السيارة التي ورثتني – أحمد نصرالله
انطلق محمد مندور بسيارته الاسكودا السوداء التي فقدت شبابها ونضارتها؛ دهانها صار باهتا جافا، ومحركها لا يصدر سوى سعال متقطع أقرب إلى أنين شيخ عليل منه إلى هدير سيارة. زجاجها الأمامي مشروخ بخيوط دقيقة كعلامات الزمن على وجه مسن.
كان يعلم أن عمرها قد انتهى، لكنها رافقته طويلا، وشاركته نجاحاته وإخفاقاته، وأيام الحزن والفرح التي قاوم فيها الوحدة والفراغ. فالوحدة رفيق سيئ المزاج، والفراغ يحمل سما رعفا في أنفاسه. لم يكن هناك أحد في الكثير من الأوقات غيرها. ولو سمع أحد أحاديثه معها لظنه أهلًا لمستشفى الأمراض النفسية أو العقلية
، بلا حاجة لأي تقرير طبي. لكن من في هذا العالم لم يتحدث إلى قلمه أو فأسه أو نظارته أو جهاز الحاسب الخاص به؟ كلنا نحمل قدرا من الجنون، غير أن علاقة محمد بسيارته تعدّت مرحلة الحديث العابر؛ كانت انسجاما كاملا، حبلًا خفيا يربط قلبه بمحركها العجوز.
فقد ورثها عن أبيه، ومنذ ذلك اليوم صارت بالنسبة له كل شيء: شقيقته الكبرى، حبيبته، بيته وسكنه. كم مرة عصفت به الأزمات المالية، ودفعته الظروف إلى التفكير في بيعها، لكنه كان يصمد صمودا يثير دهشة من حوله؛ كطالب في الثانوية العامة،
يتشبث بها كأنها آخر ما تبقى له من العالم.
بعد وفاة والديه لم يملك سوى شقة إيجار قديم، وهذه السيارة، ومعاش هزيل بالكاد يسد رمقه. كان في حلقة معلقة بين الوصل والقطيعة؛ لا خال له ولا عم، يحيط به فقط جيران طيبون يمدونه بما يقيه العزلة، تحفه سيرة أبيه العطرة وذوقه الرفيع في معاملة الناس. يتذكر أمه التي كانت تردد دائما: السيرة الحلوة أطول من العمر.
ومع أن الله فتح له أبواب الرزق لاحقا، وتوسعت تجارته، لم يفرط في سيارته يوما. ظلت العائلة التي يتمسك بها، والحضن الذي يحتويه. كان يبثها أسراره، يناجيها في صمته، يعاتب الدنيا بين مقاعدها، ويبوح لها بشجونه العاطفية وأوجاعه، حتى غدت قطعة من روحه، وامتدادا لذاته.
يتذكر المرة الأولى التي اصطحب فيها نهاد، زميلته في الجامعة، في ذلك اليوم البارد حين كان المطر يتساقط… وقلبه أيضا كان يتساقط هياما وعشقا . لم يحب أحدا مثلها. يومها شعر أن السيارة استعادت شبابها، وكأن لمعة خفية أشرقت في طلائها، وحركتها صارت أكثر انسيابية، حتى بدت وكأنها ترقص بهما تحت المطر.
لم يتكلم كثيرا، كانت الأغنيات تفلت من أنفاسه، ومن جده وهزله. حتى صمته كان صاخبا بأغانيه الداخلية، وصوتهما يختلط برذاذ المطر على الزجاج. حالة من الحب بثتها السيارة نفسها على لقائه السماوي بنهاد.
يومها لم يستطع النوم؛ ظل ساهرا مع سيارته يستعيد كل مشهد، كل ابتسامة، كل رعشة يد. ورغم البرد والمطر، كان ثمة دفء رحيم يسري في أرجائها، وموسيقى حالمة تتدفق من جنباتها، لا يدري من أين تأتي، لكنها كانت تملأه باليقين أن لحظة كهذه لا تُنسى.
واليوم ينطلق بها كعادته كل صباح إلى شركته الصغيرة التي أنشأها بعد تخرجه. وفجأة ظهرت أمامه ناقلة ضخمة بسرعة هوجاء، كأن سائقها لم يعرف في حياته غير المخدرات. لم يدر أين يذهب أو كيف يتفادى الصدام الوشيك.
وفي صباح اليوم التالي، وجد نفسه في المستشفى، بلا خدش واحد. كان بجواره جاره الأستاذ مجدي، الذي ابتسم في وداعة قائلا: حمدا لله على سلامتك يا حمام، أقلقتنا عليك كثيرا.
بصوت خفيض أجابه: الله يسلمك… لكن ما الذي حدث؟ لقد اعتقدت أني مت.
فقال مجدي: الحمد لله، لقد خرجت سليما من تلك الحادثة المريعة. الشهود جميعهم ما زالوا في دهشة من نجاتك المستحيلة. أجمعوا أن السيارة اصطدمت فعلا بالناقلة، ثم ارتفعت في الهواء، وقبل أن تسقط بك فتحت أبوابها وألقتك على جانب الطريق الرملي، لتكمل وحدها رحلتها نحو الجانب الآخر، بعد أن صارت كتلة صفيح مطبقة.
انقبض قلب محمد كأن يدا غليظة انغرست في صدره وانتزعت منه ما تبقى من أنفاسه. سالت دموعه بغزارة، إنها لم تكن دموع رجل فقد سيارة، لكن دموع يتيم اكتشف أن حبله الأخير بالحياة انقطع.
للحظة انتبه أن ما غاب تحت عجلات الناقلة لم تكن كتلة من الحديد، إنها بقايا البيت، صدى أمه، ظل أبيه، وكل ما كان يقيه العزلة.
الآن وجد نفسه وحيدا، يتأرجح بين ذاكرة مثقلة بالأسى وخراب وداع لا رجعة فيه.






