رحيل فاروق هلال: الباحث عن أفق جديد للموسيقى العراقية/علي لفتة سعيد

لم يُشيَّع الموسيقي العراقي الراحل فاروق هلال، الذي وافته المنيَّة قبل أيَّامٍ في أحد مستشفيات بغداد، كما يجب. فقد كان تشييعه فقيرًا، يمشي خلف جنازته بضعة شخصيَّاتٍ من أهله وبعض أقاربه، ولم يُغطَّ النعش بالعلم العراقي كما يفترض أن يكون لهكذا شخصيَّات. فالفنّان الراحل أُطلق عليه أكثر من لقب، فهو صانع النجوم ومكتشف المواهب، حيث كان يُقدِّم ويُعدّ برنامجًا تلفزيونيًّا هو الأشهر، “أصوات شابَّة”، الذي ساهم في إبراز واكتشاف جيلٍ كاملٍ من روَّاد الفنّ والمطربين الشباب، كما لقّب بفيلسوف الموسيقى العراقية، لتميّز ألحانه وأسلوبه الموسيقي الفريد الذي أثرى الأغنية العراقية الحديثة.
فاروق هلال، الملحّن الذي فارق الحياة عن عمر 91 عامًا، قضاها وأصابعه تداعب الأوتار… وقد غيَّر البنية اللَّحنيَّة بقدرته على التعامل مع المقام العراقي والإيقاعات المحليَّة بطريقةٍ متطوِّرة، إذ حافظ على الخصوصيَّة الموسيقية العراقية، وهو من أدخل عناصر جديدةً ساعدت على وصول الأغنية إلى جمهورٍ أوسع. وهو من حافظ على التراث وطوَّر موسيقاه.
فاروق هلال المالكي مطربٌ وملحّنٌ عراقيٌّ من مواليد بغداد عام 1935، بصْريّ الأصل. تخرَّج من معهد الفنون الجميلة عام 1957. وعام 1959، سجَّل أوَّل أغانيه في برنامج “ركن الهواة”، وكانت بعنوان “عالبال”، وحقَّقت نجاحًا طيِّبًا. لكنَّه وجد نفسه ملحِنًا أكثر من كونه مطربًا، فترك الغناء وتفرَّغ للتلحين. في عام 1975 عُيِّن رئيسًا لجمعية الموسيقيين العراقيين، كما شغل منصب الأمين العام لاتحاد الموسيقيين العرب.
قدَّم هلال أكثر من 50 أغنيةً عاطفيةً لمطربين عراقيين وعرب. ومن أشهر ألحانه: “خطار أجانا العشك”، و”كالولي راح ومشى”، و”تعاليلي”، و”علَّمني عليك” التي غنَّاها المطرب الكويتي عبد الله الرويشد، و”سألت عنك” التي غنَّتها مائدة نزهت.
قدَّم خلال فترة الثمانينيَّات برنامج “أصوات شابَّة” الذي تخرَّج منه عدَّة مطربين عراقيين، ولُقِّب بصانع النجوم. ظهر في هذا البرنامج مطربون مثل: محمود أنور، وكاظم الساهر، ومهند محسن، وهيثم يوسف. وفي عام 1993م أصبح نقيبًا للفنَّانين، وعاد بعدها للغناء، وقدَّم أغنيةً للمنتخب الوطني العراقي، واشتهر فيما بعد بأغانيه الوطنية والرياضية. ونال العديد من الجوائز المحليَّة والعربية والعالمية.
الانقلاب الموسيقي
لم يكن فاروق هلال ملحّنًا يكتفي بما أنجزه طوال أكثر من ستّة عقود، بل ظلَّ حتى سنواته الأخيرة يبحث عن أفقٍ جديدٍ للموسيقى العراقية والعربية، مؤمنًا بأن الإبداع لا يتوقّف عند حدود التجربة، وإنما يبدأ منها.
ويستعيد الكاتب طه جزاع جانبًا من شخصية هلال، مؤكّدًا أنه ارتبط بذاكرة الأغنية العراقية الحديثة في زمنٍ “كان فيه اللّحن جزءًا من وجدان الناس، وكانت الأغنية تحمل شيئًا من ملامح العراق وروحه وأفراحه وأحزانه”. ويصفه بأنه كان “متدفقًا وعفويًّا وصريحًا، محبًّا للحياة والفن، ولم تُفقده السنوات حيويته، بل زادته رصانةً وإصرارًا على التجديد، حتى بدا وكأنه ما يزال في بداية رحلته الفنية”.
ويشير جزاع إلى أن عودة هلال إلى “بغداد بمطلع تشرين الأول/ أكتوبر عام 2021، بعد غيابٍ دام ثمانية عشر عامًا، لم تكن عودةً عادية، إذ استقبله محبّوه بحفاوةٍ كبيرة. وخلال تلك العودة تحدّث بحماسٍ عن مشروعٍ موسيقيٍّ جديدٍ وصفه بـ’الانقلاب الموسيقي’، كان يطمح من خلاله إلى تتويج خبرته الطويلة بابتكار آلةٍ جديدة تجمع بين العود العربي وآلة التشيللو، وأطلق عليها اسم ’العود تشيللو’”. وتابع أنه “لم يكتفِ بالفكرة، بل دوّن بخطِّه أربع صفحاتٍ شرح فيها تصميم الآلة الجديدة ودوزاناتها، وما تمنحه من إمكاناتٍ أوسع في الطبقات الصوتية والانتقالات اللحنية، في محاولةٍ لتوسيع آفاق الأداء الموسيقي العربي”.
ويرى جزاع أن هلال “ظلَّ حتى أيامه الأخيرة يسأل ويجرّب ويقترح ويحلم بمستقبلٍ أكثر تطورًا للموسيقى العربية”.
“كان مؤمنًا بأن الإبداع لا يتوقّف عند حدود التجربة، وإنما يبدأ منها” |
من جانبه، وصف الملحِّن كريم هميم الراحل بأنه “معلِّم الأجيال وأستاذ الأساتذة”، مؤكدًا أن الساحة الفنية العراقية والعربية تشهد بإسهاماته الكبيرة في صناعة الأغنية الحديثة واكتشاف المواهب. وأضاف أن هلال كان “قائدًا للحركة الفنية الشبابية وصانعًا حقيقيًّا للنجوم، وأنه منح الفن العراقي عمره وصحته ووقته وجهده من أجل أن تبقى راية الفن الملتزم مرفوعة”. ولم يُخفِ هميم أسفه لما عدَّه تقصيرًا في حقِّ الفنان الراحل، منتقدًا بعض المسؤولين في الدولة ووزارة الثقافة والنقابات والجهات المعنية، فضلًا عن عددٍ من الفنانين الذين كانت بداياتهم على يديه، معتبرًا أن فاروق هلال كان “شجرةً عشنا تحت ظلها الوارف سنواتٍ طوالًا”، وأن ما قدَّمه للأغنية العراقية “يستحق تقديرًا يوازي حجم عطائه وإرثه الفني”.
المدرسة الهلالية
يرى الفنان والباحث الموسيقي رياض محسن المحمداوي أن رحيل فاروق هلال “يمثّل نهاية جيلٍ استثنائيٍّ من روّاد الأغنية العراقية”، مؤكدًا أنه برحيله “تنطفئ آخر شموع جيل العمالقة الذين أسهموا في صناعة الأغنية العراقية والارتقاء بها عبر عقودٍ طويلةٍ من الإبداع”.
ويصف المحمداوي هلال بأنه مؤسِّس “المدرسة الهلالية في الأغنية العراقية الحديثة، وأحد أبرز الملحِّنين الذين أسهموا في رسم ملامحها الفنية، حتى استحق ألقابًا مثل ’المعلِّم الكبير’ و’فيلسوف الأغنية العراقية الحديثة’، لما امتلكه من رؤيةٍ موسيقيةٍ أسهمت في ترسيخ هوية الأغنية العراقية وتطويرها”. ويؤكد أن الراحل ” خلّف إرثًا فنيًّا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الفن العراقي والعربي، بوصفه أحد أبرز رموز النهضة الموسيقية العراقية في العصر الحديث”.
التشييع الفقير
كما ذكرنا أعلاه، لم يحظَ فاروق هلال بتشييعٍ يليق بمكانته الفنية وتاريخه الطويل، إذ اقتصر المشهد على حضورٍ محدود، وهو ما أثار موجةً من الاستغراب والانتقاد في الأوساط الثقافية والفنية، ولا سيما مع غياب العلم العراقي عن نعشه، رغم ما قدّمه للأغنية العراقية طوال عقود.
الصحافي الفني عبد الجبار العتابي عبّر عن استيائه بلغةٍ ساخرةٍ ومُرّة، مستهلًا حديثه بالقول إنه كان “يظن أن فاروق هلال عراقيّ، يعني (مصلصل من عمّه وخاله)”، بحسب التعبير الشعبي العراقي، قبل أن يضيف بسخريةٍ لاذعة أن جنازته أوحت وكأنه “لا يستحق تشييعًا، ولا أن يوضع العلم العراقي على تابوته”.
ويمضي العتابي في توظيف السخرية السوداء لاستعراض مسيرة الفنان الراحل، مشيرًا إلى أنه من “عشيرة بني مالك البصْرية، وأن رحلته الفنية بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي” متسائلًا بمرارة عن المفارقات التي رافقت حياته، فقد “درس في معهد الفنون الجميلة الذي أُسِّس في العهد الملكي، وغنّى في مرحلة عبد الكريم قاسم، ثم مُنع من الغناء في عهد الرئيس أحمد حسن البكر وهو في ذروة عطائه، بسبب مظهره الشخصي، ليستعيض عن ذلك بالتلحين ويواصل تقديم أعمالٍ أسهمت في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز ملحني الأغنية العراقية”. ويذكّر العتابي بالأغنية الوطنية الشهيرة “منصورة يا بغداد” التي ما زالت تُردَّد في المناسبات الوطنية، إلى جانب أغنية المنتخب العراقي لكرة القدم “هكذا يلعب المحاصرون” والتي ارتبطت بسنوات الحصار، وأغنية “بلدي” التي عبّر فيها عن انتمائه للعراق.
ويختتم العتابي تساؤله بالإشارة إلى أن رئيس الجمهورية نعى الفنان الراحل بوصفه “أحد أبناء العراق”، متسائلًا، إذا كان “الأمر كذلك، فلماذا لم يُغطَّ تابوته بالعلم العراقي، ولماذا جاء وداعه أقل من المكانة التي استحقها في ذاكرة الفن العراقي؟”.



