تخييل وحقيقة أو رواية الأصل : فرويدودوستويفسكي – ترجمة : الحسن علاج
لاشك أن عبارات الكاتب تعتبر أفعالا 1 .

بول لوران أسون
لقد أدركنا اللحظة حيث نكون قادرين على استخلاص ال” دروس “من مواجهة الأدب هذه إلى التحليل النفسي على صعيد أوسع وأكثر أصالة . يتعلق الأمر في واقع الحال بالعودة إلى منبع ال” عملية ” الأدبية .
إن الخلق الأدبي Dichtung) ( هو قطعا وبشكل جذري ” تخييل ” مكتوب ،يسمح بحمل ” حقيقة ” إلى التعبير ، والتي في غياب هذا التخييل تظل حقيقة مرتجلة .
لكن ال” لاشعور ” ـ في معناه التحليل نفسي ـ هو ، عموما ، هذا ” اللاواقع ” ( المحسوس ) الذي يحجب محتوى حقيقة ( ” واقع ” يسمى واقعا ” نفسيا ” أو استيهاميا )غاية في الأهمية .
كيف يمكن إذن تصور التمفصل بين ذينك ” الوضعين ” ـ تخييل مزدوج لحقيقة ما ـ ثم ما الذي يمكن أن تقوله الحقيقة الثانية عن الأولى ؟ ما الذي يمكن أن تضيفه الأولى إلى الثانية ؟ هل ثمة نواة حيث التخييل والحقيقة يلتقيان ، هنا وهناك ، ضمن ” حرفية ” ( أدب ) و لاشعور ” ؟
حينماأعلنفرويدبأن ” عبارات الكاتب تعتبر أفعالا ” ، فقد أحاط علما ، تماما ،بكون أن التخييل يعتبر تحققا في حد ذاته ، إقبالا لوضع معين من الحقيقة . فكيف يمكن موضعتها بالنسبة لحقيقة التحليل النفسي ؟
- تخييل وحقيقة : كتابة ولاشعور
شعر وحقيقة : يحيل هذا الزوج من المفاهيم إلى كتاب مذكرات غوته ـ Dichtung und Wahrheit 2 ـويشير في الوقت نفسه إلى مشكلة عظمى للإستثيقا الأدبية ، التي ورثها التحليل النفسي بطريقته الخاصة . إن الخلق الأدبي ، هو ذلك التخييل الذي ـ يوجد في خلاف مع الواقع وفي توتر مع الحقيقة ـ ومع ذلك فهو ينجب حقيقة أكثر “سموا” ، وربما واقعا ” يبدو حقيقيا إلى حد كبير ” !
بالإمكان الاعتقاد بأن التحليل النفسي يعزز فهم ال” تخييل ” على حساب الواقع ، بالتشديد على ” تحويله إلى استيهام ” . على أنه ينبغي ، من جهة ، أن نضيف فورا أن فرويد لم يكف عن التأكيد على متطلبات الواقع الذي يمارس ضغطا على إنتاج هلوسة الكاتب ثم إن ” الاستيهام ” هو ، من جهة أخرى كشف لل” حقيقة “، تلك التي تنبثق عن اللاوعي . وبعبارة أخرى ، فإن الإدراك الفرويدي للأدب يعتبر إدراكا لكل شيء إلا أن يكون ” تخييليا ” : دعونا نفهم أنه لا يفهم بأي حال من الأحوال الإبداع الأدبي مثل ” لعبة خيالية “، مع ما يتضمنه المصطلح من اعتباطية .
إنه وضع آخر للحقيقة .
بالإمكان اعتبارها رمزا هذه اللحظة حيث رجل الفئران ” يسترعي الانتباه ” إلى فقرة من كتاب مذكرات غوته ـ يتجنب فيه الشاب غوته لعنة غرامية ، تقبيل ” حبيبته فريدريكا ” ـ اقتران استيهامي شخصي يحثه ، في هجمة ، على الإشباع الشبقي الذاتي 3 : هناك ، ” يصطدم ” ” استيهام “القارئ بالاستيهام الذي يرويه النص ، يتحقق فيه من الحقيقة بطريقة أكثر فعالية ! ” تخييل ” مزدوج ينتج “تأثيرا للحقيقة ” …
يُلاحظ أعلاه إلى أي اتجاه تقود فرويد أذواقه الأدبية . على أنه ليس من قبيل الصدفة أنه أثناء كتابة دراسته حول موسى والتوحيد ـ حيث تم طرح مسألة الواقع التاريخي ـ تناول بالدرس ” مشكلة الحرية الشعرية فيما يتعلق بالواقع التاريخي ـ مشكلة عظمى للفنون الشعرية الحديثة . قدم لهافرويد جوابا حاسما ، قائلا أنه ” في هذا المجال ” ، لابد من باب أولى يعتبر محافظا ” : ” على الكاتب أن يتقيد بالواقع عندما يكون راسخا تمام الرسوخ ثم ينزلق إلى الملكية العامة 4 ” . علاوة على ذلك لابد من الإضافة على الفور :” لاشك أن الكُتاب لا يتقيدون في كثير من الأحيان بتلك القواعد … على أنه في أغلب الحالات ، لا يدركونها ” .
إن ما يشير إليه فرويد هنا ، هو شيء أكثر بكثير من الاهتمام بمعلومة و ” واقعية ” تاريخية : وبالتأكيد فإن ال” حرية الشعرية ” تعتبر فاصلة في الخلق ، لكن كل شيء يمر كما لو أن كثافة نشاط التخيل كان يتوجب عليها مواجهة كثافة الواقع الخارجي في العمل ( ” التاريخي ” ) ، التي ينبغي عليها تضمينها في التخييل . وبعيدا عن أن تكون الحرية الشعرية ابتكارا اعتباطيا ، فهي مهارة لدعم المشهد الشعري واستنادها على الواقع في نفس الوقت ـ محققة من خلال ذلك نوعا من الواقعية المتفوقة : ” فهم ثاقب ” على ضوء مراكمة ” المعطيات ” .
ربما تكون قلة الاهتمام بالواقع مرافقة بالضرورة بقصور في فعالية البناء الخيالي : هذا يثبت أن ” الاستيهام ” ليس هو الخيال بمعنى الهروب من الواقع ، بل الاقتراب ، عبر المشهد الآخر من ذلك الواقع .
مثال جيد يقدمه استعمال فرويد ، في دراسته حول ليونار دو فنشي ، ل” الرواية التاريخية ” التي كرسها الكاتب الروسي ميرجكوفسكي Merejkowski) ( له 5 . وقد غذى هذا الأخير تخييله بتوثيق قوي ، مانحا لهذه المادة ” تعبيرها التشكيلي ” . كما أن فرويد يحيل على الشاعر Dichter) ( لما يؤكد هذا الأخير معرفة من تكون كتارينا ، والدة ليونار ، التي تلعب دورا مهما للغاية في تأويله الخاص .
- عبقرية وعَرَض : ” حالة دوستويفسكي ”
حينما تصدى فرويد ، ، حوالي عشرين سنة بعد قراءته لجونسون Jensen) ( ، لكاتب من حجم دوستويفسكي ، فإن موقفه كان مختلفا للغاية . ألا يفتح مساهمته حول دوستويفسكي وقتل الأب بواسطة تمييز هائل : ” بإمكان المرء أن يميز في ثراء شخصية دوستويفسكي أربعة مظاهر : الكاتب ، العُصابي ، الأخلاقي والمذنب 6 ” ؟ يتمخض استدعاء التنوع هذا ـ الذي يشير منذ البداية إلى ” أقنعة ” ـ عن طريقة مدهشة ل” توزيع ” أول ” دور ” : ” أيضا ثمة قليل من الشك قدر الإمكان بخصوص الكاتب ، فمنزلته ليست بعيدة عن شكسبير … للأسف على التحليل إلقاء الأسلحة أمام معضلة الكاتب ( قبل معضلة الشاعر ) ” .
سوف يذهلنا هذا الإثبات بدرجة أقل بواسطة محتواه ـ نتذكر تحفظات فرويد على عجز التحليل النفسي عن الكشف عن سر الخلق الأدبي ولغز الشاعر ـ بقدر إذهاله لنا من خلال شكله : في حين أن فرويد قام في ما تقدم بحصر الشروط اللاواعية للإنتاج الشعري ، ويبدو أنه يتخلص من دوستويفسكي ككاتب من أجل تسليط الضوء على ” جوانب ” أخرى ، ” مرضـ “ـه خاصة .
يتعلق الأمر ، والحالة هذه ، بعمله ـ وبوجه خاص الإخوة كارامازوف ـ الذي سيشكل موضوعا في هذا النص . وهو يعتبر علاوة على ذلك ـ لابد من التذكير بذلك ـ فقد ظهر نص فرويد كدراسة افتتاحية لإصدار حول ” شكل الأصل ” لرواية الإخوة كارامازوف 7 . وهو بالإضافة إلى ذلك من أجل تقديم جواب لطلب المحلل النفساني إيتانغون Eitingon) ( المفتون بدوستويفسكي وشيستوف Chestov) ( ، وقد اتخذ فرويد على ما يبدو قرارا في هذا الهجوم ( فلابد ، قطعا ، من ” راع ” ! ) في هذا المجال .
وسوف تكون لدى فرويد خُلسة أخرى ، مع ظهور دراسة ماري بونبارت Marie Bonaparte) ( حول إدغار ألان بو سنة 1933 ، كي يؤكد مجددا الطموح وحدود الإضاءة السيكوبيوغرافية : أشاد باقتضاب لكن بصرامة ب” ضياء التحليل النفسي ” ، وهو يكشف على حين غرة عن ” كاتب عظيم ” ، ذي استعداد مرضي ” ، يسمح بفهم ، عن طريق عمله ثم تحديدها بواسطة خاصيات الإنسان ” ، بل أيضا كم أن هذه الأخيرة كانت هي ذاتها ” تأثير روابط قوية للأحاسيس والأحداث المؤلمة لفترة طفولتهالأولى 8 . يحمل العمل إذن أثرا ـ في ما وراء ” مزاج المؤلف ” ما قبل التاريخ الطفلي الذي جعل ممكنا الاستعداد المرضي والكتابة في الوقت نفسه .
يحتفظ العبقري بسره ، لكنه يخون نفسه في عَرَضه .
بعد ذلك يأتي الوضوح ، الذي يحيل على منطوق الدراسته حول دوستويفسكي : ” مثل تلك الأبحاث لا قدرة لها على تفسير عبقرية الكاتب ، لكنها تشير إلى الدوافع التي أيقظتها وإلى الموضوعات التي ألزمته بمصيره ” ـ الشيء الذي يمنح هذه ” الجاذبية الخاصة ” ل” دراسة قوانين الحياة النفسية للإنسان بخصوص أفراد مرموقين ” . لقد تم قول الأهم بدقة شديدة : ليس ثمة شك في ” تفسير ” لعبقرية الإبداع الأدبي ، إلا أن هذه الأخيرة سوف تظل [العبقرية] في سباتها ما لم يتم ” إيقاظها ” من خلال ” دوافع ” ـ مؤثرات ، رضات بدائية ـ التي علاوة على ذلك تفرض عليها حتمية ” مادة ” إبداعها .سوف لن يستطيع المرء قول أي شيء عن ” موهبة ” بّو Poe) (ـ أكثر من غوته أو دوستويفسكي ـ ، لكن بإمكان المرء من خلال الدراسة التحليلية ، فهم ما الذي صنع موهبة الكاتب انطلاقا من ” العَرَض ” . ليس الكاتب حرا في معالجة هذه الثيمة أو تلك ، ولا هو حرا في اختيار أن يكون هو ذاته ، موضوعا لقصته . فبدلا من تطبيق علم النفس على الكاتب ، فإن الأمر يتعلق ، عبر الكاتب ، بإغناء علم نفس ( ” الأعماق ” ) .
فمع دوستويفسكي ، يدرك فرويد أنه ينبغي عليه التصدي لواحدة من تلك ” الطبائع المَرَضية ” التي يمكن أن تغترف في صراعها العميق من المصادر الاستثنائية لإبداعها . ومن المثير للاهتمام ملاحظة اعترافه بثيودور رايخ :
أنت على صواب في اعتقادك إنني في واقع الأمر لا أحب دوستويفسكي وذلك بالرغم من كل إعجابي بعمقه وسموه . فلأن صبري على الطبيعة المَرَضية قد نفذ من خلال تحليلاتي . فأنا لا أتحملها لا في الفن ولا في الحياة 9 .
بناء على ما قيل اللوم الموجه إلى الروائي على اكتفائه ب” دراسة الحياة النفسية غير السوية فقط ” وأشكال الحب المازوشية .
ثمة هنا طريقة ساخطة عمدا للإشارة إلى تضامن مرضية الرغبة والابتكار لدى دوستويفسكي . إن النقاش حول تشخيص ” مرض الصرع الهستيري ” لمؤلف الإخوة كارامازوف يضطلع بدوره . يكون النقاش موجها أساسا إلى أن يسقط عن الصرع المفترض خاصيته الضرورية والكافية في التفسير : وبالمقابل فهو يعتبر ” عرضا لعصابه 10 ” . تسلط ظروف ” نوباته ” المذهلة الضوء على خاصيتها المتقطعة ـ ندرة طيلة سنوات سجن الأشغال الشاقة ـ ودلالتها : إنها تحيل على معيش موت وشيك يكشف فرويد عبره عن التعبير الانتيابي proxystique) ( للإحساس بالذنب اللاشعوري ، الذي يصدر عن أمنية عنيفة للموت حُيال الأب ـ حيث يدرك بأنه يتميز بالشراسة وكان يتوجب عليه أن يموت موتا عنيفا .
تتغذى ال” طبيعة المَرَضية ” لدوستويفسكي على هذا المصدر ـ قسوة وعنف الرغبة في موت الأب والعقاب الذاتي ، المصحوب ب” إشباع مازوشي ” ـ وحتى مع مؤشر ( ” شعور ” ) بفرحة عارمة منتصرة . كل هذا سوف يستنفد في نوبة من طبيعة هستيرية لمن كان فرويد يلاحظ أنه ” يحس بالضياع أمام ظاهرة الحب ” .
ضمن هذا السياق ، ثمة عَرَض آخر يلوح في ” حالة دوستويفسكي ” : إنه ” شغفه بالقمار ” 11 ، معروف جدا وخاصة من خلال الوثائق المنشورة بواسطة فولوب ميلر Fulop-Miller) ( ، دوستويفسكي ولعبة الروليت .
إن مقاربة فرويد متميزة تماما : متسائلا عن دلالة هذا ” الإدمان المَرَضي على القمار ” ـ في حد ذاته وعلى وجه الخصوص لدى دوستويفسكي ـ ، سوف يقوم فرويد بفتح ثغرة تعتبر ثغرة بالنسبة لنا غاية في الأهمية على فعل الكتابة .
إن ما يتم تحديثه ، هو جدلية إشباع شبقي ذاتي والذنب اللاشعوري ، بوتقة مازوخية سوف تقود الشغف بالقمار إلى الشروع في كتابة نوع من ” الشغف بالأب ” .
الأمر الأكثر غرابة هو أن ذلك لن يتم تحديثه إلا من خلال تقاطع بين عمل دوستويفسكي ونص لزويغ Zweig) ( يبدو أنه ” جاء في حينه ” من أجل كشف عنصر ” المقامر ” . فلابد إذن من أن نلزم أنفسنا بهذا المنعطف من أجل ” استهداف ” أفضل للمقامر الكاتب دوستويفسكي .
ج. من الشغف بالقمار إلى فعل الكتابة :
زويغ مع دوستويفسكي
……………………………………………………
العمل. أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة
تشكل أقصوصة أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة 12واحدةمن بين ثلاث قصص طويلة نشرها استيفان زويغ (1881 ـ 1942) تحت عنوان غموض المشاعر سنة 1926 . سوف يظهر النص إذن حينما قام فرويد بإعداد قراءة له ” على وجه السرعة ” إلى حد ما . وتحمل الأقصوصتان الأخريان هذا العنوان دمار قلب وغموض المشاعر .
في رسالة إلى زويغ بتاريخ 4 شتنبر 1926 ، وأثناء تلقيه عمله ، انصرف فرويد إلى ما يدعوه ” قطعة تشريح صغيرة ” . أعقب التحليل المنشور في آخر الدراسة حول دوستويفسكي بعناية التحليل الذي اقترحه فرويد على المؤلف في هذه الرسالة ( التي أعيد نشرها في سيغموند فرويد ، استيفان زويغ ، مراسلات ، مكتبة شطآن Rivages) ( ، 1991 ، ص : 46 ـ 51 ) . وفيه ذكر فرويد بأن ” الثراء الذي على ما يبدو لا ينفذ من المواقف والقضايا التي يعالجها الشاعر قابل للاختزال إلى عدد ضئيل من ” الدوافع الأصلية ” التي تعثر ، في أغلب الحالات ، على مصدرها في التجارب المكبوتة من الحياة النفسية للطفل ، بحيث إن الأعمال تتصل بطبعات جديدة مقَنّعة ، منمقة ومصعّدة لخيالات طفلية “ ـ مشددا على ذلك في الأقصوصة الأولى . يتخذ ذلك شكل استفهام للمؤلف :” ربما سوف لن تُسلم بتأويل مشابه ، قد يبدو لك غير قابل للتحمل ، لكني لا أستطيع استبعاده وقد بدا لي هذه المرة مؤكدا تماما ” .
يبرز فرويد آنذاك الضرورة السرية لسلوك الأرملة الإنجليزية البالغة من العمر 42 سنة تجاه الشاب البولوني ذي 24 سنة ( وهو نفس عمر ابنها ) : ” من الصعوبة بمكان الاعتقاد أنك لم تتبع رغبة واعية ” ، يؤكد حينئذ . يظهر فيها اللعب مثل ” استبدال جيد للاستمناء ” ـ وساق بالتوازي مع ذلك ” كل قصائد التحرر ، أوبرا فاغنر على سبيل المثال ” . ثمة انطباع بأن فرويد ألحق ذلك التحليل إذا جاز التعبير ، بالدراسة حول دوستويفسكي ، وهو ما أقر به في رسالة أوردها رايخ ، أثناء تبريره ذلك : ” إن الانطباع بعدم الاتساق الذي أحدثه ضم تحليل نص زويغ لامجال للشك فيه ” . لكن الأمر يتعلق ب” استنتاج ” : يسمح اللجوء إلى أقصوصة زويغ بالاعتراف بأن الصراع ضد الاستمناء يلعب دورا استثنائيا ، هنا وهناك ، ” في الإدمان المرضي على القمار ” ( رسالة إلى رايخ في أبريل 1929 ) . تبرز العلاقة زويغ دوستويفسكي ولو ” بشكل أرعن ” ، العلاقة ” استمناء ـ عُصاب ” .
نشير في الأخير أيضا إلى أن فرويد ألقى بالا بالأقصوصتين الأخريين من مجموعة زويغ ، لكنه لن يأتيَ على ذكرهما في نصه المنشور ، لأن ذلك كان خارج السياق . وفيما يتعلق بأقصوصة تحطيم قلب ، التي تعالج رد فعل غيرة أب حيال انبثاق جنسانية ابنته ، يفترض فرويد أن ” الحافز التحليلي لا يحتاج إلى تفسير ” ، الشيء ” الواضح ” هو أن مصير هذا الأب ” يمكن أن يتركنا غير مبالين ! ” ( رسالة مذكورة ، ص 48 ) . وبالنسبة لأقصوصة غموض المشاعر ، المكرسة للعلاقة المثلية المضطربة لتلميذ مع أستاذه المحبوب ، المعقدة بالنسبة لزوجة هذا الأستاذ ، وجد فرويد فيها فرصة سانحة للتأمل حول مفارقة المثلية في الثقافة ( مرجع سبق ذكره ، ص49 ) . وفي الحقيقة فقد ألقى لوما خفيفا على زويغ في تلك الأقاصيص عدم تركه أي شيء للقارئ ” لتوقعه ولا لإتمامه ” ( ص 50 ) : لذلك يصبح التدخل التحليل نفسي لا طائل تحته لأنه مطنب .
في الواقع ، وعندما رغب الكاتب زويغ في الدفاع عن ” أطروحة ” ـ مستلهمة من النظرية التحليل نفسية ، فقد تصرف تصرفا محدودا إلى حد ما ؛ حينما أنتج عملا ولّد ، دون علمه ، وضد إرادته ، دلالة لاشعورية ، فقد ابتكر ” رائعة صغيرة ” .
………………………… ………………………..
ففي أقصوصة ستيفان زويغ التي اعتبرها “رائعة صغيرة ” 13 ، كشف فرويد عن شكل مثالي لاستيهام يقدم شكلا ” خاما ” لعلاقة بين إيروسية ذاتية ورواية عائلية . يصف محكي زويغ السلوك المشوش و ” الملهم ” في الوقت نفسه ، لامرأة في منتصف العمر ، ربة أسرة ، وقعت في حب شاب يتعاطى لشغف مدمر للقمار . إنه على الأقل مفتاح لسلوكه الذي لا يمكن توقعه ـ وتدعى القصة أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة ـ ويبدو أنه الرغبة في تأمين الخلاص لتلك الروح المتعاطية للقمار : سوف لن تستطيع ، بعد قضاء ليلة معه ـ كما لو أن الشبقية لم تكن هنا إلا امتدادا لتفان ـ من جعله يقلع عن ” نقيصت”ـه ولا من الانتحار .
على أنه وراء هذه الثيمة ، يكشف فرويد عن استيهام ، لن يغيب عن نظره أن قصة المرأة يرويها رجل كاتب . مذكرا بالرابطة بين شغف القمار والاستمناء الطفلي ـ لن تنفلت منه حقيقة أن رؤية يدي المقامر تلطم أولا ” منقذتـ” ـه ، نوع من صعقة حب متفردة ـ ، يكشف فرويد ( يكمن التأويل التحليلي إلى حد كبير في النطق بصوت مرتفع ما يهمس النص به ) عن ” استيهاما رغبة ” في فترة سن البلوغ : ” يقول الاستيهام بأن الأم بإمكانها إقحام الشاب في الحياة الجنسية بغية إنقاذه من الأضرار المرعبة للاستمناء ” ـ نواة ” أعمال الخلاص ” 14 ( أعلاه ص 195 ) .
لدى فرويد ، وراء هذا القصد النبيل في التفاني ، إدراك ” شيء ما ” فاجر ـ إن لم يكن ” بغيضا ” ، كما صرح بذلك في رسالة إلى زويغ ( أعلاه ص 195 ) . لكنه لا يتخذ هنا وجهة نظر شخصية أنثوية ، بل استيهام الرجل الكاتب ( وهو ما يعتبر في الواقع ثيمة لإضفاء الطابع الرومانسي العائلي يحدد الفصل الخامس ) ؛ ومن جهة أخرى ، فحتى قوة الموقف تنتصر دون علم المرء بذلك على الرهان الغريزي ـ تقر النهاية الكارثية ـ انتحار ” الشاب الوسيم ” ـ بفشل محاولة الإنقاذ ، كما لو أن الشخص المعني عاد إلى شيطانه المدمر الذاتي . لابد هنا من مزيد من الجرأة القول عماذا يتعلق الأمر ” خلف المظهر الذي يقدمه الكاتب ” .
ينبغي الإقرار بأن ” سقطة ” المكتوب حول دوستويفسكي مثيرة للاهتمام : لم يعد الأمر ذا صلة بأقصوصة زويغ ، لدرجة أن المرء يمكن أن يكون لديه انطباع بأن فرويد كان يرغب في ضم هذه الأخيرة إلى دراسة الروائي الروسي ـ ومن هنا الشعور ب” رعونة ” التقديم الذي أقر به في الرسالة إلى رايخ (مرجع مذكور ص 195 ). وبالفعل ، فإنه يبدو أن الإجراء متعمد وقد تعلم ” الدرس ” المنشود : كذلك فإن ربيكا ويست Rebecca West) ( تضمنت مفتاح السيدة ماكبث ، الحالة التي قدمها زويغ تتضمن ، بالتوازي مع ذلك ، مفتاح ما تم التحضير له لدى الكاتب دوستويفسكي . ويبدو أن الشغف بالقمار المعروف جدا ، ” إدمان مرضي ” ، يؤدي وظيفة فسح المجال أمام الإبداع الأدبي . بهذه الطريقة يشير فرويد إلى أنه وصل إلى الإملاق الكلي ، بعد أن خسر كل شيء إلى آخر سنت في لعبة الروليت ، التي أعاد دوستويفسكي تشغيل ” آلة ” … الكتابة . ومن هنا أهمية الملاحظة : ” لم يكن الإنتاج الأدبي على أحسن ما يرام أبدا إلا بعد أن خسروا كل شيء ورهنوا آخر ما كانوا يملكون 15 ” . إن ما يجعل ” آلة الكتابة ” تدور ، هو ” عمل ” الذنب عبر نشاط لعب ملحوظ للنشاط الطفلي الشبقي الذاتي الذي يقوم فيما يلي بإيقاف كبت العمل ـ يضع فرويد كبت الكتابة في علاقة مع استيهام ” استمنائي ” ـ اصطدام الدلالة القضيبية وفعل الكتابة (فصل 11 ) .
هذا يؤكد أن ” الإنتاج الأدبي ” هو شكل مُصعّد لكنه أشد فعالية ل” تمتع ” شبقي ذاتي : إنه ” إنجاز ” .
تكمن وظيفة ال” روليت ” المميتة إذن في ” إفراغ ” ال” مقامر ” المدمن إلى حد ما ، بواسطة ” جنون قاتل ” أو اندفاع شبقي ذاتي ، ثم إيقاف الكبت وتحرير الكاتب دوستويفسكي بداخله . هذا هو ثمن الإطناب الخصيب للكتابة لدى دوستويفسكي .
د. فرويد مع دوستويفسكي :
ال” قصيدة الأصلية “
إن اللحظة غير العادية تماما هي تلك التي ينضم فيها ” الحافز ” الأساس للروائع الأدبية ، في نص فرويد ، إلى ” الحافز ” الأساس لعمله الخاص ـ إلى شعره الخاص Dichtung) ( . ليس الأمر صدفة في هذا العمل المرموق الأخير حول الأدب ، هذه الدراسة حول دوستويفسكي ، أن يعبر عن ذلك بوضوح :
إنه لمن قبيل الصدفة لاغير أن تتواجد ثلاث روائع من الأدب من كل الأزمنة تعالج نفس الثيمة ، ألا وهي ثيمة قتل الأب : أوديب ملكا لسفوكل ، هاملت لشكسبير والإخوة كارامازوف لدوستويفسكي . ففي الروائع الثلاث يتم الكشف أيضا عن الباعث على الجريمة ، المنافسة الجنسية على المرأة 16 .
سوف نكون خاطئين اعتبار تلك الملاحظة علامة على أن فرويد يرى بشكل مؤكد ” قتل الأب ” في كل مكان !إنه حدث يُعثر عليه هناك حافز الحوافز للعمل ، طالما أن كثافة المحكي تقترب من محكي الجريمة ذاتها . على أنه ثمة تقدم كبير في كتابة الموضوعة : فإذا كان سفوكل ، شكسبير ودوستويفسكي ينسجون على منوال نفس القصة مزودين هذه الثيمة بمصادر نبوغهم ، فإنهم لا يتصرفون بذات الطريقة . ومع تقدم تكوّن هذا المحكي ، تُصقل الكتابة وتزداد تعقيدا مثل سيرورة ” تنكر ” للثيمة . إن ” غطاء ” الثيمة هو الذي يزداد إتقانا !
لقد سبق لنا تعرف قصة أوديب ملكا ( الفصل الرابع ) وقصة هاملت ( الفصل الثامن ) . من الأهمية بمكان التشديد حاليا على مساهمة دوستويفسكي .
……………………………………………………
العمل . الإخوة كارامازوف
نشرت رواية الإخوة كارامازوف في 1879 ـ 1880، وتعتبرعملا وصية لدوستويفسكي ( فارق الحياة عام 1881 ) وهي حرفيا “رواية عائلية ” . تتكون الأخوة التي تدور حول الوالد المسن فيودور كارامازوف ـ حيث يتضح أنه يعاني من مرض (” جنون جنسي ” ! ) ـ ، من ثلاثة أبناء شرعيين : الابن البكر ، وهو الملازم ميثيا ، عنيف ، شهواني وكريم ؛ إيفان ، متمرد للغاية حيال ال” فظاظة ” الأبوية وأليوشا ، الأخ الأصغر الذي كان على المراهقة منحه إطارا بدائيا لقصة آثم كبير . ينضاف إلى مجموعة الإخوة هذه ، سمردياكوف المضطرب ، وهو ابن غير شرعي ، خادم وقح ومتهتك حيث يُذكّر داء الصرع بعاهة وراثية .
في إطار مدينة روسية صغيرة ، يكمن هذا العنف الأصم الذي يدور جليا حول ” الرغبة في الموت ” حول شخصية الأب ـ حيث يبدو وحده الابن الأخير أليوشا مستثنى والذي قام، تحت تأثير تربية دينية وبتوجيه من الراهب زوسيما ، بتصعيد هذه الضغينة . إلى جانب علاقة ميشيا بكاتيا ، التي يسعى إلى إنقاذها من عار والد لص ( حتى لا يتم التهرب من مسألة الأب في القصة ! ) ، يشتد مركز الفعل حول العلاقة الملتبسة بين إيفان كارامازوف ـ في مركز الأخوة ـ وسمردياكوف . كل شيء يحدث كما لو أنه لدى الأول ، الابن الشرعي ، تمني الموت يظل في حالة ” تمن ” ، قوي لكنه محرم ، يعثر لدى الثاني ، الابن اللاشرعي مذلول وبلا ضمير ، طاقة مَرَضية للعبور إلى الفعل . سوف يعبر سمردياكوف إذن بعبارات تكاد تكون محجوبة ، عن تصميمه في القيام بالعمل الذي يطارد اللاشعور العائلي . تعبر النهاية الكارثية للرواية عن هذا المأزق التراجيدي : سمردياكوف ، قتل الأب ، ينتحر بعد جريمته العظمى ؛ ميثيا ، الابن البكر متهم بالقتل حُكم عليه بالأشغال الشاقة ، في حين يبدو أن إيفان ـ وهو الذي غذى في أعماق وعيه الرغبة الأكثر تكثيفا في الجريمة ـ والذي استشعر تواطؤه المخجل مع القاتل ـ قد صحا ضميره ، فحاول إنقاذ أخيه البريء ، لكنه لا يتخلص من الهذيان . إن الابن الأخير ـ البريء الوحيد ، إلى حد ما ـ ، هو المشاهد المعترف من الآخرين ، لكن يبدو أنه هُيئ للحياة والإخلاص .
يفهم المرء كيف أن هذه الرواية تتنفس هواء ” قبيلة بدائية ” بالمعنى الفرويدي ، تتوزع مختلف أوضاع الجريمة والعدوانية بين أفراد الأخوة المعذبة . يفهم المرء أيضا صيغة فرويد في دراسته : ” بغض النظر عمن قام بالفعل في حقيقة الأمر ” . لا يمكن أن نحمل ال” عقدة الأبوية ” هنا ما لا ” تطاق ” ، لكن إيفان هو من يحمل العبء الأوديبي !
وتظل ” الفقرة الأكثر روعة ” للنص هي القصة الرمزية للمحقق الأكبر الذي استبدل مثال محبة المسيح بقاعدة القوة المستعبدة والتي ستدين المسيح نفسه ، إذا ما عاد المخلص إلى الأرض ثانية . يقدم المحقق الأكبر صورة ل” الأب الفاجر ” … و” الذي لا يمكن قتله ” .
……………………………………………………
لابد من التذكير بأن فرويد يقدم نفسه كمن يكشف عن سر اغتيال الأب ، مشتغلا على واقعية متميزة ، بما أن هذا الحدث الأسطوري لا يكف عن إنتاج تأثيرات واقعية ( لاشعورية ) . إنه يمتلك في هذا الإطار مكانته مثل ” نهاية رابعة ” ـ بعد سفوكل ، شكسبير ودوستويفسكي ! إنه يتلفظ بدون مواربة ولا تقنع ما يعمل الثلاثة على تقديمه بطريقة مذهلة وملتوية في نفس الوقت .
يمكن للعلاقة من فرويد إلى دوستويفسكي أن تتوضح ضمن هذا المنظور : وبمعنى منالمعاني ، فقد عمل مؤلف الإخوة كارامازوف ، بالدفع ومع كافة المصادر الاستعارية والرمزية ، بقتل الأب وميتافيزيقا الجريمة إلى حدوده القصوى ؛ وبطريقة أخرى ، فقد أوصل إلى فن ال” تمويه ” إلى كماله .
فكما لو أن دوستويفسكي كان يخص شعره الأكثر اكتمالا بهذه الثيمة ، تاركا الأمر إلى التحليل النفسي إنتاج معرفة منه ! وفي الواقع فإن دوستويفسكي هو من يقترب أكثر في الوقت نفسه من ال” إقرار ” باغتيال الأب ويبتعد أكثر ـ طالما أنه يهب ” لباس ” التخييل .
في حين أن كتاب الطوطم والمحرم يعتبر كشفا لل”أسطورة ” ، وبالتالي قراءتها ” العلمية ” . كذلك فقد عمل الشعر الفرويدي على كشف الثيمة التي عمل الأدب العظيم ـ وببراعة ـ على حجبها !
ومع ذلك ، فإن ابتكار الأسطورة مثل شعر يتزامن مع ” حافز ” البطل . فما ال” شاعر الأصلي ” إلا من يروي القصة ، تلك القصة التي يعتبرها التحليل النفسي قصة أصلية ، أي جريمة قتل الأب ، لكن من أجل شعر ، في صيغة مقَنّعة ، كما هي العادة . كيف ؟ بإعزاء ذلك إلى ال” بطل ” ، أعني إلى إنسان وحيد ولا ، كما هو الحال في الواقع ، إلى أبناء متحالفين . نلامس هنا ال” كذبة الأصلية ” ، التي تقدم خدمة كبيرة إلى الجماهير ، مانحة إياها شكلا بطوليا للقصة وعاملة على تحريرها من الجرم .
تلخص فقرة غاية في الروعة من كتاب علم نفس الجماهير وتحليل الأنا ذلك بشكل جيد :
يعتبر الشاعر الملحمي أول من حول الواقع صوب رغبته . فقد ابتكر الأسطورة البطولية . لقد كان بطلا قام لوحده بقتل الأب ، الذي ظهر أيضا في الأسطورة مثل وحش طوطمي 17 ـ لم يكن البطل إلا ” ابن الأم المفضل ” .
إن ما يتكشف في الوظيفة الملحمية للشاعر ،هو فعل الابتكار نفسه : يمنح هذا كامل دعمه لاعتقاد فرويد ـ بالنسبة للشاعر ـ بأن ال” عبارة ” هي” فعل ” . علاوة على ذلك فإن هذا يستحضر منطقا ” سحريا ” أو ” أرواحيا ” لل” قدرة المطلقة ” . على أن قصة ال” شاعر ” بشكل أكثر عمقا ، سوف تنضم ، في شكل تخييلي ، إلى الفعل الأصلي من حيث بدأ التاريخ البشري تبعا لفرويد . إن سردالفعل الأصلي ـ تحت ذريعة التخييل ـ ، هو العمل على تكراره ـ ومن هنا ” إضفاءالطابع البطولي ” على ” مهمت”ـه.
إن الفكرة المحورية التي يثبتها فرويد ـ بالإحالة مرارا وتكرارا على نظريتي رانك Rank) ( وساش Sachs) ( ـ وهي أن الفنان يرغب ،عبر ” خياله الجامح “، في ” العودة إلى الواقع ” . وفي هذا الصدد فهو يؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية مرموقة يتم العثور على التلميح إليها في ” علم نفس الجماهير ” الفرويدي 18 .
إن الشاعر ، الذي يتم التطرق إليه في هذه الوظيفة الجماعية ، هو من يروي إلى ال” حشد ” (الجمهور ) ” أعمال البطل الذي تخيلها ” . ومع ذلك ” فإن هذا البطل ليس في الحقيقة شيئا آخر سوى ذاته ” .
يتخذ هذا الإثبات المعروف هنا معنى مهما للغاية ، لأن فرويد يقدم ” أسطورة البطل ” مثل ” أول أسطورة ” . إن البطل هو في واقع الحال من يفترض فيه أنه الوحيد الذي أنجز ال” عمل البطولي ” ، يعني اغتيال الأب الأصلي ( بينما في الواقع ،فإن الأمر يتعلق ، في القصة الفرويدية ، ب” رهط من إخوة “متمردين ). لذلك فإن الشاعر الأصلي ، هو من يؤيد ، عبر ” تخييله ” ( الشعر الأصلي ) ، أسطورة للبطل والتماهي معه . ومع ذلك فإذا ما وجد ” مستمعين جيدين ” لدى قرائه ـ الأعضاء الآخرون ل” الحشد ” ! ـ ، فإذا كان المستمعون قد ” فهموا الشاعر ” ، فلأنهم ” يستطيعون التماهي مع البطل حول قاعدة العلاقة النوستالجية مع الأب الأصلي ” .
هذه هي الإشارة الرائعة لفرويد والتي ينبغي التوقف عندها ، لأنه يصيغها بتقشف كبير : ال” ربح ” الأساس للعمل ـ كتابته هنا بحرف كبير ، لأن الأمر يتعلق بملحمة وليس بمجرد ” رواية ” ـ هو أن نجعل من تكرار العمل الأول ممكنا ، في التشخيص وتحت غطاء التخييل المكتوب ـ كبيت (شعري ) .
لكن ليس هناك ما هو أكثر مقاومة من ” التعبير بالكلمات ” من الجريمة ، بما أن الأمر يتعلق برضّة أصلية ” تفتقد إلى الرمزية “.
إننا نفهم منذ ذلك الحين ،من جهة أن الصروح الأدبية تدور حول هذا الفعل الآثم ، كما لو أن قوة البيت الشعري كانت تصطدم بهذا التحدي لاستحضار السر ؛ ومن جهة أخرى ، فإن التحليل النفسي سوف يذهب إلى أبعد من ذلك ناطقا بشكل صريح ، ” من دون لف أو دوران ” ، بالسر : ” لقد تم اغتيال الأب ، زعيم القبيلة البدائية ، بواسطة أبناء متحالفين ” ـ وقد حرص فرويد بنفسه على تعميد ” أسطورت”ـه ال” علمية 19 ” .
إن ال” أسطورة ” الفرويدية سابقة على الكتابة في القصة الأدبية .
سيفهم المرء أيضا سحر موضوعة المجرم : لقد لاحظنا من ذلك ، أساسا ، الصور ” التفصيلية ” ، من ريشار الثالث إلى المرأة القاضية مرورا بالسيدة ماكبث وربيكا ويست .
لقد لاحظنا بلوغ ذلك ذروته في ثلاثية أوديب ـ هاملت ـ كارامازوف ـ دوستويفسكي مطورا ميتافيزيقا ( ” المجرم الأصلي ” ) . فمع مؤلف الجريمة والعقاب تحديدا يكتسب ” حافز ” ال” مجرم ” (المذنب ) مع ” سمتيـ”ـه المتميزتين : ” الأنانية بدون حدود والنزعة التدميرية القوية 20 ” .
سوف تملأ موضوعة المجرم نوعا من الوظيفة التطهيرية الجذرية : وظيفة ” إعفاء ” ـ بصورة استيهامية ـ مشاهد الجريمة ـ قتل الأب ـ الذي يكوّن المحاولة والتهديد المتكررين لرغبته .
وأخيرا فإن العملية التخييلية تتعلق ـ في آن واحد بالمرأة :
في التغيير الشعري الكاذب للفترة الأصلية ، أصبحت المرأة على ما يبدو التي شكلت ثمنا للقتال وطُعما للقتل ـ مغوية ومحرضة على الجناية 21 .
يحيلنا هذا على ثيمة الأنوثة ، كرهان على الشعر ، لكن أيضا مثل معرفة للعرض ـ نهاية التحقيق .
ه. إعادة كتابة موسى أو الشعر الفرويدي
ومع ذلك لا يستطيع المرء التخلي على مسألة الحقيقة والتخييل ـ التي تكشفها الصلة بدوستويفسكي ـ دون أن يمتلك الجرأة على أن فرويد قد كرس آخر مجهود له في ” كتابة ” لبحث يخاطر بطريقة مركزية بمسألة الحقيقة التاريخية : ثيمة موسى ودوره في مصير الشعب اليهودي . ك”محرر ، مشرع ومؤسس للدين ” ، فقد طرح نفس السؤال على ال” شخصية التاريخية ” وابتكار الأسطورة 22 ـ بإيجاز ابتكار الشخصية المؤسسة .
إن ما يتخذ شكلا في إعادة الكتابة الفرويدية لل” تاريخ ” ، هو ” رواية تاريخية ” ـ بالمعنى الدقيق للصياغة، عبر خيال يتغذى على ” معرفة اللاوعي ” ـ ، مادة بناء فعالة . إن ما ظهر حينئذ هو مأساة ” بطلـ”ـها من أصل مصري ، أرشد الشعب اليهودي إلى التوحيد ، وحيث تأثير ذلك هو فعل مكبوت : اغتيال النبي تحت تأثير التمرد . فرويد ، مستندا على أطروحات مثيرة للجدل لإرنست سيلان Ernst Sellin) ( 23 ، ” استيهام ” اغتيال موسى الذي سيشهد عليه تقليد مزيف .
بعيدا عن القضايا الشاسعة التي يطرحها تفسير هذا النص ، نسجل ما هو أهم بالنسبة لمقترحنا : لقد خصص فرويد جزءا مهما من نشاطه في الكتابة في سنواته الخمس الأخيرة ـ كما يشير إلى ذلك أرشيف ” إصدارات ” متلاحقة 24 ـ إلى ” بناء ” ضخم ، يهدف إلى إعادة بناء حقيقة تاريخية ، عاملا على فحص اشتغال التقليد . فمن جهة سوف يتكرر الحدث الأول حول شخص موسى ـ وهو ما ينظم ، بعد مرحلة فقدان الذاكرة ، الذاكرة ال” مشفرة ” للتقليد ؛ ومن جهة أخرى ، فإن ال” رواية العائلية ” لل” إنسان موسى ” ، ابن متبنى منذور لمهمته البطولية ، يلتحق بالمصير الاستثنائي لشعب.
كما أن فرويد كتب شعرا ” وجد نفسه من جديد في نقطة البداية ” : إن الدراسة حول موسى بإمكانها جدا أن تجعله مؤلفا لرواية من أجرأ ال” روايات التاريخية 25 ” .
إن ما يسعى إليه هنا هو “إعادة بناء ” ـ مثل شاعر في نوعه ـ ” قطعة الحقيقة التاريخية ” حيث لاحظ ذلك في ذات الحقبة :
ليس وحده الجنون يمتلك منهجا ، كما يعترف الكاتب (الشاعر ) بذلك ، لكن […] ثمة قطعة من الحقيقة التاريخية متضمنة فيه 26 .
إن الهدف الحقيقي لكتاب موسى والتوحيد هو تحديدا فهم النص المشفر للفعل : إنها تتمة ، في الوقت نفسه لكتاب الطوطم والمحرم ومستقبل وهم . فمن جهة ، فإن العمل البدائي كان صاعقا من خلال ” إعادته إلى وضعه السابق ” ؛ ومن جهة أخرى ، بإمكان المرء أن يتبين كيف أن الفكرة الدينية تكتسب تأثيرها ـ ليس فحسب ك” مكسب نفسي ” ، بل كشكل تاريخي .
سيادة الروائي مجيبا من يعترض عليه : “وعلى أي حال فمن الممكن أن يكون هذا حقيقيا 27 ” .
ــــ
هوامش
مصدر النص : أدب وتحليل نفسي ، بول لوران أسون Paul-Laurent Assoun . دار نشر : Ellipses Editions Marketing s.A.2014
بول لوران أسون Paul-Laurent Assoun) ( : من قدماء المدرسةالعلياللأساتذة (سانت كلود ) ، وهو حاصل على دكتوراه الدولة ومبرز ، وهو أستاذ محاضر بجامعة باريس السابعة ـ دنيس ديدرو .
1 ـ رسالة فرويد إلى طوماس مان بمناسبة عيد ميلاده الستين ( يونيو 1935 ) وفيها ذكره بالمهمة الأخلاقية للكاتب .
2 ـ لابدمن تسجيل فلتة لسان فرويد ، في تقريره لحالة رجل الجرذان ، فقد كتب ” شعر وتخييل ” بدلا من ” شعر وحقيقة ” ( خمس محاضرات في التحليل النفسي ، ص 232 ) : ” رجل الجرذان .مذكرة تحليل ” ، بوف ، 1974 ، ص 98/ 34 .
3 ـ راجع كتابنا دروس تحليل نفسية حول النظرة والصوت ، جزء 2 ، ص 30 .
4 ـ رسالة فرويد إلى أرنولد زويغ بتاريخ 11 ماي 1934 ؛ إرنست جونز ، حياة وعمل سيغموند فرويد ، جزء 3 ، ص 516 .
5 ـ رواية ليونار دو فنشي أو قيامة الآلهة(1902 ) يتكون الجزء الثاني من ثلاثية ، بين جوليان لابوستة Julien L’Apostat) ( وبيير و ألكسيس أو ضد المسيح ، بعنوان المسيح وضد المسيح .
6 ـ دوستويفسكي وقتل الأب ، G.W.14,p.399.
7 ـ ( ” الصورة الأصلية لرواية الإخوة كارامازوف ” ) نشر فريتز إكشتاين Fritz Eckstein) ( ورونيه فيلوب ميلر (René Fulop-Miller) (ميونيخ)
8 ـ مقدمة الطبعة الألمانية لإذغار آلا نبو ، دراسة تحليل نفسية لماري بونبارت 1934 . G.W.16.
9 ـ رسالة إلى تيودور رايخ بتاريخ 14 أبريل 1929 ، في رد على دراسة كرسها رايخ للكتاب حول دوستويفسكي ، أعيد نشرها ضمن شهادة لرايخ ، ثلاثون سنة مع فرويد ، 1956 ؛ ترجمة إلى الفرنسية سنة 1976 éditions complexe,p.91 .1976
10 ـ دوستويفسكي وقتل الأب G.W.14.
11 ـ مرجع سبق ذكره ، ص 414 .
12 ـ ستيفان زويغ ، روايات وقصص قصيرة La Pochothèque , Le Livre de poche , 1991, p.411 – 470.
13 ـ مرجع سابق الذكر ، ص 416 .
14 ـ مرجع سابق الذكر ، ص 411 .
15 ـ مرجع سابق ، ص 415 .
16 ـ مرجع سابق ، ص 412 .
17 ـ علم نفس الجماهير وتحليل الأنا . chap .12,G.W.13 ,152.
18 ـ راجع بشأن هذه الفكرة عملنا فرويد والعلوم الاجتماعية . التحليل النفسي ونظرية الثقافة Armand Colin, « cursus » , 1993 ,p.85-86.
19 ـ مرجع سابق الذكر chap. 12, annexe A , G.W.13,152 .
20 ـ دوستويفسكي وقتل الأب G.W.14 ,400.
21 ـ علم نفس الجماهير وتحليل الأنا G.W.13,152.
22 ـ G.W.16,103.
23 ـ انظر إرنست سلان ، موسى ودلالته بالنسبة للديانة الإسرائيلية اليهودية (1922) .
24 ـ تم الشروع في العمل عام 1934 ، وأعيدت كتابته سنة 1936 ، وظهر في أجزاء : الدراسة الأولى ” موسى مصري ” عام 1937 في مجلة إماجو Imago) ( ، متبوعة بالدراسة الثانية ” إذا كان موسى مصريا ” ، في نفس السنة ، مجموعة ( تضمن الدراسة الثالثة والأخيرة ” موسى ، شعبه والديانة التوحيدية “، أتت على الاكتمال عام 1938) ، ظهرت في مجلد سنة 1939.
25 ـ انظر رسالة فرويد إلى زويغ بتاريخ 30 شتنبر 1934 : ” وجدت الصيغة على وجه السرعة : ابتكر موسى اليهودي ، وكتابي يحمل عنوانه اسمه :” الإنسان موسى ، رواية تاريخية ” ( في كتاب سيغموند فرويد ، مراسلات ، 1873 ـ 1939 ) . انظر أيضا الرسالة إلى إيتانغون بتاريخ 13 نونبر 1934 : ” أنا لست على قدر من المهارة عندما يتعلق الأمر بالروايات التاريخية . لنتركها إلى طوماس مان ” .
26 ـ بناءات في التحليل G.W.16,54.
27 ـ هذا هو جواب فرويد على العالم اليهودي يهوذا الذي جاء ليخبره بخصوص سلان ، الذي كان يستند عليه ، فقد قام بسحب فرضيته وفقا لجونز ،مرجع مذكور ، جزء 3، ص 423 ) .



