النجاة – نجيب محفوظ

(حجرة جلوس، في الوسط مدفأة حائط مشتعلة، إلى اليمين من المدفأة باب حجرة النوم، وإلى اليسار منها باب حجرة المكتب. في نهاية الجانب الأيمن لحجرة الجلوس باب هو باب الشقة، إلى اليسار يوجد بار وتليفزيون. رجل يجلس على مقعدٍ كبير أمام المدفأة، يرتدي روبًا ويطالع في كتاب.)
(جرس الباب الخارجي يرنُّ بغتة رنينًا متواصلًا.)
(يقوم الرجل إلى الباب، يفتحه، تندفع إلى الداخل امرأةٌ جميلة مرتدية معطفًا وبيدها حقيبة؛ تندفع وكأنها تجري ثم تقف وهي تلهث. الرجل ينظر إليها بدهشة ودون أن يغلق الباب .. واضح من نظراته أنه لا يعرفها ولم يكن ينتظرها.)
الرجل (بتردد وارتباك) : ولا مؤاخذة .. حضرتك …؟
المرأة (بلهفة) : أغلق الباب! من فضلك أغلق الباب!
(الرجل يغلق الباب بذهول.)
الرجل : وحدكِ؟
المرأة : نعم. (يقفان وهما يتبادلان النظرات)إني مرهقة، تسمح لي بالجلوس؟
الرجل : تفضلي. (يجلسان على مقعدَين متقاربَين أمام المدفأة، تسند المرأة رأسها إلى يدها في إعياء، يعلو صدرها وينخفض بشكلٍ محسوس. الرجل يتفحصها بدهشة، ويبدو — رغم غرابة الموقف — أن محاسنها أثرت فيه بعض الشيء) أنا وحدي، ذهبت الخادمة عقب إعداد العشاء، ولكني سأجيئك بكوب ماء.
(يقوم إلى البار فيملأ كوبًا من دورق ثم يقدمه إليها، المرأة تشرب نصفه، ثم تضعه على خوان بين المقعدَين.)
المرأة : آسفة جدًّا لإزعاجك.
الرجل : أنا في خدمتك.
المرأة : شكرًا.
الرجل : يلزمك شيء؟
المرأة : أكرر الأسف، الواقع أنني لا أدري ماذا أقول.
(صمت.)
المرأة : سلوكي يتطلب تفسيرًا، ولكني لا أدري ماذا أقول.
الرجل : استردِّي أنفاسك أولًا.
المرأة : ماذا أقول؟ مهما يكن فإني أتوسل إليك أن تكرمني.
الرجل : وهل في ذلك شك؟
المرأة : أعني أن تعاملني معاملة تليق بامرأة في أشد حاجة إلى …
الرجل : إلى؟
المرأة : الحماية.
الرجل : ماذا يهددك؟
(صمت.)
الرجل (مستدركًا) : لكني لم أتشرف بعدُ؟
المرأة : لا يهم هذا على الإطلاق.
الرجل : ولكنه ضروري فيما أعتقد.
المرأة : كلا، لن يقدم ولن يؤخر!
الرجل : لن أضايقك، ولكن ثمة سؤالٌ آخر، هل قصدتني بالذات؟ هل تعرفينني؟
المرأة : بابك أول باب فُتح لي، هذا كل ما هنالك.
الرجل : هل طرقتِ أكثر من باب؟
المرأة : نعم.
الرجل : ماذا يهددك؟
المرأة : أكرمني بألا تخبر أي طارق عني!
الرجل (بقلق) : هل يُتوقَّع مجيء من يتعقبك؟
المرأة : نعم.
الرجل : رجل أم امرأة؟
المرأة : رجل.
الرجل (بعد تردد) : زوجك؟
المرأة : كلا.
الرجل : صديق؟ .. قريب؟
المرأة : ألا تتكرم بحمايتي دون تحقيق؟
الرجل : ولكن …
المرأة (مقاطعة) : لعلك تعمل حساب أهل بيتك؟
الرجل : لا يوجد في البيت سواي.
المرأة : ولكن عما قليل سترجع زوجتك؟
الرجل : لست متزوجًا.
المرأة : تنتظر ولا شك أحدًا ممن يقيم معك؟
الرجل : إني أقيم هنا بمفردي.
المرأة : عظيم، ستكون المهمة سهلة لو تكرمت بالموافقة.
الرجل : ولكن يلزمني بصيص نور.
المرأة : لن يمسك سوء.
الرجل : ولكني أود أن أعرف المسئولية التي سأتحملها!
المرأة : لن تمضي ساعات حتى أغادر مسكنك إلى الأبد كأني شيء لم يكن.
الرجل (مداريًا ارتباكه بابتسامة) : ستظلين شيئًا لا يمكن نسيانه.
المرأة : غزل أم تحقيق؟
الرجل : كنت أفضل أن يكون غزلًا خالصًا.
(صمت.)
الرجل : إذا شرفتني وقتًا ثم ذهبت دون أن يعلم أحد فلا حرج، ولكن إذا جاء أحدهم يتعقبك فيلزمني بصيص نور قبل أن أنكر وجودك.
المرأة : لن تقع عليك مسئولية ما.
الرجل : بل قد أُجرُّ إلى متاعب لا تخطر ببالٍ!
المرأة : لا تهوِّل.
الرجل : لا تتركيني في ظلام.
(صمت.)
الرجل : أرجوك، لا تضطريني إلى …
المرأة : إلى تسليمي لأول طارق!
الرجل : أرجوكِ أن تفهمي موقفي جيدًا.
المرأة : إني أتعلق بأملٍ وحيد؛ ببقية من الشهامة البطولية القديمة.
الرجل : من المؤسف أن عهد الفروسية والملاحم قد ولَّى.
المرأة : في حالة اليأس يفزع القلب إلى زمن الأساطير.
الرجل : أنا يا سيدتي رجل لا أسطورة.
(صمت.)
الرجل : فكِّرِي من فضلك وأجيبي.
المرأة : لكني عاجزة تمامًا.
الرجل : قبل أن تفوت الفرصة؟
المرأة : كن كريمًا إلى النهاية.
الرجل (غاضبًا) : إني أشم رائحةً مقلقة للأعصاب.
المرأة : أي رائحة؟
الرجل : جريمة ما!
المرأة : لا تدفعني إلى الانتحار!
الرجل : ماذا فعلتِ؟ (جرس الباب يرنُّ، المرأة تقف فزعة، تهرع إلى باب حجرة النوم، تدخل ثم تغلق الباب من الداخل، الرجل يحاول فتح الباب فلا يستطيع، الجرس يرنُّ مرة أخرى) افتحي.
المرأة : كن كريمًا.
الرجل : لا تجريني إلى مأزق.
المرأة : كن رحيمًا.
الرجل : سأتصرف كما ينبغي لي.
المرأة إذا اعترفت بوجودي هنا رميت بنفسي من النافذة.
الرجل : أنت مجنونة!
المرأة : أنا عاقلة جدًّا.
الرجل : إنكِ تجازيني خير جزاء.
المرأة : إني آسفة ولكنني مضطرة.
الرجل : انتظري .. لا تتعجَّلي.
(يذهب إلى الباب لاعنًا متسخطًا، يفتح الباب، يدخل رجل ضاحكًا ثم يرد الباب.)
الصديق : كنتَ نائمًا؟
الرجل : أنت! عليك اللعنة!
الصديق : يا له من استقبال! (يتجهان نحو المدفأة). ماذا حدث في العمارة؟
الرجل : لا شيء.
الصديق : وأنا قادم إلى زيارتك وجدت الشرطة تحاصر العمارة، لم أستطع المرور إلا بعد س و ج.
الرجل : حقًّا! ماذا حدث؟
الصديق : لم أفهم شيئًا، لم يردَّ على أسئلتي أحد، ولكن ثمة حادث أو جريمة، والأمر المؤكد أنهم يبحثون عن امرأةٍ هاربة.
الرجل : أين؟
الصديق : في مكانٍ ما بالعمارة، العمارة محتلة بالقوات، ألم تشعر بشيء؟
الرجل : أبدًا.
(يجلسان، الصديق يجلس في مكان المرأة، يتشمم الجو بدهشة.)
الصديق : رائحة امرأة.
الرجل : ترى أي جريمة؟ وأي امرأة؟
الصديق : لا تشغل بالك، ستعرف كل شيء صباح الغد، ولكني أقول إنه توجد رائحة امرأة.
الرجل : رائحة امرأة؟!
الصديق : رائحةٌ زكية، هل عندك حبوبة؟
الرجل : كلَّا.
الصديق : وهذه الرائحة؟!
الرجل : كان ثمة صديقة تزورني …
الصديق : مبارك عليك، ولكن مالك؟
الرجل : على خير ما يرام.
الصديق : كلا، لستَ كعادتك.
الرجل : لعله البرد.
الصديق (مشيرًا إلى المدفأة) : إنك تنعم بفردوس في هذا الشتاء القاسي.
(صمت.)
الصديق : أهي ممن أعرفهن؟
الرجل : من تعني؟
الصديق : المرأة التي كانت هنا.
الرجل : كلا.
الصديق : ولِمَ انصرفت مبكرة؟
الرجل : يكفي تحقيقٌ واحد في العمارة.
الصديق : ذكَّرتني، ترى ماذا حدث؟
الرجل : أجل ماذا حدث؟
الصديق : إنك تعرف عن فيتنام أكثر مما تعرف عن شقة مجاورة في عمارةٍ حديثة.
الرجل : أي جريمة؟ وأين اختفت المرأة؟
الصديق : لا تشغل بالك، الجرائم وجباتٌ يومية.
الرجل : والمرأة؟
الصديق : قاتلة .. شريكة في جريمة قتل .. سر جريمةٍ ما.
الرجل : وأين يمكن أن تختفي؟
الصديق : لعلهم عثروا عليها، إلا إذا كانت أصلًا من سكان العمارة.
الرجل : فكرة.
الصديق : أو تكون لجأت إلى شقةٍ ما.
الرجل : لا أحد في اعتقادي إلا إذا كان له ضلع في الحكاية. (الرجل يقوم، يبتعد إلى جناح الحجرة البعيدة عن حجرة النوم، يشير إلى صاحبه أن يتبعه فيلحق به) (هامسًا) أنا واقع في مشكلة.
الصديق : أي مشكلة؟ (جرس الباب يرن) هل تنتظر أحدًا؟ (الرجل يمضي إلى الباب بعد تردد، يفتح.)
صوت من الخارج : تسمح لي بالدخول؟
الرجل : تفضل.





