحيله إلى أرشيفات لأجساد ركبت حفنة من تراب لتصل إلى جسر مُعلَّق من عينيه المؤطرتين بنجاح فاحم ، ترقبان من ورائه طلوع الليل وانحسار الأقدام عن الشوارع ، وعند منحنى الطريق ينتهي السباق ، سباق فئران حافية تلاحقها رائحة رغيف متعفن / أقدامه / أقدامنا لا فرق مهدورة لما يشبه دخانًا يفوح من أعبائنا …
ها نحن …
عميان ، ونعدُّ نجومًا مصلوبة في لُجة عمياء !
{ عند الساعة التاسعة ليلا تنقطع الكهرباء ، وتغرقون في سواد ذاهل } …
تمتدُّ أصابعه – أبدًا لم يكن الليل – بل نديم الليل المؤرَّق حتى حافة الفجر ، إلى أوتار مشدودة الأمعاء لتُغنّي بنغمة أجراس دافئة دقّت في عراء الصمت ، وتعلن :
وحيد
وحيد
وحزني يرتشفه ما يشبه القمر ثُمَّ يوشحه بومضةٍ من ضيائه تشفُّ حينًا وتخفقُ كثيرًا لتعيش بل لتستمر بما يشبه العيش / هذا امتداد ليلة ساقطة في متاهة / لها ضوء صافن / ونجومها منكفئة تنتظر عودة كهرباء الصباح / الصباح يواريها / يمنحها ظلا وغفوة …
حزني رغيف خبزٍ مُعفّر بالظلمة والقهر / وعفونة سرداب تُعبِّئ عينيَّ بنوايا قط متخاذل متخاذل لم تعُد حدقته تلمع في عمق الماء / نواياه شاخصة – القط أم أنا – في اتجاه ما لم يفكر فيه بعد …
الساعة ، ورنين آخر …
رنين ثقيل يتدفق بانفلات محموم من قيد جهاز الهاتف ، الأسلاك تنقل اهتزاز أوتار صوتية معبقة بما يتخفى وراء المنطوقات / أو ربَّما وراء هوس مُتحرِّق لأصابع تُتقن تلمّس الأشياء / أُذني ذاتها تنازع فوق فُتات الوقائع ، ومجرى كلماتي يراوغ في مزالق حقلٍ زئبقي ما .
وأنت … وشمس الأصيل تدفع بحمرتها دفقة أثر دفقة الى جدران وقلوب … فتدميها باعثة ذكريات شمس سارت على أرض تبعثر أشياءها / تمدُّ بسيقان نرجسها الى فضاء مقبرة منسية، فينسى القبر ويدفع النرجس هاجس عطوره الى الأنوف …
والربيع … الربيع / أقدام تلاحقه / يلهث يستلقي عند أول البطاح ثمَّ يمدُّ وجوده ليغسل أصابعنا أو أصابع الشتاء الراحل وهو ينساب باكيًا أو لاهيًا الى دجلة …
إيَّاه (بحضوره الآخر):
تكوَّم على حافة طريقٍ ما مثل حفنة مسامير متعرجة ونشارة خشب أجوف / خابيًا / وحيدًا / يرى قاطعي الشجر الأخضر لاهين عن فؤوسهم المسنونة/ الأشجار غضة والمعابر غير مضاءة بنهار / النهار أعمى ويضيء الظهيرة بأصابع شمس خرساء أحرقت الهواء والرؤوس والسنوات الباردة والساخنة من عمر بشرية ما بعد الطوفان/ أو / ما قبل الطوفان، ومضت بلهاء تدور حول ذاتها لتمنح الأوتار شدًّا آخر ونبرات تتعثر عند انسحاق النهار/ تظفر النظرات والأحقاد والدماء ثم تركن الى هدوء مسلّات وأبراج/ مَن؟ النبرات أم أجنحة الخفافيش؟ تؤرِّق أجفان النهار بانتظار صراخات الثغور القابعة على وجه ليلٍ ما / وسيمًا هو الليل (بقدمين فارعتين)/ مثل مسلَّة في عمق رمال افريقية النبضات/ زوارق وغواصات وأنامل ترنو الى وهج الرمال ولا أحد يقترب/ مَن يغادر وجه الماء ؟
الشعاع الحارق يدمي وجه افريقيا البيضاء/ أم وجه طيور هائمة ترقب سماواتها الغائمات، ولا دموع / ينهار العطش ليتفضل بابتسامة . . . بعد بكاء.
في ضوء القمر نلتمُّ ، نتكاتف ، ننتزع أقدامنا عن وجه الأرض، نهبط معها ، نتقدم خطوة وننحرف يسارًا ضمن دائرة يزداد محيطها كلما اصطفقت الأَكفُّ وتلاقت الحناجر في هياج يتراقص/ الآن نكدح لكننا لا نعرف كيف نغني ونتقافز ويرافقنا القمر / لا نعرف كيف نحرث أراضينا بأظافر الفرح / الآن … الفرح مغدور دفن وفق مخططٍ ما في ذاكرتنا العميقة … بلا مجهود …
أنا لا ألتفتُ اليكم
انا ألتفتُ إليَّ … فقط … (خلسة)
وتصدني كوامني فلا أستطيع النفاذ اليها ، بل .. ربما .. ألتفتُ إلينا معًا / إلى وجوهنا التي نُحتت في زمن آخر / أجسادنا بلا بصمات ولا حتى تعويذة متسخة / عيوننا المروَّضة تندفع من ظلمة وجوهنا القفراء إلى ما يشبه الفراغ.. فألتفتُ …
ألتفتُ إليها شموس الحصاد الذهبي وهي ترشُّنا بشعاع يقرض أيامنا فتتمزق لترسو في أبداننا النائية عن ذواتها … ألتفتُ إليه (هو)- ما يزال وحيدًا تماماً – يثني أصابعه ويستغرق في تأمّل بارد: جماجمنا محشورة بتلافيف مُدجّنة لا تجتر ولا تهضم / تائهة ومقرورة تلك التلافيف مثل زواحف صحراء أصابها الضجر/ الاستلقاء ضجر/ الاستسقاء ينأى / الصحراء تلوب / تتنمر / لا تجد مفترق الطرق/ بل أين ملتقى الطرق؟
أين الماء؟
السراب؟
تلوي الصحراء عنقها وتستلقي ، يهاجمها سراب ما :
بذرة أول حفاة الأرض/ أول الفراشات/ أول الرغبات / هنا شمست / ثم غرقت بدماء آلهة عرفت كيف تنساب بانتشاء في عروقها لتؤذن بفوران شجر يمزِّق وجه الأرض ، يلهبها ، فتنبثق بذرة … بذرة / والشلال إيّاه يعابث الغابات، يركِّب لها طقوس الظهور والاختباء/ والصحراء كفُّ مفردة عزلاء قدرها أن تكون مقروضة الأنياب/ لا ثارات ولا كوابيس/ وجِمالها جرباء تتقاذفها هيجاء الظهيرة فتوقظ الاشتعال والمرارة معًا / نداء يتشبث بنداء ولا يغادر لأنَّها مقلوعة اللسان، مُشوَّكة الحنجرة تنزوي وتتوارى في ظل زحام الأحلام/ لماذا تُعاديها الأحلام ؟ لماذا تظل غارقة في ظلال أوحال ناشفة ، تتحرق بحثًا عن قطرة ماء . . أو حنان؟ لا فرق لأي منهما تكون اللمسة والظلال كلاهما نثار من رماد بركاني يتغلغل بلا انتظار إلى خلايا عينيها / لعنة وجدت إليها منفذًا بعد أن ظلت تتخبط في تيهٍ ما، بالضبط مثل تخبط أصابعها وهي تعانق لوحاتها المنسوجة بالأزرق الفاتح والبرتقالي / قدح الماء في غرفة نومها ساكن كما غادرته أصابعها، وغادرت هي بهدوء الرمل المقتول المتشظي على جسدها / لوحة الرمل أم لوحاتها الأخيرة تكاملت بقطرات الدماء ؟ وقمر ذلك الشهر خجلا توارى من عتاب عينيها الصاعدتين نحو الرحاب / شؤمًا كان قمر تلك الليلة / ينزوي في فضاء مقرفص عند أبواب سماء تتوهج ما بين لحظة انفجار صاروخ أو انفجار روح.
ألا ترون !
قوّال فعّال هو الرمل حين ينكبُّ على رفوف الأجساد أو رفوف المكتبة إيّاها وثناياها مبتهجًا بآثار أصابعنا المرسومة بدقة على أفكارنا المرصوفة على الرفوف / الحبر والرمل يلتقيان تماماً ويتآلفان.
وحيد
وحيد
أنشرخُ من قدميَّ إلى قلبي وأنا أراها اشراقاتنا صارت زوابعًا من غبار دائبة الزحف، مشدوهة الروح، تكاد تغادر من وجهها عيناها / اشراقاتنا تشبه ألغامًا كروية تندفع في قوارع الطرقات مأزومة تبحث عن انفتاح / الآن / نشرب ماء عكرًا ونغتسل بغبرة الدخان … ثم ننتزع جلودنا وحناجرنا ونحاكم العالم…
الآن :
نحن مصابيح سوداء تضيء أزمنة آتية/ توهِّجها / وتدفع النظرات المتوحشة إلى ظلمة فراغ مصلوب بين مسمارين يتنازعان / ليزحف الأنين اليها – تلك النظرات – ويدفع بها إلى ليل ما لتتعذب فيه .