سلطان ✒️ شفيق بن بشير غربال / صفاقس- تونس

هل كانت تسميته بسلطان تبرّكا بحصان جواد عربيّ أصيل لم تخالط دماءه دماء أنڨليزية أصيلة أم تيَّمُنا بمولاه وليّ نعمته الحاكم بأمره !؟ مهما يكن من أمر فإنه سلطان وكفى .. نعم سلطان ولو دون سلطة كما يُخوَّل البعض للوزارة دون حقيبة وزارية ! ..إشكالية عالقة بين الدالّ والمدلول .. بين الشكل والمضمون .. بين أن تكون أو لا تكون .. وما أكثر إشكالياتنا العالقة !..
كبر سلطان تبهره السياسة ، و تستهويه الرئاسة ، ويحذر أن يُداس ككُناسة َالكناسة ِ.. ولم يغب عن وعيه أن الداخل مفقود والخارج مولود ؛ فلبس لكلّ مرحلة يمرّ بها لُبوسها وأعدّ لها ما استطاع من معرفة ، وأخذ العلمَ بقوّة ، فصفا له الذهن ، و خلا له الطريق ممهّدا ، و طفق يخصف من ورق المعارف ليستر عورات ظهرت و أربكت و أعاقت السّير والتّقدّم ..
” أنا السلطان .. أرى ما لا ترون وأهديكم سبيل الرشاد ” . هكذا انبرى يخطب في الناس لا يخشى في الحقّ لومة لائم .. كان يراهم في مرآته ظلاّ لعود أعوج يلزمه تقويم وفي جرابه ما يصلح لهذا التقويم ..
تمكّن سلطان من عصا السلطان ..هي ليست كعصا موسى تنقلب حيّة تسعى ، وليست كعصا الحكيم يتوكّأ عليها ويهشّ بها على بنات أفكاره .. بل لعلّها مثل منساة سليمان قبل أن تنخرها دابّة الأرض .. عصا السلطان ليست من الأبنوز ولا من الصندل ولا من حطب الزيتون ولا من شجر التوت تُتَّخَذ للوقاية من العين والحسد .. هي عصا الفكر تهدي و تقطع مع شعار ” العصا لمن عصى ” ، وتؤسّس لنظرية ” الجماهيرية ” حيث يحكم الشعب نفسه بنفسه تحت غطاء يظلّله وينقذه من الضلال . أدرك سلطان صاحبُ السلطان أن عصاه ليست كعصا موسى يهش بها على غنمه ، فشعبه ليس قطيعا كما أرادوه أن يكون من قبله .
استمرأ سلطان مشاقّ السّلطان و عزم على التطهير والإبراء من الدّنس السّياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والتربوي ّ.. آمن بنظرية ” الهدم ثمّ البناء ” تدعمها نظرية ” الشعب يبني ذاته بذاته مع التأهيل للمهمّة ” ونظرية ” التّوقّي من المؤامرات والتّربّص بها ” .. حسُن ظنّه بأفكاره ونواياه ، ولكن ، ما أيسر الإيمان بالنظريات وما أشقّ تطبيقها على أرض الواقع !
اصطدم بجُدُر لا يخالها إلا كجدار برلين لم يلبث أن هُدِم لأنّ إرادة الشعوب لا تُقهر . جُدُر يراها أوْهَن من بيت العنكبوت . ” أحبّك يا شعب !” عبارة مزلزلة آمن بها قولاًوشاقتّه فئة من الشعب فعلًا ، عرقلت مسيرته و حاولت تجفيف منابع التّطهير و زرعت طريقه حُفَرا و أشواكا . لن يستسلم أبدا .. هكذا جُبِل على التحدّي وكسب الرّهانات ، وبالنّسبة إليه لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنّة والنّار . شعارُه ” اليومَ اليومَ وليس غدا ” و ” من نام لم تنتظره الحياة ” .
حاربوه ، وأنّى لهم الوجاهة وهم يشنّون حربا تلو الحرب على بلادهم ويطوّقونها بسلسلة من الأزمات والخيبات بهدف أن يطيحوا بسلطان و يفتكّوا منه الصولجان و يستمتعوا بالجلوس على كرسيّ العرش . يعدون بجنة قطوفها دانية تجري من تحتها الأنهار . ويقدمون وعدا بذلك صكوكا ممضاة على بياض . حتّى تحوّلت بعض المنابر الى خطابة مزجت الدين بالسياسة ووظّفت الآيات والأحاديث للمُحاجّة بما يخدم صفّهم و ويُضعف خصومهم ويصوّرون ببلاغتهم المطنعة أنهم حزب الله وأنّ خصومهم الألدّاء حزب الشيطان .
هذا ما ابتلِي به سلطان من أدران السّلطان ، قليله يمرّ بطعم المُرّ ، وكثيره قروح تعمّق الجروح والوطن من ذلك نازف مجروح .



