📰 آخر الأخبار
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

تخييل وحقيقة أو رواية الأصل : فرويدودوستويفسكي – ترجمة : الحسن علاج

لاشك أن عبارات الكاتب تعتبر أفعالا 1 .

paul laurent assoun 1

    لقد أدركنا اللحظة حيث نكون قادرين على استخلاص ال” دروس “من مواجهة الأدب هذه إلى التحليل النفسي على صعيد أوسع وأكثر أصالة . يتعلق الأمر في واقع الحال بالعودة إلى منبع ال” عملية ” الأدبية .

    إن الخلق الأدبي Dichtung) ( هو قطعا وبشكل جذري ” تخييل ” مكتوب ،يسمح بحمل ” حقيقة ” إلى التعبير ، والتي في غياب هذا التخييل تظل حقيقة مرتجلة .

   لكن ال” لاشعور ” ـ في معناه التحليل نفسي ـ هو ، عموما ، هذا ” اللاواقع ” ( المحسوس ) الذي يحجب محتوى حقيقة ( ” واقع ” يسمى واقعا ” نفسيا ” أو استيهاميا )غاية في الأهمية .

   كيف يمكن إذن تصور التمفصل بين ذينك ” الوضعين ” ـ تخييل مزدوج لحقيقة ما ـ ثم ما الذي يمكن أن تقوله الحقيقة الثانية عن الأولى ؟ ما الذي يمكن أن تضيفه الأولى إلى الثانية ؟ هل ثمة نواة حيث التخييل والحقيقة يلتقيان ، هنا وهناك ، ضمن ” حرفية ” ( أدب ) و لاشعور ” ؟

   حينماأعلنفرويدبأن ” عبارات الكاتب تعتبر أفعالا ” ، فقد أحاط علما ، تماما ،بكون أن التخييل يعتبر تحققا في حد ذاته ، إقبالا لوضع معين من الحقيقة . فكيف يمكن موضعتها بالنسبة لحقيقة التحليل النفسي ؟

  • تخييل وحقيقة : كتابة ولاشعور

    شعر وحقيقة : يحيل هذا الزوج من المفاهيم إلى كتاب مذكرات غوته ـ Dichtung und Wahrheit 2  ـويشير في الوقت نفسه إلى مشكلة عظمى للإستثيقا الأدبية ، التي ورثها التحليل النفسي بطريقته الخاصة . إن الخلق الأدبي ، هو ذلك التخييل الذي ـ يوجد في خلاف مع الواقع وفي توتر مع الحقيقة ـ ومع ذلك فهو ينجب حقيقة أكثر “سموا” ، وربما واقعا ” يبدو حقيقيا إلى حد كبير ” ! 

    بالإمكان الاعتقاد بأن التحليل النفسي يعزز فهم ال” تخييل ” على حساب الواقع ، بالتشديد على ” تحويله إلى استيهام ” . على أنه ينبغي ، من جهة ، أن نضيف فورا أن فرويد لم يكف عن التأكيد على متطلبات الواقع الذي يمارس ضغطا على إنتاج هلوسة الكاتب ثم إن ” الاستيهام ” هو ، من جهة أخرى كشف لل” حقيقة “، تلك التي تنبثق عن اللاوعي . وبعبارة أخرى ، فإن الإدراك الفرويدي للأدب يعتبر إدراكا لكل شيء إلا أن يكون ” تخييليا ” : دعونا نفهم أنه لا يفهم بأي حال من الأحوال الإبداع الأدبي مثل ” لعبة خيالية “، مع ما يتضمنه المصطلح من اعتباطية .

إنه وضع آخر للحقيقة .

    بالإمكان اعتبارها رمزا هذه اللحظة حيث رجل الفئران ” يسترعي الانتباه ” إلى فقرة من كتاب مذكرات غوته ـ يتجنب فيه الشاب غوته  لعنة غرامية ، تقبيل ” حبيبته فريدريكا ” ـ اقتران استيهامي شخصي يحثه ، في هجمة ، على الإشباع الشبقي الذاتي 3 : هناك ، ” يصطدم ” ” استيهام “القارئ بالاستيهام الذي يرويه النص ، يتحقق فيه من الحقيقة بطريقة أكثر فعالية ! ” تخييل ” مزدوج ينتج  “تأثيرا للحقيقة ” …

    يُلاحظ أعلاه إلى أي اتجاه تقود فرويد أذواقه الأدبية . على أنه ليس من قبيل الصدفة أنه أثناء كتابة دراسته حول موسى والتوحيد ـ حيث تم طرح مسألة الواقع التاريخي ـ تناول بالدرس ” مشكلة الحرية الشعرية فيما يتعلق بالواقع التاريخي ـ مشكلة  عظمى للفنون الشعرية الحديثة . قدم لهافرويد جوابا حاسما ، قائلا أنه ” في هذا المجال ” ، لابد من باب أولى يعتبر محافظا ” : ” على الكاتب أن يتقيد بالواقع عندما يكون راسخا تمام الرسوخ ثم ينزلق إلى الملكية العامة 4 ” . علاوة على ذلك لابد من الإضافة على الفور :” لاشك أن الكُتاب لا يتقيدون في كثير من الأحيان بتلك القواعد … على أنه في أغلب الحالات ، لا يدركونها ” .

   إن ما يشير إليه فرويد هنا ، هو شيء أكثر بكثير من الاهتمام بمعلومة و ” واقعية ” تاريخية : وبالتأكيد فإن ال” حرية الشعرية ” تعتبر فاصلة في الخلق ، لكن كل شيء يمر كما لو أن كثافة نشاط التخيل كان يتوجب عليها مواجهة كثافة الواقع الخارجي في العمل ( ” التاريخي ” ) ، التي ينبغي عليها تضمينها في التخييل . وبعيدا عن أن تكون الحرية الشعرية ابتكارا اعتباطيا ، فهي مهارة لدعم المشهد الشعري واستنادها على الواقع في نفس الوقت  ـ محققة من خلال ذلك نوعا من الواقعية المتفوقة : ” فهم ثاقب ” على ضوء مراكمة ” المعطيات ” .

   ربما تكون قلة الاهتمام بالواقع مرافقة بالضرورة بقصور في فعالية البناء الخيالي : هذا يثبت أن ” الاستيهام ” ليس هو الخيال بمعنى الهروب من الواقع ، بل الاقتراب ، عبر المشهد الآخر من ذلك الواقع .

   مثال جيد يقدمه استعمال فرويد ، في دراسته حول ليونار دو فنشي ، ل” الرواية التاريخية ” التي كرسها الكاتب الروسي ميرجكوفسكي Merejkowski) ( له 5 . وقد غذى هذا الأخير تخييله بتوثيق قوي ، مانحا لهذه المادة ” تعبيرها التشكيلي ” . كما أن فرويد  يحيل على الشاعر Dichter)  (  لما يؤكد هذا الأخير معرفة من تكون كتارينا ، والدة ليونار ، التي تلعب دورا مهما للغاية في تأويله الخاص .

  • عبقرية وعَرَض : ” حالة دوستويفسكي ”

حينما تصدى فرويد ، ، حوالي عشرين سنة بعد قراءته لجونسون Jensen) ( ، لكاتب من حجم دوستويفسكي ، فإن موقفه كان مختلفا للغاية . ألا يفتح مساهمته حول دوستويفسكي وقتل الأب بواسطة تمييز هائل : ” بإمكان المرء أن يميز في ثراء شخصية دوستويفسكي أربعة مظاهر : الكاتب ، العُصابي ، الأخلاقي والمذنب 6 ” ؟ يتمخض استدعاء التنوع هذا ـ الذي يشير منذ البداية إلى ” أقنعة ” ـ عن طريقة مدهشة ل” توزيع ” أول ” دور ” : ” أيضا ثمة قليل من الشك قدر الإمكان بخصوص الكاتب ، فمنزلته ليست بعيدة عن شكسبير … للأسف على التحليل إلقاء الأسلحة أمام معضلة الكاتب ( قبل معضلة الشاعر ) ” .  

   سوف يذهلنا هذا الإثبات بدرجة أقل بواسطة محتواه ـ نتذكر تحفظات فرويد على عجز التحليل النفسي عن الكشف عن سر الخلق الأدبي ولغز الشاعر  ـ بقدر إذهاله لنا من خلال شكله : في حين أن فرويد قام في ما تقدم بحصر الشروط اللاواعية للإنتاج الشعري ، ويبدو أنه يتخلص من دوستويفسكي ككاتب من أجل تسليط الضوء على ” جوانب ” أخرى ، ” مرضـ “ـه خاصة .

    يتعلق الأمر ، والحالة هذه ، بعمله ـ وبوجه خاص الإخوة كارامازوف ـ الذي سيشكل موضوعا في هذا النص . وهو يعتبر علاوة على ذلك ـ لابد من التذكير بذلك ـ فقد ظهر نص فرويد كدراسة افتتاحية لإصدار حول ” شكل الأصل ” لرواية الإخوة كارامازوف 7 . وهو بالإضافة إلى ذلك من أجل تقديم جواب لطلب المحلل النفساني إيتانغون Eitingon) ( المفتون بدوستويفسكي وشيستوف Chestov) ( ، وقد اتخذ فرويد على ما يبدو قرارا في هذا الهجوم ( فلابد ، قطعا ، من ” راع ” ! ) في هذا المجال .

    وسوف تكون لدى فرويد خُلسة أخرى ، مع ظهور دراسة ماري بونبارت Marie Bonaparte) ( حول إدغار ألان بو سنة 1933 ، كي يؤكد مجددا الطموح وحدود الإضاءة السيكوبيوغرافية : أشاد باقتضاب لكن بصرامة ب” ضياء التحليل النفسي ” ، وهو يكشف على حين غرة عن ” كاتب عظيم ”  ، ذي استعداد مرضي ” ، يسمح بفهم ، عن طريق عمله ثم تحديدها بواسطة خاصيات الإنسان ” ، بل أيضا كم أن هذه الأخيرة كانت هي ذاتها ” تأثير روابط قوية للأحاسيس والأحداث المؤلمة لفترة طفولتهالأولى 8 .  يحمل العمل إذن أثرا ـ في ما وراء ” مزاج المؤلف ” ما قبل التاريخ الطفلي الذي جعل ممكنا الاستعداد المرضي والكتابة في الوقت نفسه .

يحتفظ العبقري بسره ، لكنه يخون نفسه في عَرَضه .

    بعد ذلك يأتي الوضوح ، الذي يحيل على منطوق الدراسته حول دوستويفسكي : ” مثل تلك الأبحاث لا قدرة لها على تفسير عبقرية الكاتب ، لكنها تشير إلى الدوافع التي أيقظتها وإلى الموضوعات التي ألزمته بمصيره ” ـ الشيء الذي يمنح هذه ” الجاذبية الخاصة ” ل” دراسة قوانين الحياة النفسية للإنسان بخصوص أفراد مرموقين ” . لقد تم قول الأهم بدقة شديدة : ليس ثمة شك في ” تفسير ” لعبقرية الإبداع الأدبي ، إلا أن هذه الأخيرة سوف تظل [العبقرية]  في سباتها ما لم يتم ” إيقاظها ” من خلال ” دوافع ” ـ مؤثرات ، رضات بدائية ـ التي علاوة على ذلك تفرض عليها حتمية ” مادة ” إبداعها .سوف لن يستطيع المرء قول أي شيء عن ” موهبة ” بّو Poe) (ـ أكثر من غوته أو دوستويفسكي ـ ، لكن بإمكان المرء من خلال الدراسة التحليلية ، فهم ما الذي صنع موهبة الكاتب انطلاقا من ” العَرَض ” . ليس الكاتب حرا في معالجة هذه الثيمة أو تلك ، ولا هو حرا في اختيار أن يكون هو ذاته ، موضوعا لقصته . فبدلا من تطبيق علم النفس على الكاتب ، فإن الأمر يتعلق ، عبر الكاتب ، بإغناء علم نفس ( ” الأعماق ” ) .

    فمع دوستويفسكي ، يدرك فرويد أنه ينبغي عليه التصدي لواحدة من تلك ” الطبائع المَرَضية ” التي يمكن أن تغترف في صراعها العميق من المصادر الاستثنائية لإبداعها . ومن المثير للاهتمام ملاحظة اعترافه بثيودور رايخ :

   أنت على صواب في اعتقادك إنني في واقع الأمر لا أحب دوستويفسكي وذلك بالرغم من كل إعجابي بعمقه وسموه . فلأن صبري على الطبيعة المَرَضية قد نفذ من خلال تحليلاتي . فأنا لا أتحملها لا في الفن ولا في الحياة 9 .

    بناء على ما قيل اللوم الموجه إلى الروائي على اكتفائه ب” دراسة الحياة النفسية غير السوية فقط ” وأشكال الحب المازوشية .

    ثمة هنا طريقة ساخطة عمدا للإشارة إلى تضامن مرضية الرغبة والابتكار لدى دوستويفسكي . إن النقاش حول تشخيص ” مرض الصرع الهستيري ” لمؤلف الإخوة كارامازوف يضطلع بدوره . يكون النقاش موجها أساسا إلى أن يسقط عن الصرع المفترض خاصيته الضرورية والكافية في التفسير : وبالمقابل فهو يعتبر ” عرضا لعصابه 10 ” . تسلط ظروف ” نوباته ” المذهلة الضوء على خاصيتها المتقطعة ـ ندرة طيلة سنوات سجن الأشغال الشاقة ـ ودلالتها : إنها تحيل على معيش موت وشيك يكشف فرويد عبره عن التعبير الانتيابي proxystique) ( للإحساس بالذنب اللاشعوري ، الذي يصدر عن أمنية عنيفة للموت حُيال الأب ـ حيث يدرك بأنه يتميز بالشراسة وكان يتوجب عليه أن يموت موتا عنيفا .

    تتغذى ال” طبيعة المَرَضية ” لدوستويفسكي على هذا المصدر ـ قسوة وعنف الرغبة في موت الأب والعقاب الذاتي ، المصحوب ب” إشباع مازوشي ” ـ وحتى مع مؤشر ( ” شعور ” ) بفرحة عارمة منتصرة . كل هذا سوف يستنفد في نوبة من طبيعة هستيرية لمن كان فرويد يلاحظ أنه ” يحس بالضياع أمام ظاهرة الحب ” .

    ضمن هذا السياق ، ثمة عَرَض آخر يلوح في ” حالة دوستويفسكي ” : إنه ” شغفه بالقمار ” 11 ، معروف جدا وخاصة من خلال الوثائق المنشورة بواسطة فولوب ميلر Fulop-Miller) ( ، دوستويفسكي ولعبة الروليت .

    إن مقاربة فرويد متميزة تماما : متسائلا عن دلالة هذا ” الإدمان المَرَضي على القمار ” ـ في حد ذاته وعلى وجه الخصوص لدى دوستويفسكي ـ ، سوف يقوم فرويد بفتح ثغرة تعتبر ثغرة بالنسبة لنا غاية في الأهمية على فعل الكتابة .

   إن ما يتم تحديثه ، هو جدلية إشباع شبقي ذاتي والذنب اللاشعوري ، بوتقة مازوخية سوف تقود الشغف بالقمار إلى الشروع في كتابة نوع من ” الشغف بالأب.

   الأمر الأكثر غرابة هو أن ذلك لن يتم تحديثه إلا من خلال تقاطع بين عمل دوستويفسكي ونص لزويغ Zweig) ( يبدو أنه ” جاء في حينه ” من أجل كشف عنصر ” المقامر ” . فلابد إذن من أن نلزم أنفسنا بهذا المنعطف من أجل ” استهداف ” أفضل للمقامر الكاتب دوستويفسكي .

ج. من الشغف بالقمار إلى فعل الكتابة :

زويغ مع دوستويفسكي

……………………………………………………

العمل. أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة

  تشكل أقصوصة أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة 12واحدةمن بين ثلاث قصص طويلة نشرها استيفان زويغ (1881 ـ 1942) تحت عنوان غموض المشاعر سنة 1926 . سوف يظهر النص إذن حينما قام فرويد بإعداد قراءة له ” على وجه السرعة ” إلى حد ما . وتحمل الأقصوصتان الأخريان هذا العنوان دمار قلب وغموض المشاعر .  

   في رسالة إلى زويغ بتاريخ 4 شتنبر 1926 ، وأثناء تلقيه عمله ، انصرف فرويد إلى ما يدعوه ” قطعة تشريح صغيرة ” . أعقب التحليل المنشور في آخر الدراسة حول دوستويفسكي بعناية التحليل الذي اقترحه فرويد على المؤلف في هذه الرسالة ( التي أعيد نشرها في سيغموند فرويد ، استيفان زويغ ، مراسلات ، مكتبة شطآن Rivages) ( ، 1991 ، ص : 46 ـ 51 ) . وفيه ذكر فرويد بأن ” الثراء الذي على ما يبدو لا ينفذ من المواقف والقضايا التي يعالجها الشاعر قابل للاختزال إلى عدد ضئيل من ” الدوافع الأصلية ” التي تعثر ، في أغلب الحالات ، على  مصدرها في التجارب المكبوتة من الحياة النفسية للطفل ، بحيث إن الأعمال تتصل بطبعات جديدة مقَنّعة ، منمقة ومصعّدة لخيالات طفلية ـ  مشددا على ذلك في الأقصوصة الأولى . يتخذ ذلك شكل استفهام للمؤلف :” ربما سوف لن تُسلم بتأويل مشابه ، قد يبدو لك غير قابل للتحمل   ، لكني لا أستطيع استبعاده وقد بدا لي هذه المرة مؤكدا تماما ” .

    يبرز فرويد آنذاك الضرورة السرية لسلوك الأرملة الإنجليزية البالغة من العمر 42 سنة تجاه الشاب البولوني ذي 24 سنة ( وهو نفس عمر ابنها ) : ” من الصعوبة بمكان الاعتقاد أنك لم تتبع رغبة واعية ” ، يؤكد حينئذ . يظهر فيها اللعب مثل ” استبدال جيد للاستمناء ” ـ وساق بالتوازي مع ذلك ” كل قصائد التحرر ، أوبرا  فاغنر على سبيل المثال ” . ثمة انطباع بأن فرويد ألحق ذلك التحليل إذا جاز التعبير ، بالدراسة حول دوستويفسكي ، وهو ما أقر به في رسالة أوردها رايخ ، أثناء تبريره ذلك : ” إن الانطباع بعدم الاتساق الذي أحدثه ضم تحليل نص زويغ لامجال للشك فيه ” . لكن الأمر يتعلق ب” استنتاج ” : يسمح اللجوء إلى أقصوصة زويغ بالاعتراف بأن الصراع ضد الاستمناء يلعب دورا استثنائيا ، هنا وهناك ، ” في الإدمان المرضي على القمار ” ( رسالة إلى رايخ  في أبريل  1929 ) . تبرز العلاقة زويغ دوستويفسكي ولو ” بشكل أرعن ” ، العلاقة ” استمناء ـ عُصاب ” .

    نشير في الأخير أيضا إلى أن فرويد ألقى بالا بالأقصوصتين الأخريين من مجموعة زويغ ، لكنه لن يأتيَ على ذكرهما في نصه المنشور ، لأن ذلك كان خارج السياق . وفيما يتعلق بأقصوصة تحطيم قلب ، التي تعالج رد فعل غيرة أب حيال انبثاق جنسانية ابنته ، يفترض فرويد أن ” الحافز التحليلي لا يحتاج إلى تفسير ” ، الشيء ” الواضح ” هو أن مصير هذا الأب ” يمكن أن يتركنا غير مبالين ! ” ( رسالة مذكورة ، ص 48 ) . وبالنسبة لأقصوصة غموض المشاعر ، المكرسة للعلاقة المثلية المضطربة لتلميذ مع أستاذه المحبوب ، المعقدة بالنسبة لزوجة هذا الأستاذ ، وجد فرويد فيها فرصة سانحة للتأمل حول مفارقة المثلية في الثقافة ( مرجع سبق ذكره ، ص49 ) . وفي الحقيقة فقد ألقى لوما خفيفا على زويغ في تلك الأقاصيص   عدم تركه أي شيء للقارئ ” لتوقعه ولا لإتمامه ” ( ص 50 ) : لذلك يصبح التدخل التحليل نفسي لا طائل تحته لأنه مطنب .

    في الواقع ، وعندما رغب الكاتب زويغ في الدفاع عن ” أطروحة ” ـ مستلهمة من النظرية التحليل نفسية ، فقد تصرف تصرفا محدودا إلى حد ما ؛ حينما أنتج عملا ولّد ، دون علمه ، وضد إرادته ، دلالة لاشعورية ، فقد ابتكر ” رائعة صغيرة ” .

………………………… ………………………..

   ففي أقصوصة ستيفان زويغ التي اعتبرها “رائعة صغيرة ” 13 ، كشف فرويد عن شكل مثالي لاستيهام يقدم شكلا ” خاما ” لعلاقة بين إيروسية ذاتية ورواية عائلية . يصف محكي زويغ السلوك المشوش و ” الملهم ” في الوقت نفسه ، لامرأة في منتصف العمر ، ربة أسرة ، وقعت في حب شاب يتعاطى لشغف مدمر للقمار . إنه على الأقل مفتاح لسلوكه الذي لا يمكن توقعه ـ وتدعى القصة أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة ـ  ويبدو أنه الرغبة في تأمين الخلاص لتلك الروح المتعاطية للقمار : سوف لن تستطيع ، بعد قضاء ليلة معه ـ كما لو أن الشبقية لم تكن هنا إلا امتدادا لتفان ـ  من جعله يقلع عن ” نقيصت”ـه ولا من الانتحار .

  على أنه وراء هذه الثيمة ، يكشف فرويد عن استيهام ، لن يغيب عن نظره أن قصة المرأة يرويها رجل كاتب . مذكرا بالرابطة بين شغف القمار والاستمناء الطفلي ـ لن تنفلت منه حقيقة أن رؤية يدي المقامر تلطم أولا ” منقذتـ” ـه ، نوع من صعقة حب متفردة ـ ، يكشف فرويد ( يكمن التأويل التحليلي إلى حد كبير في النطق بصوت مرتفع ما يهمس النص به ) عن ” استيهاما رغبة ” في فترة سن البلوغ : ” يقول الاستيهام بأن الأم بإمكانها إقحام الشاب في الحياة الجنسية بغية إنقاذه من الأضرار المرعبة للاستمناء ” ـ نواة ” أعمال الخلاص ” 14 ( أعلاه ص 195 ) .

    لدى فرويد ، وراء هذا القصد النبيل في التفاني ، إدراك ” شيء ما ” فاجر ـ إن لم يكن ” بغيضا ” ، كما صرح بذلك في رسالة إلى زويغ ( أعلاه ص 195 ) . لكنه لا يتخذ هنا وجهة نظر شخصية أنثوية ، بل استيهام الرجل الكاتب ( وهو ما يعتبر في الواقع ثيمة لإضفاء الطابع الرومانسي العائلي يحدد الفصل الخامس ) ؛ ومن جهة أخرى ، فحتى قوة الموقف تنتصر دون علم المرء بذلك على الرهان الغريزي ـ تقر النهاية الكارثية ـ انتحار ” الشاب الوسيم ” ـ بفشل محاولة الإنقاذ ، كما لو أن الشخص المعني عاد إلى شيطانه المدمر الذاتي . لابد هنا من مزيد من الجرأة القول عماذا يتعلق الأمر ” خلف المظهر الذي يقدمه الكاتب ” .

    ينبغي الإقرار بأن ” سقطة ” المكتوب حول دوستويفسكي مثيرة للاهتمام : لم يعد الأمر ذا صلة بأقصوصة زويغ ، لدرجة أن المرء يمكن أن يكون لديه انطباع بأن فرويد كان يرغب في ضم هذه الأخيرة إلى دراسة الروائي الروسي ـ ومن هنا الشعور ب” رعونة ” التقديم الذي أقر به في الرسالة إلى رايخ (مرجع مذكور ص 195 ). وبالفعل ، فإنه يبدو أن الإجراء متعمد وقد تعلم ” الدرس ” المنشود : كذلك فإن ربيكا ويست Rebecca West) ( تضمنت مفتاح السيدة ماكبث ، الحالة التي قدمها زويغ تتضمن ، بالتوازي مع ذلك ، مفتاح ما تم التحضير له لدى الكاتب دوستويفسكي . ويبدو أن الشغف بالقمار المعروف جدا ، ” إدمان مرضي ” ، يؤدي وظيفة فسح المجال أمام الإبداع الأدبي . بهذه الطريقة يشير فرويد إلى أنه وصل إلى الإملاق الكلي ، بعد أن خسر كل شيء إلى آخر سنت في لعبة الروليت ، التي أعاد دوستويفسكي تشغيل ” آلة ” … الكتابة . ومن هنا أهمية الملاحظة : ” لم يكن الإنتاج الأدبي على أحسن ما يرام أبدا إلا بعد أن خسروا كل شيء ورهنوا آخر ما كانوا يملكون 15 ” . إن ما يجعل ” آلة الكتابة ” تدور ، هو ” عمل ” الذنب عبر نشاط لعب ملحوظ للنشاط الطفلي الشبقي الذاتي الذي يقوم فيما يلي بإيقاف كبت العمل ـ يضع فرويد كبت الكتابة في علاقة مع استيهام ” استمنائي ” ـ اصطدام الدلالة القضيبية وفعل الكتابة (فصل 11 ) .

   هذا يؤكد أن ” الإنتاج الأدبي ” هو شكل مُصعّد لكنه أشد فعالية ل” تمتع ” شبقي ذاتي : إنه ” إنجاز ” .

    تكمن وظيفة ال” روليت ” المميتة إذن في ” إفراغ ” ال” مقامر ” المدمن إلى حد ما ، بواسطة ” جنون قاتل ” أو اندفاع شبقي ذاتي ، ثم إيقاف الكبت وتحرير الكاتب دوستويفسكي بداخله . هذا هو ثمن الإطناب الخصيب للكتابة لدى دوستويفسكي .

د. فرويد مع دوستويفسكي :

ال” قصيدة الأصلية “

   إن اللحظة غير العادية تماما هي تلك التي ينضم فيها ” الحافز ” الأساس للروائع الأدبية ، في نص فرويد ، إلى ” الحافز ” الأساس لعمله الخاص ـ إلى شعره الخاص Dichtung) ( . ليس الأمر صدفة في هذا العمل المرموق الأخير حول الأدب ، هذه الدراسة حول دوستويفسكي ، أن يعبر عن ذلك بوضوح :

   إنه لمن قبيل الصدفة لاغير أن تتواجد ثلاث روائع من الأدب من كل الأزمنة تعالج نفس الثيمة ، ألا وهي ثيمة قتل الأب : أوديب ملكا لسفوكل ، هاملت لشكسبير والإخوة كارامازوف لدوستويفسكي . ففي الروائع الثلاث يتم الكشف أيضا عن الباعث على الجريمة ، المنافسة  الجنسية على المرأة 16 .

    سوف نكون خاطئين اعتبار تلك الملاحظة علامة على أن فرويد يرى بشكل مؤكد ” قتل الأب ” في كل مكان !إنه حدث يُعثر عليه هناك حافز الحوافز  للعمل ، طالما أن كثافة المحكي تقترب من محكي الجريمة ذاتها . على أنه ثمة تقدم كبير في كتابة الموضوعة : فإذا كان سفوكل ، شكسبير ودوستويفسكي ينسجون على منوال نفس القصة مزودين هذه الثيمة بمصادر نبوغهم ، فإنهم لا يتصرفون بذات الطريقة . ومع تقدم تكوّن هذا المحكي ، تُصقل الكتابة وتزداد تعقيدا مثل سيرورة ” تنكر ” للثيمة . إن ” غطاء ” الثيمة هو الذي يزداد إتقانا !

    لقد سبق لنا تعرف قصة أوديب ملكا ( الفصل الرابع ) وقصة هاملت ( الفصل الثامن ) . من الأهمية بمكان التشديد حاليا على مساهمة دوستويفسكي .  

……………………………………………………

العمل . الإخوة كارامازوف

    نشرت رواية الإخوة كارامازوف في 1879 ـ 1880، وتعتبرعملا وصية لدوستويفسكي ( فارق الحياة عام 1881 ) وهي حرفيا “رواية عائلية ” . تتكون الأخوة التي تدور حول الوالد المسن فيودور كارامازوف ـ حيث يتضح أنه يعاني من مرض (” جنون جنسي ” ! ) ـ ، من ثلاثة أبناء شرعيين : الابن البكر ، وهو الملازم ميثيا ، عنيف ، شهواني وكريم ؛ إيفان ، متمرد للغاية حيال ال” فظاظة ” الأبوية وأليوشا ، الأخ الأصغر الذي كان على المراهقة منحه إطارا بدائيا لقصة آثم كبير . ينضاف إلى مجموعة الإخوة هذه ، سمردياكوف المضطرب ، وهو ابن غير شرعي ، خادم وقح ومتهتك حيث يُذكّر داء الصرع بعاهة وراثية .

    في إطار مدينة روسية صغيرة ، يكمن هذا العنف الأصم الذي يدور جليا حول ” الرغبة في الموت ” حول شخصية الأب ـ حيث يبدو وحده الابن الأخير أليوشا مستثنى والذي قام، تحت تأثير تربية دينية وبتوجيه من الراهب زوسيما ، بتصعيد هذه الضغينة . إلى جانب علاقة ميشيا بكاتيا ، التي يسعى إلى إنقاذها من عار والد لص ( حتى لا يتم التهرب من مسألة الأب في القصة ! ) ، يشتد مركز الفعل حول العلاقة الملتبسة بين إيفان كارامازوف ـ في مركز الأخوة ـ وسمردياكوف . كل شيء يحدث كما لو أنه لدى الأول ، الابن الشرعي ، تمني الموت يظل في حالة ” تمن ” ، قوي لكنه محرم ، يعثر لدى الثاني ، الابن اللاشرعي مذلول وبلا ضمير ، طاقة مَرَضية للعبور إلى الفعل . سوف يعبر سمردياكوف إذن بعبارات تكاد تكون محجوبة ، عن تصميمه في القيام بالعمل الذي يطارد اللاشعور العائلي . تعبر النهاية الكارثية للرواية عن هذا المأزق التراجيدي : سمردياكوف ، قتل الأب ، ينتحر بعد جريمته العظمى ؛ ميثيا ، الابن البكر متهم بالقتل حُكم عليه بالأشغال الشاقة ، في حين يبدو أن إيفان ـ وهو الذي غذى في أعماق وعيه الرغبة الأكثر تكثيفا في الجريمة ـ والذي استشعر تواطؤه المخجل مع القاتل ـ قد صحا ضميره ، فحاول إنقاذ أخيه البريء ، لكنه لا يتخلص من الهذيان . إن الابن الأخير ـ البريء الوحيد ، إلى حد ما ـ ، هو المشاهد المعترف من الآخرين ، لكن يبدو أنه هُيئ للحياة والإخلاص .

   يفهم المرء كيف أن هذه الرواية تتنفس هواء ” قبيلة بدائية ” بالمعنى الفرويدي ، تتوزع مختلف أوضاع الجريمة والعدوانية بين أفراد الأخوة المعذبة . يفهم المرء أيضا صيغة فرويد في دراسته : ” بغض النظر عمن قام بالفعل في حقيقة الأمر ” . لا يمكن أن نحمل ال” عقدة الأبوية ” هنا ما لا ” تطاق ” ، لكن إيفان هو من يحمل العبء الأوديبي !

    وتظل ” الفقرة الأكثر روعة ” للنص هي القصة الرمزية للمحقق الأكبر الذي استبدل مثال محبة المسيح بقاعدة القوة المستعبدة والتي ستدين المسيح نفسه ، إذا ما عاد المخلص إلى الأرض ثانية . يقدم المحقق الأكبر صورة ل” الأب الفاجر ” … و” الذي لا يمكن قتله ” .

……………………………………………………

   لابد من التذكير بأن فرويد يقدم نفسه كمن يكشف عن سر اغتيال الأب ، مشتغلا على واقعية متميزة ، بما أن هذا الحدث الأسطوري لا يكف عن إنتاج تأثيرات واقعية ( لاشعورية ) . إنه يمتلك في هذا الإطار مكانته مثل ” نهاية رابعة ” ـ بعد سفوكل ، شكسبير ودوستويفسكي ! إنه يتلفظ بدون مواربة ولا تقنع ما يعمل الثلاثة على تقديمه بطريقة مذهلة وملتوية في نفس الوقت .

    يمكن للعلاقة من فرويد إلى دوستويفسكي أن تتوضح ضمن هذا المنظور : وبمعنى منالمعاني ، فقد عمل مؤلف الإخوة كارامازوف ، بالدفع ومع كافة المصادر الاستعارية والرمزية ، بقتل الأب وميتافيزيقا الجريمة إلى حدوده القصوى ؛ وبطريقة أخرى ، فقد أوصل إلى فن ال” تمويه ” إلى كماله .

    فكما لو أن دوستويفسكي كان يخص شعره الأكثر اكتمالا بهذه الثيمة ، تاركا الأمر إلى التحليل النفسي إنتاج معرفة منه ! وفي الواقع فإن دوستويفسكي هو من يقترب أكثر في الوقت نفسه من ال” إقرار ” باغتيال الأب ويبتعد أكثر ـ طالما أنه يهب ” لباس ” التخييل .

    في حين أن كتاب الطوطم والمحرم يعتبر كشفا لل”أسطورة ” ، وبالتالي قراءتها ” العلمية ” . كذلك فقد عمل الشعر الفرويدي على كشف الثيمة التي عمل الأدب العظيم ـ وببراعة ـ على حجبها !  

   ومع ذلك ، فإن ابتكار الأسطورة مثل شعر يتزامن مع ” حافز ” البطل . فما ال” شاعر الأصلي ” إلا من يروي القصة ، تلك القصة التي يعتبرها التحليل النفسي قصة أصلية ، أي جريمة قتل الأب ، لكن من أجل شعر ، في صيغة مقَنّعة ، كما هي العادة . كيف ؟ بإعزاء ذلك إلى ال” بطل ” ، أعني إلى إنسان وحيد ولا ، كما هو الحال في الواقع ، إلى أبناء متحالفين . نلامس هنا ال” كذبة الأصلية ” ،  التي تقدم خدمة كبيرة إلى الجماهير ، مانحة إياها شكلا بطوليا للقصة وعاملة على تحريرها من الجرم .

        تلخص فقرة غاية في الروعة من كتاب علم نفس الجماهير وتحليل الأنا ذلك بشكل جيد :

    يعتبر الشاعر الملحمي أول من حول الواقع صوب رغبته . فقد ابتكر الأسطورة البطولية . لقد كان بطلا قام لوحده بقتل الأب ، الذي ظهر أيضا في الأسطورة مثل وحش طوطمي 17 ـ لم يكن البطل إلا ” ابن الأم المفضل ” .

    إن ما يتكشف في الوظيفة الملحمية للشاعر ،هو فعل الابتكار نفسه : يمنح هذا كامل دعمه لاعتقاد فرويد ـ بالنسبة للشاعر ـ بأن ال” عبارة ” هي” فعل ” . علاوة على ذلك فإن هذا يستحضر منطقا ” سحريا ” أو ” أرواحيا ” لل” قدرة المطلقة ” . على أن قصة ال” شاعر ” بشكل أكثر عمقا ، سوف تنضم ، في شكل تخييلي ، إلى الفعل الأصلي من حيث بدأ التاريخ البشري تبعا لفرويد . إن سردالفعل الأصلي ـ  تحت ذريعة التخييل ـ ، هو العمل على تكراره ـ ومن هنا ” إضفاءالطابع البطولي ” على ” مهمت”ـه.

   إن الفكرة المحورية التي يثبتها فرويد ـ بالإحالة مرارا وتكرارا على نظريتي رانك Rank) ( وساش Sachs) ( ـ وهي أن الفنان يرغب ،عبر ” خياله الجامح “، في ” العودة إلى الواقع ” . وفي هذا الصدد فهو يؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية مرموقة يتم العثور على التلميح إليها في ” علم نفس الجماهير ” الفرويدي 18 .

    إن الشاعر ، الذي يتم التطرق إليه في هذه الوظيفة الجماعية ، هو من يروي إلى ال” حشد ” (الجمهور ) ” أعمال البطل الذي تخيلها ” . ومع ذلك ” فإن هذا البطل ليس في الحقيقة شيئا آخر سوى ذاته ” .

  يتخذ هذا الإثبات المعروف هنا معنى مهما للغاية ، لأن فرويد يقدم ” أسطورة البطل ” مثل ” أول أسطورة ” . إن البطل هو في واقع الحال من يفترض فيه أنه الوحيد الذي أنجز ال” عمل البطولي ” ، يعني اغتيال الأب الأصلي ( بينما في الواقع ،فإن الأمر يتعلق ، في القصة الفرويدية ، ب” رهط من إخوة “متمردين ). لذلك فإن الشاعر الأصلي ، هو من يؤيد ، عبر ” تخييله ” ( الشعر الأصلي ) ، أسطورة للبطل والتماهي معه . ومع ذلك فإذا ما وجد ” مستمعين جيدين ” لدى قرائه ـ الأعضاء الآخرون ل” الحشد ” ! ـ ، فإذا كان المستمعون قد ” فهموا الشاعر ” ، فلأنهم ” يستطيعون التماهي مع البطل حول قاعدة العلاقة النوستالجية مع الأب الأصلي ” .

    هذه هي الإشارة الرائعة لفرويد والتي ينبغي التوقف عندها ، لأنه يصيغها بتقشف كبير : ال” ربح ” الأساس للعمل ـ كتابته هنا بحرف كبير ، لأن الأمر يتعلق بملحمة وليس بمجرد ” رواية ” ـ هو أن نجعل من تكرار العمل الأول ممكنا ، في التشخيص وتحت غطاء التخييل المكتوب ـ كبيت (شعري ) .

    لكن ليس هناك ما هو أكثر مقاومة من ” التعبير بالكلمات  ”  من الجريمة ، بما أن الأمر يتعلق برضّة أصلية ” تفتقد إلى الرمزية “.

إننا نفهم منذ ذلك الحين ،من جهة أن الصروح الأدبية تدور حول هذا الفعل الآثم ، كما لو أن قوة البيت الشعري كانت تصطدم بهذا التحدي لاستحضار السر ؛ ومن جهة أخرى ، فإن التحليل النفسي سوف يذهب إلى أبعد من ذلك ناطقا بشكل صريح ، ” من دون لف أو دوران ” ، بالسر : ” لقد تم اغتيال الأب ، زعيم القبيلة البدائية ، بواسطة أبناء متحالفين ” ـ وقد حرص فرويد بنفسه على تعميد ” أسطورت”ـه ال” علمية 19 ” .

إن ال” أسطورة ” الفرويدية سابقة على الكتابة في القصة الأدبية .

    سيفهم المرء أيضا سحر موضوعة المجرم : لقد لاحظنا من ذلك ، أساسا ، الصور ” التفصيلية ” ، من ريشار الثالث إلى المرأة القاضية مرورا بالسيدة ماكبث وربيكا ويست .

    لقد لاحظنا بلوغ ذلك ذروته في ثلاثية أوديب ـ هاملت ـ كارامازوف ـ دوستويفسكي مطورا ميتافيزيقا ( ” المجرم  الأصلي ” ) . فمع مؤلف الجريمة والعقاب تحديدا يكتسب ” حافز ” ال” مجرم ” (المذنب ) مع ” سمتيـ”ـه المتميزتين : ” الأنانية بدون حدود والنزعة التدميرية القوية 20 ” .

    سوف تملأ موضوعة المجرم نوعا من الوظيفة التطهيرية الجذرية : وظيفة ” إعفاء ” ـ بصورة استيهامية ـ مشاهد الجريمة ـ قتل الأب ـ الذي يكوّن المحاولة والتهديد المتكررين لرغبته .

    وأخيرا فإن العملية التخييلية تتعلق ـ في آن واحد بالمرأة :

    في التغيير الشعري الكاذب للفترة الأصلية ، أصبحت المرأة على ما يبدو التي شكلت ثمنا للقتال وطُعما للقتل ـ مغوية ومحرضة على الجناية 21 .

    يحيلنا هذا على ثيمة الأنوثة ، كرهان على الشعر ، لكن أيضا مثل معرفة للعرض ـ نهاية التحقيق .

ه. إعادة كتابة موسى أو الشعر الفرويدي

    ومع ذلك لا يستطيع المرء التخلي على مسألة الحقيقة والتخييل ـ التي تكشفها الصلة بدوستويفسكي ـ دون أن يمتلك الجرأة على أن فرويد قد كرس آخر مجهود له في ” كتابة ” لبحث يخاطر بطريقة مركزية بمسألة الحقيقة التاريخية : ثيمة موسى ودوره في مصير الشعب اليهودي . ك”محرر ، مشرع ومؤسس للدين ” ، فقد طرح نفس السؤال على ال” شخصية التاريخية ” وابتكار الأسطورة 22  ـ بإيجاز ابتكار الشخصية المؤسسة .

    إن ما يتخذ شكلا في إعادة الكتابة الفرويدية لل” تاريخ ” ، هو ” رواية تاريخية ” ـ بالمعنى الدقيق للصياغة، عبر خيال يتغذى على ” معرفة اللاوعي ” ـ ، مادة بناء فعالة . إن ما ظهر حينئذ هو مأساة ” بطلـ”ـها من أصل مصري ، أرشد الشعب اليهودي إلى التوحيد ، وحيث تأثير ذلك هو فعل مكبوت : اغتيال النبي تحت تأثير التمرد . فرويد ، مستندا على أطروحات مثيرة للجدل لإرنست سيلان Ernst Sellin) ( 23 ، ” استيهام ” اغتيال موسى الذي سيشهد عليه تقليد مزيف .

    بعيدا عن القضايا الشاسعة التي يطرحها تفسير هذا النص ، نسجل ما هو أهم بالنسبة لمقترحنا : لقد خصص فرويد جزءا مهما من نشاطه في الكتابة في سنواته الخمس الأخيرة ـ كما يشير إلى ذلك أرشيف ” إصدارات ” متلاحقة 24 ـ إلى ” بناء ” ضخم ، يهدف إلى إعادة بناء حقيقة تاريخية ، عاملا على فحص اشتغال التقليد . فمن جهة سوف يتكرر الحدث الأول حول شخص موسى ـ وهو ما ينظم ، بعد مرحلة فقدان الذاكرة ، الذاكرة ال” مشفرة ” للتقليد ؛ ومن جهة أخرى ، فإن ال” رواية العائلية ” لل” إنسان موسى ” ، ابن متبنى منذور لمهمته البطولية ، يلتحق بالمصير الاستثنائي لشعب.

    كما أن فرويد كتب شعرا ” وجد نفسه من جديد في نقطة البداية ” : إن الدراسة حول موسى بإمكانها جدا أن تجعله مؤلفا لرواية من أجرأ ال” روايات التاريخية 25  ” .

إن ما يسعى إليه هنا هو “إعادة بناء ” ـ مثل شاعر في نوعه ـ ” قطعة الحقيقة التاريخية ” حيث  لاحظ ذلك  في ذات الحقبة :

    ليس وحده الجنون يمتلك منهجا ، كما يعترف الكاتب (الشاعر ) بذلك ، لكن […] ثمة قطعة من الحقيقة التاريخية متضمنة فيه 26 .

إن الهدف الحقيقي لكتاب موسى والتوحيد هو تحديدا فهم النص المشفر للفعل : إنها تتمة ، في الوقت نفسه لكتاب الطوطم والمحرم ومستقبل وهم . فمن جهة ، فإن العمل البدائي كان صاعقا من خلال ” إعادته إلى وضعه السابق ” ؛ ومن جهة أخرى ، بإمكان المرء أن يتبين كيف أن الفكرة الدينية تكتسب تأثيرها ـ ليس فحسب ك” مكسب نفسي ” ، بل كشكل تاريخي .

    سيادة الروائي مجيبا من يعترض عليه : “وعلى أي حال فمن الممكن أن يكون هذا حقيقيا 27 ” .

ــــ

هوامش

مصدر النص : أدب وتحليل نفسي ، بول لوران أسون Paul-Laurent Assoun . دار نشر : Ellipses Editions Marketing s.A.2014

بول لوران أسون Paul-Laurent Assoun)  ( : من قدماء المدرسةالعلياللأساتذة (سانت كلود ) ، وهو حاصل على دكتوراه الدولة ومبرز ، وهو أستاذ محاضر بجامعة باريس السابعة ـ دنيس      ديدرو .

1 ـ رسالة فرويد إلى طوماس مان بمناسبة عيد ميلاده الستين ( يونيو 1935 ) وفيها ذكره بالمهمة الأخلاقية للكاتب .

2 ـ لابدمن تسجيل فلتة لسان فرويد ، في تقريره لحالة رجل الجرذان ، فقد كتب ” شعر وتخييل ” بدلا من ” شعر وحقيقة ” ( خمس محاضرات في التحليل النفسي ، ص 232 ) : ” رجل الجرذان .مذكرة تحليل ” ، بوف ، 1974 ، ص 98/ 34 .

3 ـ راجع كتابنا دروس تحليل نفسية حول النظرة والصوت ، جزء 2 ، ص 30 .  

4 ـ رسالة فرويد إلى أرنولد زويغ بتاريخ 11 ماي 1934 ؛ إرنست جونز ، حياة وعمل سيغموند فرويد ، جزء 3 ، ص 516 .

5 ـ رواية ليونار دو فنشي أو قيامة الآلهة(1902 ) يتكون الجزء الثاني من ثلاثية ، بين جوليان لابوستة Julien L’Apostat) ( وبيير و ألكسيس أو ضد المسيح ، بعنوان المسيح وضد المسيح .

6 ـ دوستويفسكي وقتل الأب ، G.W.14,p.399.

7 ـ ( ” الصورة الأصلية لرواية الإخوة كارامازوف ” ) نشر فريتز إكشتاين Fritz Eckstein) ( ورونيه فيلوب ميلر (René Fulop-Miller) (ميونيخ)

8 ـ مقدمة الطبعة الألمانية لإذغار آلا نبو ، دراسة تحليل نفسية لماري بونبارت 1934 . G.W.16.

9 ـ رسالة إلى تيودور رايخ بتاريخ 14 أبريل 1929 ، في رد على دراسة كرسها رايخ للكتاب حول دوستويفسكي ، أعيد نشرها ضمن شهادة لرايخ ، ثلاثون سنة مع فرويد ، 1956 ؛ ترجمة إلى الفرنسية سنة 1976 éditions complexe,p.91 .1976

10 ـ دوستويفسكي وقتل الأب G.W.14.

11 ـ مرجع سبق ذكره ، ص 414 .

12 ـ ستيفان زويغ ، روايات وقصص قصيرة La Pochothèque , Le Livre de poche , 1991, p.411 – 470.

13 ـ مرجع سابق الذكر ، ص 416 .

14 ـ مرجع سابق الذكر ، ص 411 .

15 ـ مرجع سابق ، ص 415 .

16 ـ مرجع سابق ، ص 412 .

17 ـ علم نفس الجماهير وتحليل الأنا . chap .12,G.W.13 ,152.

18 ـ راجع بشأن هذه الفكرة عملنا فرويد والعلوم الاجتماعية . التحليل النفسي ونظرية الثقافة Armand Colin, « cursus » , 1993 ,p.85-86.

19 ـ مرجع سابق الذكر chap. 12, annexe A , G.W.13,152 .

20  ـ دوستويفسكي وقتل الأب G.W.14 ,400.

21 ـ علم نفس الجماهير وتحليل الأنا G.W.13,152.

22 ـ G.W.16,103.

23 ـ انظر إرنست سلان ، موسى ودلالته بالنسبة للديانة الإسرائيلية اليهودية (1922) .

24 ـ تم الشروع في العمل عام 1934 ، وأعيدت كتابته سنة 1936 ، وظهر في أجزاء : الدراسة الأولى ” موسى مصري ” عام 1937 في مجلة إماجو Imago) ( ، متبوعة بالدراسة الثانية ” إذا كان موسى مصريا ” ، في نفس السنة ، مجموعة ( تضمن الدراسة الثالثة والأخيرة ” موسى ، شعبه والديانة التوحيدية “، أتت على الاكتمال عام 1938) ، ظهرت في مجلد سنة 1939.

25 ـ انظر رسالة فرويد إلى زويغ بتاريخ 30 شتنبر 1934 : ” وجدت الصيغة على وجه السرعة : ابتكر موسى اليهودي ، وكتابي يحمل عنوانه اسمه :” الإنسان موسى ، رواية تاريخية ” ( في كتاب سيغموند فرويد ، مراسلات ، 1873 ـ 1939 ) . انظر أيضا الرسالة إلى إيتانغون بتاريخ 13 نونبر 1934 : ” أنا لست على قدر من المهارة عندما يتعلق الأمر بالروايات التاريخية . لنتركها إلى طوماس مان ” .

26 ـ بناءات في التحليل G.W.16,54.

27 ـ هذا هو جواب فرويد على العالم اليهودي يهوذا الذي جاء ليخبره بخصوص سلان ، الذي كان يستند عليه ، فقد قام بسحب فرضيته وفقا لجونز ،مرجع مذكور ، جزء 3، ص 423 ) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة